في حضرة سادن اللغة العربية المعلم الكبير سلطي الزعبي

في حضرة سادن اللغة العربية المعلم الكبير سلطي الزعبي

29-04-2026 09:40 AM

في صومعة لغة الضاد وفي محراب البلاغة رحل مربي الأجيال الأستاذ سلطي الزعبي أحد سدنة اللغة العربية والحارس الأمين على حروفها، وسلامة نطقها، وعمق بحرها ،وجمال شواطئها. تتلمذنا على يديه عام 1978 في مدرسة دير أبي سعيد الثانوية في لواء الكورة، وعرفناه إستاذا ألمعيا متمكنا من ناصية لغة الضاد فصاحة وبلاغة وحضورا بهيا وهيبة عز نظيرها، وكان موضع فخر وتقدير من طلبته الذين رأوا فيه القدوة لعمق ثقافته وبحر علمه الواسع، حيث غرس نهجا فريدا ومتميزا في قاعة الدرس قائما على الفهم والإستناج وتوسيع المدارك بعيدا عن التلقين وسطحية المضمون، كان يحلق بطلابه عاليا في الآفاق ولسان حاله يقول لنا جميعا: أنتم تطاولون السحاب وترتقون القمم بالعلم النافع ونبل الخلق والهمة التي لا تعرف الكلل ولا الملل، تشقون طريقكم بثبات الواثق من نفسه، وهذا هو دورنا وهذه هي رسالتنا المؤتمنين على حملها لتكوين بنائكم المعرفي وتحصينكم الثقافي والفكري وليتم بناء الانسان على الوعي السليم وصلابة الموقف الرزين الذي يخدم الوطن والأمة التي تنتظركم أشداء أقوياء أصحاب إرادة وعزيمة، بكم ينهض الوطن وبسواعدكم يتحقق النفع والإنتاج في كل ميادين البناء والعمل.

يا الله ما أروعها من أيام، وأنت تستمع لمفردات كلماته السيّالة كالماء الصافي المنحدر من الأعالي عذوبة لتستقر هذه الكلمات صافية نقيّة في العقل، وعميقة تسري في شرايين القلب بدفء كبير وإحساس مرهف جميل … يا الله كم كانت كلمات أستاذنا القدير سلطي الزعبي قادرة على سبر عقول طلبته لتترسّخ في الأذهان نورا ساطعا، وتستقر في القلوب ندى نقيا، وتضفي على الجوارح بشذاها الفواّح ياسمينا ووردا…. يا الله كم كان متابعا لطلبته ولسان حاله يقول: هذه لغتكم هذه هويتكم، وهي التي تصوغ شخصياتكم فكرا وثقافة وأسلوب حياة ونهجا يقوّم السلوك، ويحترم رقي الإنسان الذي تعلمه أدب الحوار، وحسن انتقاء الكلمات التي أصلها ثابت وفرعها في السماء…. يا الله، كم يبقى المعلم المبدع والمخلص راسخا في عقول طلابه وأخذ حيزا كبيرا في قلوبهم… يا الله، كم كنت محبا لابنائك الطلبة تفرح لنجاحهم وتفوقهم، وتقول أنتم امتداد لنا وأنتم الصورة التي نريدها دائمة مشرقة ومشرّفة، ليكون كل واحد منكم رقما صعبا يسهم في مسيرة بناء الإنسان والوطن.
نعم، هكذا كان أستاذنا العلامة وراحلنا الكبير أستاذ اللغة العربية ومعلم الأجيال، ابن قرية جفين في لواء الكورة وابن الأردن الألمعي الأستاذ سلطي الزعبي، الذي غرس في نفوس وعقول طلبته عشق لغتنا العربية، التي كان يقدمها لوحة فسيفسائية جميلة بألوانها البهية مسخّرا لغة الضاد لحب الأرض والإنسان التي هي الوطن الذي يحتضن أبناءه بدفء مفرداتها وعذوبة ألفاظها وعمق معانيها التي تمنح الإنسان المروءة والكرامة والسمو.

نعم، هكذا كان أستاذنا سلطي الزعبي شهما أصيلا ومعلمّا ساميا، عاش على هذه القيم حارسا أمينا في صومعة لغة الضاد وفي محرابها المقدس الذي مارسه واقعا عمليا فكرا وتهجا، ويا ليت الزمان يعود بنا يوما لنجلس في حضرة أستاذنا سلطي الزعبي الحاضر الذي لم يغب عنا لحظة، وعلّم بإخلاص وتفان بالقرطاس والقلم فأبدع.

ومن الوفاء هنا ونحن طلبته أن نذكر ذلك، حيث كان القدوة لتلاميذه الذين انتشروا في أصقاع الأرض هنا وهناك حيث يعيش في ذاكرتهم التي تقدّر النهج الذي تبناه في تعليمهم، تاركا الأثر الطيب الذي لم ينس أبدا لمعلم سخّر حياته بإخلاص لرسالة من أنبل الرسالات، مؤمنا بأن بناء الأوطان لم ولن يكن إلاّ في بناء الإنسان فكرا وثقافة وهوية، عمادها لغتنا الجميلة الرصينة في قوتها وعمق بحرها الواسع.

لقد رحل أستاذنا النبيل والقدوة إلى رحاب الله، ومضى نقيّا مهابا وكريما أصيلا كأصالة اللغة التي أحب، وعاش لها وفي محرابها سادنا أمينا ومعلما كبيرا، ونسأل الله تعالى أن يكون أستاذنا سلطي الزعبي في رحاب رحمة الله الواسعة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد