في واشنطن يُستجوبون أمام الكاميرات .. وفي عمان يُمرّرون القوانين بصمت مطبق

في واشنطن يُستجوبون أمام الكاميرات ..  وفي عمان يُمرّرون القوانين بصمت مطبق

30-04-2026 12:39 AM

في مشهدين سياسيين متناقضين تماماً، يتجلى الفارق بين مفهوم "الدولة المؤسسية" التي تخضع للرقابة، و"الدولة التقليدية" حيث تغيب المحاسبة.

بينما شهدت واشنطن مؤخراً استجواباً قاسياً ومباشراً لفريق الرئيس دونالد ترامب، رغم شعورهم بأنهم "في حالة حرب"، استمر مجلس النواب الأردني في تمرير القوانين التي يعارضها الشعب، في مشهد اختصرته كلمة دارجة لكنها معبّرة: "التبصيم".

عندما طلب فريق ترامب موازنة إضافية وزيادة صلاحيات بحجة أنهم "في حالة حرب" سياسية وإعلامية وقضائية، لم يمرر الكونغرس الطلب كصفقة مغلقة , بل أصر على محاسبة الفريق واستجوابهم، ليس في غرف مغلقة، بل أمام عدسات الإعلام الأمريكي ببث مباشر.

كان الاستجواب قاسياً وشاقاً، وأظهر أن السلطة التشريعية في أمريكا لا تنظر لنفسها كـ"مكتب تنفيذي ثانٍ"، بل كسلطة موازنة ومراقبة حقيقية.

المبدأ الذي جسده المشهد هو أنه لا أحد فوق المساءلة، حتى لو كان الفريق المستجوب يمثل رئيساً حالياً، وحتى لو كانت البلاد في حالة انقسام حاد.

الإعلام هنا لعب دور السلطة الرابعة، حيث حوّل البث المباشر إلى أداة ضغط ومراقبة جماهيرية لحظة بلحظة.
في النهاية، خرج الفريق منهكاً، لكن النظام برمته خرج أقوى، لأن المواطن الأمريكي رأى بعينه أن الكونغرس يؤدي دوره ولو بقسوة.


على الجانب الآخر من العالم ، وفي الأردن تحديدا، يتكرر مشهد مختلف تماماً , مجلس النواب الأردني يناقش قوانين مصيرية تمس حياة المواطنين، بعضها يتعلق بالمال العام والانتخابات والضرائب، لكن المفارقة أن الشعب يعارضها بشكل شبه كامل.

تخرج احتجاجات شعبية واسعة، وتصدر بيانات نقابية ورسمية غير حزبية تعبر عن الرفض، لكن المجلس النيابي يستمر في "التبصيم"، أي التصويت بدون نقاش أو فهم أو مساءلة، وكأن النائب "مختوم" لتمرير ما تريده الحكومة.

الاستجوابات الحقيقية هنا نادرة، وعندما تحدث غالباً ما تكون محسومة مسبقاً وتتحول إلى خطابات عامة لا إلى مواجهة قانونية ,يتم تمرير القوانين رغم الإرادة الشعبية بأغلبية مطلقة، ولا تحدث محاسبة حقيقية لأي مسؤول.

أي وزير أو مسؤول كبير نادراً ما يُحاسب، وأي تحقيق ينتهي غالباً بـ"عدم وجود أدلة كافية" أو بـ"ثقة المجلس" , النتيجة أن شعوراً عاماً يسود بأن البرلمان تحول من أداة رقابية إلى أداة تمرير، وأن المواطن الأردني أصبح بلا صوت حقيقي في صنع القرار , يخرج الممررون للقوانين مرتاحين، لكن الدولة تخرج أضعف في عيون شعبها.


المقارنة بين المشهدين تؤكد حقيقة واحدة لا تحتمل الجدل: لا ديمقراطية بدون مساءلة حقيقية , فالاستجواب العلني القاسي ليس "عاراً" على من يُستجوب، بل هو دليل صحة المؤسسات وقوتها.

في واشنطن، المستجوبون خرجوا منهكين لكن النظام خرج أقوى , في عمان، الممررون للقوانين يخرجون مرتاحين، لكن الثقة بين الشعب وممثليه تنهار يوماً بعد يوم.

إن استمرار التبصيم وغياب أي محاسبة حقيقية، حتى في قوانين تمس لقمة عيش المواطن، يعني أن المجلس النيابي تحول إلى قوقعة جامدة لا تعكس إرادة الشعب , ومع الوقت، سيدفع الجميع الثمن : النظام الديمقراطي سيفقد شرعيته، والشعب يفقد أمله، والوطن سيفقد قدرته على الإصلاح...



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد