الحرب على إيران… صراع الهيمنة الذي تدفع ثمنه شعوب المنطقة

الحرب على إيران… صراع الهيمنة الذي تدفع ثمنه شعوب المنطقة

07-03-2026 11:17 PM

ليست الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران مجرد صراع عابر أو مواجهة تقليدية بين دولتين، بل هي صراع تتداخل فيه الأبعاد الدينية والأيديولوجية والاستراتيجية. فهذه المواجهة، التي تتصاعد ملامحها في الخطاب السياسي والعسكري في المنطقة، تعكس مشروعًا أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط بما يكرّس التفوق الإسرائيلي ويضمن استمرار الهيمنة الاستراتيجية للولايات المتحدة. وفي المقابل، تدفع إيران وشعوب المنطقة الثمن الأكبر لتداعيات هذا الصراع المتصاعد.
تشهد المنطقة في هذه المرحلة حالة من التوتر غير المسبوق نتيجة تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. غير أن خطورة هذا الصراع لا تكمن في أطرافه المباشرة فحسب، بل في تداعياته الواسعة على دول الشرق الأوسط التي تجد نفسها في قلب معادلة جيوسياسية شديدة التعقيد. فهذه الدول تقف اليوم بين تحالفاتها التقليدية مع واشنطن من جهة، وبين مخاوفها المتزايدة من تداعيات أي مواجهة عسكرية واسعة مع طهران من جهة أخرى.
لقد اعتمدت العديد من دول الشرق الأوسط، منذ عقود، على المظلة الأمنية الأمريكية لضمان أمنها واستقرارها. فقد شكّلت الولايات المتحدة الشريك الاستراتيجي الأبرز في مجال الدفاع من خلال القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة واتفاقيات التعاون الأمني. غير أن هذا الاعتماد العميق جعل أمن المنطقة مرتبطًا إلى حد كبير بقرارات سياسية تُتخذ في واشنطن وفقًا لمصالحها الاستراتيجية، وليس بالضرورة وفقًا لأولويات الأمن الإقليمي.
في المقابل، تمثل إيران لاعبًا إقليميًا رئيسيًا وجارًا جغرافيًا لا يمكن تجاهله في معادلة الأمن الإقليمي. وعلى الرغم من الخلافات السياسية العميقة بين إيران وعدد من دول المنطقة، فإن هذه الدول تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة معها لن تكون حدثًا محدود التأثير، بل قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله. ولهذا تحاول بعض دول المنطقة اتباع سياسة توازن دقيقة تقوم على الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.
غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن دول المنطقة لم تكن طرفًا مباشرًا في هذا الصراع، لكنها تجد نفسها تتحمل جزءًا كبيرًا من نتائجه. فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في عدد من دول الشرق الأوسط. بدلا من ان تكون مصدر امن واستقرار تحولت إلى أهداف مباشرة في المواجهة العسكرية الحالية ،،وبتلتالي صارت هذه القواعد عنوان للاضطراب والتوتر . أن هذا الاضطراب ألامني في هذه المنطقة الحساسة انعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه دول الشرق الأوسط في إنتاج النفط والغاز وتصديرهما.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لدول المنطقة تجنب الوقوع في قلب هذا الصراع؟ إن الإجابة تكمن في تبني سياسات خارجية أكثر استقلالية وواقعية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان الكامل لقوة واحدة غير موثوقة في ضمان الأمن. كما أن تعزيز الدبلوماسية الإقليمية وفتح قنوات الحوار بين دول المنطقة، بما في ذلك إيران، يمثل خطوة ضرورية لخفض مستويات التوتر وبناء الثقة المتبادلة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية التفكير الجاد في إنشاء نظام أمني إقليمي جديد يقوم على التعاون بين دول المنطقة وقواها المؤثرة مثل تركيا وباكستان، ويرتكز على مبادئ احترام السيادة وعدم التصعيد والتعاون المشترك في مواجهة التحديات الأمنية.
في المحصلة، يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق تاريخي يتطلب قراءة دقيقة للتحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة. فبينما تظل الشراكة مع الولايات المتحدة عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي، فإن تنويع الخيارات وتعزيز الحوار الإقليمي يبقيان السبيل الأكثر واقعية لتجنب الانزلاق إلى صراعات لا تخدم مصالح شعوب المنطقة. إن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بقوة التحالفات الدولية، بل بقدرة دوله على صياغة رؤية أمنية أكثر استقلالًا تقوم على التوازن والحكمة وحماية المصالح العليا لشعوبها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد