الجنوب السوري بين الاستباحة والردع المؤجل

الجنوب السوري بين الاستباحة والردع المؤجل

30-06-2026 12:34 AM



ما يجري في جنوب سوريا لم يعد يمكن التعامل معه بوصفه مجرد خرق أمني عابر أو عملية عسكرية محدودة. نحن أمام نمط متكرر من التوغلات الإسرائيلية يوحي بأن الهدف أبعد من الرد على تهديدات آنية، وأقرب إلى فرض معادلة جديدة على الأرض، قوامها أن الجنوب السوري منطقة قابلة للاختراق متى شاءت "إسرائيل" ، ومحرومة من حق الاستقرار السيادي الكامل.

"إسرائيل" تتحرك في لحظة سورية شديدة الهشاشة. فالدولة السورية الجديدة ما تزال منشغلة بإعادة بناء نفسها، وترميم مؤسساتها، وإعادة ترتيب علاقتها بالداخل والخارج؛ وهذه بالضبط هي اللحظة التي تجد فيها تل أبيب فرصة مناسبة لفرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقًا. فكل توغل، وكل قصف، وكل عملية دهم، ليست مجرد تفصيل أمني، بل رسالة سياسية تقول إن ميزان القوة على الأرض لم يتغير بعد، وأن دمشق ما زالت عاجزة عن حماية حدودها بالمعنى الفعلي للكلمة.

المشكلة أن هذه السياسة لا تستهدف الأرض فقط، بل تستهدف فكرة الدولة نفسها؛ حين تتكرر التوغلات من دون رد مكلف، يتحول الخرق إلى عادة، والاستثناء إلى قاعدة، والوجود السوري في الجنوب إلى وجود رمزي أكثر منه سيادي؛ وهنا تكمن خطورة المشهد "فإسرائيل" لا تريد فقط أن تمنع خطرا مباشرا، بل أن تمنع سوريا من التحول مجددا إلى دولة قادرة على استعادة زمام المبادرة، ولو تدريجيا.

في المقابل، لا يمكن فهم الصورة من دون التوقف عند الدور التركي؛ فأنقرة ترى في وحدة سوريا واستقرارها جزءًا من أمنها الإقليمي، ولذلك لا تنظر إلى التوغلات الإسرائيلية باعتبارها شأنا سوريا داخليا، بل باعتبارها عاملا يهدد التوازن كله في المشرق؛ لكن حساسية "إسرائيل" من تركيا لا تأتي من هذا الموقف وحده، بل من كون أنقرة تملك أدوات تأثير حقيقية عبر علاقات سياسية، وزنا إقليميا، وقدرة على التدخل في أكثر من ساحة؛ وهذا ما يزعج "إسرائيل" في واقع الأمر، لأنها تفضّل مساحة تتحرك فيها وحدها أو من دون منافسين قادرين على فرض حدود على سلوكها.

أما سوريا، فهي اليوم أمام معضلة مركبة؛ فهي لا تستطيع الرد العسكري المباشر بكلفة مفتوحة، لأنها ما تزال في مرحلة إعادة التكوين، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تترك الساحة الجنوبية مكشوفة إلى ما لا نهاية؛ لذلك تبدو خياراتها أقرب منها إلى بناء ردع سياسي تدريجي عبر استعادة الدولة من الداخل، وترميم الشرعية، وتوسيع هامش الدعم العربي والإقليمي والاوروبي والأمريكي، ومحاولة تحويل التوغلات الإسرائيلية إلى عبء سياسي ودبلوماسي عليها. لكن هذا المسار يحتاج وقتا، بينما "إسرائيل" تتحرك سريعا لتثبيت وقائعها.

في النهاية، ما يحدث في جنوب سوريا ليس نزاعا حدوديا تقليديا، بل صراع على معنى السيادة في لحظة انتقالية دقيقة؛ إسرائيل تريد جنوبا سوريا ضعيفا ومفتوحا أمام الضغط، وتركيا تريد منع انهيار الدولة السورية، وسوريا تحاول ببساطة أن تستعيد حقها الطبيعي في السيطرة على أرضها؛ وبين هذه الإرادات المتعارضة، يبقى الجنوب السوري ساحة اختبار حقيقية فهل تستطيع الدولة السورية أن تعود دولة فعل، أم ستبقى مساحة نفوذ متنازع عليها تحت عنوان الأمن والردع؟


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

الاقتصاد النيابية تقر مشروع قانون إلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف