ماذا كسب الأردن من أول مشاركة في كأس العالم؟

ماذا كسب الأردن من أول مشاركة في كأس العالم؟

28-06-2026 03:05 PM

عمان - السوسنة - كتب محرر الشؤون الرياضية - لم تكن مشاركة المنتخب الأردني في نهائيات كأس العالم 2026 مجرد حضور رياضي عابر في بطولة كروية كبرى، بل كانت لحظة وطنية فارقة فتحت صفحة جديدة في تاريخ الرياضة الأردنية، وأثبتت أن الأحلام الكبرى قد تتأخر، لكنها لا تسقط إذا وُجد الإصرار والعمل والصبر.

للمرة الأولى، وقف الأردن بين منتخبات العالم في أكبر محفل كروي، وارتفع العلم الأردني في ملاعب المونديال، وتابع الملايين اسم "النشامى" وهو يظهر في جدول البطولة إلى جانب أسماء كروية عريقة. قد تنتهي المباريات بنتائج لا ترضي طموح الجمهور، لكن القيمة الحقيقية لهذه المشاركة لا تقاس بعدد النقاط وحدها، بل بما تركته من أثر عميق في الوعي الوطني، وفي صورة الأردن، وفي مستقبل كرة القدم الأردنية.

أول ما كسبه الأردن هو كسر الحاجز النفسي. فقد ظل الوصول إلى كأس العالم لعقود طويلة حلماً بعيداً، وكان الحديث عنه يرتبط دائماً بالاحتمالات الصعبة والحسابات المعقدة. لكن هذا الجيل من اللاعبين نجح في تحويل الحلم إلى واقع، وأثبت أن المنتخب الأردني قادر على بلوغ المنصات العالمية، لا من باب المصادفة، بل من باب العمل التراكمي الذي بدأ منذ سنوات، وتعزز بعد إنجاز الوصول إلى نهائي كأس آسيا، ثم التأهل التاريخي إلى المونديال.

وثاني ما كسبه الأردن هو الخبرة. فالمشاركة الأولى في كأس العالم تشبه الدخول إلى مدرسة كروية عالية المستوى. الاحتكاك بمنتخبات كبرى، واللعب أمام جماهير ضخمة، والتعامل مع ضغط الإعلام العالمي، كلها دروس لا يمكن الحصول عليها في المباريات الودية أو البطولات الإقليمية. هذه التجربة ستنعكس على اللاعبين الحاليين، وعلى الأجيال القادمة التي ستنظر إلى المونديال لا بوصفه حلماً مستحيلاً، بل هدفاً يمكن تكراره.

أما المكسب الثالث، فهو أن المنتخب الأردني قدم نفسه للعالم بهوية واضحة. لم يكن "النشامى" مجرد فريق يبحث عن نتيجة، بل منتخب يحمل صورة وطن، ويعكس شخصية الأردنيين في الانضباط والروح والاحترام. وهذا ما عبّر عنه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، عندما قال إن الأردن لم يخسر شيئاً، بل كسب بأخلاق النشامى احترام العالم، وكسب 11 قدوة لـ12 مليون أردني. في هذه العبارة اختصار لمعنى المشاركة كلها: الرياضة ليست أهدافاً فقط، بل قيم وقدوة ورسالة.

لقد بدت الجماهير الأردنية في البطولة قصة نجاح أخرى. فالحضور الأردني في المدرجات، والشماغ المهدب على الأكتاف، والأعلام التي رفرفت في الملاعب، صنعت مشهداً وطنياً مؤثراً. لم يكن الأردنيون يشجعون منتخباً فحسب، بل كانوا يعلنون انتماءهم، ويقدمون صورة مشرقة عن وطن صغير بحجمه الجغرافي، كبير بحضور أبنائه ومحبتهم له. ولهذا لم تكن المدرجات تفصيلاً جانبياً، بل جزءاً من المكسب الوطني لهذه المشاركة.

ومن المكاسب المهمة أيضاً أن الأردن دخل دائرة الاهتمام الإعلامي الدولي. فوجود المنتخب في كأس العالم جعل اسمه حاضراً في نشرات الأخبار والتحليلات الرياضية والمنصات العالمية. وحتى عندما ارتبطت بعض التغطيات بمباريات قوية أمام منتخبات كبيرة، فإن اسم الأردن كان جزءاً من المشهد الكروي العالمي. هذه فرصة إعلامية لا تتكرر كثيراً، ويمكن استثمارها في الرياضة والسياحة وصورة الدولة، إذا أحسن الأردن البناء عليها.

وفي هذا السياق، جاءت كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني لتضع المشاركة في إطارها الصحيح. فقد أكد جلالته أن النشامى مثلوا وجهاً كريماً للأردن، وأسسوا لنجاحات مقبلة، وأن الوطن يباهي بهم. هذه الرسالة الملكية مهمة لأنها لا تنظر إلى المشاركة من زاوية الخسارة والفوز فقط، بل من زاوية البناء الوطني. فالإنجاز الحقيقي أن يصل الأردن، وأن يتعلم، وأن يخرج من التجربة أكثر ثقة وقدرة على المنافسة.

كما أن حديث ولي العهد حمل بعداً أعمق، عندما ربط ما حدث بالوحدة والطموح والعمل الجاد والتضحية. فالمونديال هنا ليس بطولة رياضية فحسب، بل درس وطني يقول إن الأردنيين قادرون على الوصول إلى مستويات عالمية في كل المجالات. وهذه رسالة تتجاوز كرة القدم إلى الشباب والجامعات والاقتصاد والابتكار والعمل العام، وكأن المنتخب قدم نموذجاً مصغراً لما يستطيع الأردن فعله عندما تتوحد الإرادة وتتضح الرؤية.

رياضياً، كشفت المشاركة عن ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة. فالمنتخب الذي وصل إلى كأس العالم يحتاج الآن إلى مشروع طويل الأمد، لا إلى الاحتفاء العاطفي فقط. المطلوب تطوير الدوري المحلي، ودعم الأندية، وتحسين البنية التحتية، ورعاية الفئات العمرية، وفتح أبواب الاحتراف أمام اللاعبين، وتوسيع قاعدة المواهب في المحافظات. فإذا كان الوصول الأول قد تحقق بالإصرار، فإن التكرار يحتاج إلى مؤسسة أقوى وخطة أوضح واستثمار أكبر.

ومن المكاسب كذلك أن اللاعبين الأردنيين أصبحوا أكثر ظهوراً أمام أعين الأندية والكشافين. المشاركة في كأس العالم تفتح نافذة مهمة أمام الاحتراف، خصوصاً للاعبين الذين قدموا مستويات جيدة أو أظهروا شخصية قوية أمام منتخبات كبرى. وحتى لو لم تتحول الفرص فوراً إلى عقود، فإن قيمة اللاعب الأردني في السوق الكروية أصبحت أعلى مما كانت عليه قبل البطولة.

أما على المستوى الشعبي، فقد أعادت المشاركة علاقة الأردنيين بمنتخبهم إلى مستوى نادر من الالتفاف. في زمن تتراجع فيه ثقة الجمهور أحياناً بالمؤسسات والإنجازات، جاءت كرة القدم لتجمع الناس حول راية واحدة. وهذا وحده مكسب كبير. فالرياضة قادرة على إنتاج لحظات وحدة وطنية صادقة، وقد فعلها النشامى عندما جعلوا الأردنيين، في الداخل والخارج، يشعرون أن لهم مكاناً في العالم.

ومع ذلك، فإن أهم ما ينبغي الانتباه إليه هو عدم التعامل مع هذه المشاركة باعتبارها نهاية الحلم. الخطر الحقيقي بعد الإنجازات الكبرى هو الاكتفاء بالتصفيق. أما المطلوب فهو تحويل الفخر إلى خطة، والعاطفة إلى عمل، والظهور العالمي إلى مشروع دائم. فلا يكفي أن نقول إن الأردن شارك في كأس العالم مرة واحدة، بل يجب أن يصبح السؤال: كيف نضمن أن تكون هذه المشاركة بداية لا استثناء؟

لقد كسب الأردن من مونديال 2026 أكثر مما تقوله الأرقام. كسب منتخباً أكثر نضجاً، وجمهوراً أكثر التفافاً، وصورة عالمية أكثر حضوراً، ورسالة ملكية واضحة بأن النشامى أسسوا لنجاحات مقبلة. وكسب قبل ذلك كله ثقة جديدة بأن الأردنيين، متى آمنوا بقدرتهم وعملوا بروح الفريق، يستطيعون أن يطرقوا أبواب العالم.

قد تنتهي البطولة، لكن ما بدأه النشامى لن ينتهي. فالمشاركة الأولى في كأس العالم لم تكن خاتمة قصة، بل كانت الفصل الأول من حكاية أردنية أكبر، عنوانها أن الطموح عندما يتحول إلى عمل، يستطيع أن يأخذ الأردن إلى أبعد مما نظن.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

إيران تودّع المونديال .. ومصر تحقق تأهلاً تاريخياً للدور الثاني

وفاة 40 شخصا غرقا في فرنسا خلال موجة الحر

الأردن يتخذ جميع الإجراءات لتسهيل عبور الفلسطينيين عبر جسر الملك حسين