نهاية حرب ايران

نهاية حرب ايران

06-03-2026 04:59 PM

لن نكرر ما تداولته كافة وسائل الاعلام نقلا عن تصريحات الساسة والمسؤولين وعلى راسهم ترامب صاحب علامة حرب ايران ، ولن أتبع اسلوب التشويق الذي يقود القارئ حتى نهاية هذا المقال متتبّعا شغفه باستكشاف ما خفي عنه . سأحرق الطرق وأهدم السلاسل وأقف فوق ركام جفاء الصراحة وجفافها معلنا أنه : لا أحد يعرف موعد نهاية الحرب ، حتى ترامب نفسه ومعه نتنياهو شريك مشروعه والمشرف الميداني عليه ، وان موعد نهاية الحرب تحدّده " نقطة النهاية " التي يحهلها هؤلاء وكل ما سواهم .

نقطة النهاية هذه ليست محطة زمانية ، إنّها مكان تضيق فيه مساحة التمدد العسكري الذي بات يعتمد على اثر تكتيك المراوغة العسكرية التي باتت تعتمد على الدعاية الاعلامية أكثر من ضربات الصواريخ ، لا نحتاج هنا الى التذكير بما قلناه سابقا حول مفاجأة ترامب بقوة واتساع رقعة ردّة الفعل الايراني ومحاولته استجداء ـ قبل اغراء ـ تحريك الشارع الايراني.

نقطة المكان هذه تدعونا الى التدقيق ببعض الظواهر المؤثرة في تحديد موقعها الزماني ، أول هذه المظاهر : تباين النظرة بين ترامب ونتنياهو حول وظيفة هذا المشروع ، وما يشاع عن سيناريوهات اليوم الاول بعد الحرب ، هنا لابد لنا من الاشارة الى ان التعامل مع هذه الحرب يختلف عن التعامل مع غيرها ؛ فالحديث عن نهايتها ليس من حيث الزمان فقط بل من حيث الكيف ايضا يختلف عن الحديث عن نهاية حرب اخرى ، اما فكرة اليوم التالي فهي غريبة ايضا تبعا لغرابة انتهاء هذه الحرب وهي في كل الاحوال سابق لأوانها البعيد الذي قد لا يحدث .

غرابة النهاية هذه تمنع سير ترامب ونتنياهو باتجاه واحد ، نتنياهو يريد المتابعة وتدمير ايران بإسقاط نظامها ، وهو يضع في حسبانه تفلّت مجموعات مسلحة يمكنها الاسرّب الى مناطق مجاورة تسمح له بتطبيق سيناريوهات التمدد التقليدية التي أدمنت اسرائيل تطبيقها ، هذا ان كان نتنياهو يتصور هذا حقا ، أما ان لم يكن هذا في حسبانه لاعتبارات اخرى فالأمر اكثر صعوبة . بينما تمثل فكرة الحرب هذه لدى ترامب مشروعا مربحا سريعا يقتضي انسحابه فورا من ساحة ايران التي يعتبرها ساحة تفاوض ينبغي ـ وفقا لاعتقاده ـ ان يلحق به الزبون متوسلا اتمام الصفقة ، وهو ما يعني بالنسبة لترامب ضرورة الابقاء على هيكل رسمي يتعامل معه ؛ بطريقة تضمن وجود طرف يعترف بخسارته امام ترامب او بالأقل يمكن لترامب نسبة هزيمة اليه امام الامريكيين.

ثاني هذه المظاهر : بعد احساس ترامب بالحرج وإطباق المأزق الذي توسل وتوسّم فيه مهربا من ملفات داخلية ، حاول غير مرة الاستنجاد بفكرة يمكننا اطلاق تسمية " مفصل الدفع " عليها تقوم على تحشيد جمهور موال من ارض العدو متوسلا في سبيل تحقيق ذلك تكرار التصريحات من مختلف مستويات المسؤولية مع التضخيم الاعلامي المناسب المبني على فكرة بث " طمأنينة مضادة " لدى افراد الشعب ومعهم اتباع السلطة من جيش وحرس ثوري وقوات الباسيج وغيرها من قوات الامن وفقا لأطلاق وعود السلامة والعصمة من الموت المحقّق في حال الاستمرار في دعم السلطة القائمة ؛ محاولا الالتفاف من جهة استيعاب ترامب للتحاور مع القيادة الجديدة التي يراها جديرة باختياره ، بعيدا عن اسماء لا يرغب بها ؛ على راسها مجتبى خامنئي ، تلك القيادة التي يرى فيها العجز عن اسقاط الطائرات في الكويت باعتبار السقوط كان لسبب آخر لا يسمح للشعب الايراني وافراد السلطة بالاستمرار مع قيادة كهذه دُمرت كافة قدراتها الدفاعية .

المظهر الثالث : نظرية " الهبوط السماوي " وفكرة الرسالة التي استعان بها كل من ترامب ونتنياهو لمواجهة ايران العقائد ، التي اثبتت حتى اللحظة تماسكها في وجه محاولات الامريكيين والاسرائيليين وغيرهم الحالية والسابقة النيل منها ، اراد نتنياهو إخماد الاصوات الداخلية في المستويين الرسمي والشعبي الداعية الى اجتناب ورطة مع ايران وفيها ، بالإضافة الى اجتناب تلك الاصوات المندّدة بتحقق كوارث هذه الورطة حين صرح بحمله رسالة سماوية ، ومثله فعل ترامب حين جمع قساسوة للصلاة له من اجل اضفاء صفة روحانية ؛ تضمن تحشيدا شعبويا في صف السلطة ؛ تلجأ إليه السلطات عادة على مر التاريخ حين تعجز او تضعف عن حسم مسالة ما بالقوّة ؛ باعتبار الدين أداة من ادوات السياسة ومقبضاً من مقابض الحكم .

رابع هذه المظاهر : حالة التناقض التي تعيشها نشوة النصر المزعوم لدى الجانب الأمريكي الاسرائيلي الغارق في اثبات القضاء على قوة ايران الضاربة ودفاعاتها ؛ التي باتت تصطدم مع وقائع نفاذ ذخيرة هذين الشريكين التي عبرت عنها عدد من الشواهد في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وغيرهم ، حول تغيير في وتيرة زخم الضربات ؛ تحسّبا لنفاذ الذخائر بفعل امتداد الحرب ، مضافا الى ذلك تناقض الحديث عن الإجهاز على القدرات الصاروخية الايرانية ومنصات اطلاقها مع ما أشيع عن نقل بطاريات باتريوت من كوريا الجنوبية الى منطقة الشرق الاوسط علاوة على غيرها من الذخائر والمعدات من قواعد امريكية اخرى ؛ فاذا ما كانت قدرات ايران قد انتهت فعلا فما هي الحاجة لمثل هذا الاجراء ، أضف الى ذلك تصريح الرئيس الاندونيسي حول الانسحاب من مجلس سلام ترامب في حال انعدام الجدوى منه ؛ على خلفية حرب ايران واستجابة لأصوات داخلية مندّدة ، يذكرنا هذا المظهر بالانسحاب التكتيكي الذي اعلن عنه علي عباس وزير دفاع الأسد قبل هروبه بساعات .

ليست هذه كل الظواهر بل أهم عناوينها ، لكن نقطة النهاية تحددها لحظة إطباق هذه العناصر الى حد يستحيل معه الاستمرار ، هذه الاستحالة قد تحمل معنى ارتفاع التكاليف على الشريكين : الولايات المتحدة و اسرائيل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد