الأذن «تقرأ» قبل العين أحيانا
20-07-2026 10:13 AM
منذ فترة قريبة اضطرتني ظروف عملي إلى السفر كثيرا، في الوقت الذي كنت فيه ملزمة بقراءة عدد من الكتب والروايات للكتابة عنها، أو لإدارة ندوات مع كاتبيها، وفي غمرة حيرتي أمام هذا الوضع الضاغط وجدتني مرغمة على الاستعانة بالكتاب الصوتي، لأستغل الوقت المتاح أثناء ساعات الطيران، أو الانتقال الطويل بالسيارة، ورغم تمسكي – وأنا الكائن الورقي – بالكتاب في صيغته التقليدية، ودفاعي الدائم عن ضرورة استمراريته، وولعي بطقوس القراءة وملمس الورق ورائحته، لم أجد تجربة الكتاب الصوتي (بطّالة)، بل لا أنكر استمتاعي بها، مثيرة فيّ نوعا من النوستالجيا إلى زمن الراديو، وما كان يذاع فيه من مسرحيات وفصول من روايات متسلسلة، بل أخذني الحنين إلى أبعد من ذلك -قبل زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وتحوّل الهواتف الذكية إلى عضو إضافي في أجسامنا- أخذني إلى زمن الطفولة حين كانت الأمسيات تنتهي بحكايات الجدات والأمهات الوارثات لتقاليد الحكي من كبيرتهن، التي علمتهن فن السرد شهرزاد.
هذه الآلية في القراءة ليست مستجدة فقد ظهرت بصيغتها الحديثة (أي تحويل المادة المكتوبة إلى محتوى مسموع) قبل قرابة قرن من الزمان، مستهدفة أساسا فئة من المجتمع كالمكفوفين والأميين ومن يعانون من عسر القراءة (Dyslexia) ثم توسع نطاقها عند ظهور أقراص الفينيل، وقبل نصف قرن أوصلت أشرطة الكاسيت الكتاب الصوتي إلى شريحة أوسع، مستهدفة جمهورا علاقته بالوعاء الورقي ضعيفة، وما زلت أذكر بإعجاب وحنين تجربة المجمع الثقافي في أبوظبي وأشرطته من الكتب التراثية والدواوين الحديثة، ومع انتشار الكمبيوتر المحمول والأقراص المدمجة (CD) نافست الأذنُ العينَ في القراءة، وإن بقي الكتاب أخفّ محملا وأسهل في التنقل يومذاك، ولم تنقلب الأدوار إلا مع ظهور النسخة الرقمية من الكتاب الصوتي، فلم يعد هناك من داع لامتلاك وسائط مادية للاستماع (المسجلة للكاسيت أو الكمبيوتر للقرص المدمج)، بل يكفي جهاز واحد صغير مثل الهاتف الذكي – وقد أصبح ملازما للصغير والكبير- للاستماع إلى ما شئنا وقتما شئنا.
كان وباء الكوفيد نعمة كبيرة على الكتاب الصوتي، ففي الوقت الذي حصد فيه هذا الوباء أرواحا كثيرة، وتضرر الاقتصاد العالمي جرّاءه، شهدت سوق الكتاب الصوتي نموا غير مسبوق، فالاحتجاز الطويل داخل المنازل والعمل والدراسة عن بعد وسهولة الاشتراك في المنصات الرقمية والبحث عن وسائل ترفيه لا تتطلب الجلوس الطويل أمام الشاشة، كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من الكتاب الصوتي البديل الأنسب، ويكفي أن نذكر أن مبيعات الكتب الصوتية في بريطانيا في النصف الأول من عام 2021 شهدت قفزة مذهلة بنسبة 71% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019 -أي ما قبل الكوفيد- حسب إحصاءات اتحاد الناشرين البريطانيين، وكذلك هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، وبلدان أخرى كثيرة وإن بنسب أقل، بل لجأ بعض مشاهير الكتاب إلى هذه الوسيلة لإيصال صوتهم إلى أكبر شريحة ممكنة من القراء، ويكفي أن نذكر أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سجّل كتابه «أرض الميعاد» (A Promised Land) بصوته عام 2020 على مدى 29 ساعة.
وغيّر الوباء حتى عادات الاستماع، فتحوّل مكان الاستماع للكتاب الصوتي من مكانه الأثير المتحرك على مقعد السيارة أثناء السياقة إلى مكان آخر ثابت هو المنزل، وبقيت هذه العادة مستمرة حتى بعد انتهاء الجائحة، التي نبهت الناشرين إلى هذا الرديف الواعد للكتاب الورقي، فسارعوا إلى الاستثمار فيه وإنتاجه لاكتساب قاعدة أوسع من زبائنهم التقليديين عاشقي رائحة الورق ومدمني ملمسه.
عوامل كثيرة ترجّح كفة الكتاب الصوتي، بعيدا عن المفاضلة بينه وبين الكتاب الورقي، وبعيدا عن السؤال الذي تضاربت الإجابات عنه، هل يعدّ الاستماع قراءةً بمعناها الفعلي؟ من ضمن هذه العوامل أنه يتيح تعددية المهام أثناء الاستماع فيمكن تشغيل الكتاب الصوتي في وسائل النقل المختلفة، وأثناء المشي أو ممارسة الرياضة أو غسيل الأطباق، وكي الثياب بالنسبة لربة البيت، وهو ما يتعذّر على قارئ الكتاب الورقي فعله، وأعرف أشخاصا قرأوا -أو استمعوا لا فرق- إلى كتب عديدة في زحمة السير الصباحية، أثناء انتقالهم إلى وظائفهم، فإذا أضفنا إلى هذه المرونة المكانية والعملية عاملَ الوصول إلى آلاف العناوين بكبسة زر، من دون عناء التنقل إلى المكتبات، إذ تكفي نقرة واحدة ليصبح الكتاب المرغوب بين يدي طالبه، وبثمن أقل عادة من نظيره المطبوع، كل هذه العوامل أنعشت القراءة من جديد وأكسبتها أجيالا جديدة، وخاصة من أبناء جيل Z المعتاد على البودكاست، فتطعيم ذلك بالكتاب الصوتي انتقال سهل بالنسبة إليه، علما أن التطور التكنولوجي يسهّل أكثر فأكثر استعمال هذه الوسيلة ويكيّفها مع احتياجات القارئ «ففي تطبيق Audible، يمكن للمستخدمين اختيار سرعة السرد، وضبط مؤقّت يوقف القراءة في الوقت المناسب، والتحوّل إلى «وضع القيادة» الذي يتميز بأزرار أكبر وشاشة لا تنطفئ أبدا، أو حتى الاستماع إلى الملفات، من دون اتصال بالإنترنت وبالمناسبة Audible هذا التطبيق التابع لشركة أمازون هو أشهر وأكبر تطبيق للكتب الصوتية في العالم، ويُعد المرجع الأساسي في صناعة الكتاب الصوتي، إذ يضم أكثر من مليون عنوان بين الكتب الصوتية والبودكاست والإنتاجات الحصرية، ويوفّر محتوى بأكثر من 50 لغة في أكثر من 180 دولة. ففعل القراءة في حقيقته لم يغب عن الأجيال الجديدة كما يشاع وتكثر الشكوى منه، بل أعاد تكييف نفسه في أساليب مختلفة وتشكّلَ من جديد في وسائط أخرى مضغوطة في جهاز بحجم الكف يدعى الهاتف الذكي، تغيّرت الوسائل والقراءة واحدة.
وهناك ميزة نغفل عنها في نجاح أو فشل بعض الكتب الصوتية وهي قارئ النص، باعتبار أنها كتب تقرأ بالأذن، لذلك لجأت دور إنتاج هذا النوع من الكتب إلى ممثلين مختصين يجيدون نقل المشاعر والتحكم في طبقاتهم الصوتية، وأفضلهم ممثلو ومدبلجو الرسوم المتحركة، فهم ممثلون بأصواتهم لا بتعابير وجوههم تعودوا أن يشحنوا النصوص التي يقرأونها بأبعاد عاطفية تعبيرية، كما لجأ البعض الآخر إلى مؤلفي الكتب أنفسهم في تقمص الكلمات التي خطتها أناملهم، ومن أنجح التجارب في هذا المجال مذكرات الأمير هاري «الاحتياطي» (Spare) التي صدرت بأشكال ثلاثة: ورقي وإلكتروني وصوتي بقراءة الأمير هاري نفسه، فدخلت موسوعة غينيس كأسرع كتاب غير روائي مبيعا في التاريخ. وقد قَدّمت النسخة الصوتية قيمة مضافة تجلت في نبرة الحزن في صوت الأمير هاري عند حديثه عن والدته الأميرة ديانا، أو الشعور بالتردد عند بعض الاعترافات، أو انفعال الصوت في حديثه عن العائلة المالكة، لكن مشكلة تسجيل الكتاب الصوتي بصوت مؤلفه أو بصوت ممثل محترف تتطلب ساعات طويلة من القراءة (مدة كتاب الأمير هاري 15 ساعة و40 دقيقة) بما ينجم عنها من تكلفة عالية تنعكس ارتفاعا في ثمن الكتاب الصوتي، وبطئاً في إنتاج الكتاب، لذلك لجأت الشركات الكبرى إلى تقنيات استنساخ الأصوات واستخدام الأصوات الصناعية، بل ذهبت شركات إنتاج إلى استخدام تقنية (Multi-Cast) وهي تقنية «تمنح كل شخصية داخل الرواية صوتا مختلفا، بما يحاكي أداء فريق كامل من الممثلين، ما يجعل التجربة أكثر واقعية وتفاعلا»، مع تفضيل المنتجين استنساخ الصوت أكثر من الأصوات الاصطناعية، التي تبدو أغلب الأحيان آلية غير طبيعية، لا روح فيها، واستنساخ الصوت يقوم على فكرة بسيطة، حيث يقرأ المؤلف جزءا بسيطا من كتابه ثم يكمل الذكاء الاصطناعي القراءة مستخدما البصمة الصوتية نفسها، ونبرة صوته نفسها، بل يمكن عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي إضافة تلوينات على صوت المؤلف فيحوله رخيما، أو حماسيا، أو هامسا حسب الحاجة، ويستطيع أيضا صنع أجواء مناسبة للنص المقروء، ففي رواية رعب يستشعر القارئ اقتراب خطوات خلفه وغيرها من الأمثلة، ما يحوّل القراءة السمعية إلى أجواء سينمائية ترى بالأذن لا بالعين.
تبقى نقطة أخيرة تهم أمثالي ممن اعتادوا استلال الاقتباسات من الكتب بتلوين الأسطر المهمة، أو التسطير تحتها، أو كتابة ملاحظات هامشية على الجانب، لا أعتقد أن العلم عاجز عن استحداث زر «اقتباس» يحول المقطع الذي نرغب في تسجيله إلى نص إلكتروني مكتوب موثقا باسم الكتاب، والصفحة أو الفصل، فإن تم ذلك أضمن أن صانعي الكتب الصوتية سيغرون من هم مثلي من عاشقي الكتب الورقية بالانضمام إليهم.
أليست تجربة مذهلة أن أستمع إلى غابرييل غارسيا ماركيز، يقرأ لي أيقونته «مئة عام من العزلة» بلهجته الكاريبية الدافئة.. ولكن بلغة عربية فصيحة؟!
تونس تعلن ارتفاع إنتاج الكهرباء 6 بالمئة حتى نهاية مايو 2026
الكويت: الدفاعات الجوية تتصدى لهجمات صاروخية ومسيّرات معادية
سيزيف الأردني .. حين تتحول الحقيقة إلى ساحة صراع
قوات التحالف: سنتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية السفن
أفغانستان .. سيول مفاجئة تحصد أرواح 20 شخصا
الأردن .. عندما تصبح الإنسانية سياسة دولة
الصين تعلن تطوير أكثر من 400 روبوت شبيه بالبشر في 6 أشهر
رويترز: إسقاط طائرة مسيّرة ملغومة قرب قاعدة الحرير بالعراق
القوات الأميركية تعلن شن موجة جديدة من الضربات على إيران
السعودية: سنتخذ الإجراءات اللازمة لحماية سفننا
6 منتخبات تتأهل مباشرة إلى كأس العالم 2030 .. ماالسبب؟
الاحتلال: بدء المرحلة التجريبية لمشروع المنطقة الآمنة في جنوب لبنان
«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟
لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية
الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة
وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق