الدلالات الإقليمية للاتفاقية الأردنية الأميركية

الدلالات الإقليمية للاتفاقية الأردنية الأميركية

23-07-2026 11:23 PM


لا يمكن قراءة الاتفاقية الأردنية الأميركية بوصفها مجرد وثيقة تعاون دفاعي بين طرفين متحالفين، لأن معناها الفعلي يتجاوز ذلك إلى موقع الأردن داخل البيئة الإقليمية المتوترة، وخصوصا في ظل المواجهة الأمريكية/الايرانية؛ الموجة الثانية. فحين تتوسع المواجهة بين واشنطن وطهران لا تبقى الاتفاقيات العسكرية نصوصا جامدة، بل تتحول إلى أدوات ذات أثر سياسي واستراتيجي مباشر.

هذه الاتفاقية من ضمن بنودها انها تمنح القوات الأميركية تسهيلات واسعة في الحركة والتنقل واستخدام بعض المرافق ونقل المعدات والإمدادات، إضافة إلى ترتيبات لوجستية تجعل الوجود العسكري أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة؛ وهذه البنود لا تعني بالضرورة (إنشاء قاعدة) بالمعنى التقليدي، لكنها تخلق بنية تشغيلية تسمح بعمل عسكري فعال، وهو ما يجعل الأراضي الأردنية جزءا من شبكة أوسع للتموضع والدعم والإسناد في حالة الاشتباك العسكري.

في سياق الحرب الحالية بين الطرفين؛ تكتسب هذه البنية أهمية مضاعفة لها؛ فالأردن يقع في نقطة جغرافية حساسة تربط بين العراق وسوريا ولبنان والضفة الغربية، وهي مناطق ترتبط مباشرة بحسابات المواجهة مع إيران وحلفائها؛ لذلك فإن أي تموضع عسكري أميركي في الأردن لا يُفهم فقط باعتباره تعاونا ثنائيا، بل باعتباره جزءا من منظومة ضغط وردع ومراقبة على مستوى الإقليم.

ومن هنا، فإن الحديث عن "السيادة" لا ينفصل عن السؤال عن الوظيفة الفعلية لهذه الترتيبات؛ فحتى لو أكدت عمّان أن أراضيها لا تُستخدم منصة للقتال فإن طبيعة التسهيلات المقدمة للولايات المتحدة تجعلها في نظر كثيرين أقرب إلى مساحة إسناد متقدمة داخل معادلة الصراع؛ وهذا لا يعني أنه طرف مباشر في الحرب لكنه يعني أن موقعه قد يُقرأ ضمن حسابات المواجهة سواء أراد ذلك أم لا.

هذه الاتفاقية لا تمنح الأردن دعما أمنيا وعسكريا، بل تضعه أيضا أمام كلفة سياسية متزايدة؛ فكلما ارتبطت بنيته الدفاعية أكثر بالولايات المتحدة وخصوصا في سياق التصعيد ضد إيران، ازداد الضغط عليه داخليا وخارجيا.
داخليا، لأن الرأي العام حساس تجاه أي شكل من أشكال الوجود العسكري الأجنبي. وخارجيا، لأن أطرافا إقليمية قد تنظر إلى الأردن باعتباره جزءا من شبكة الضغط على طهران.

في المحصلة، يجد الأردن نفسه أمام خيارين كلاهما صعب؛ إما الاستمرار في شراكة أمنية تمنحه الدعم لكنها تضعه في مرمى التصعيد، أو محاولة التخفف من هذا الارتباط بما قد يتركه أكثر هشاشة في محيط إقليمي مضطرب.

وهكذا لا يبدو أن عمّان تتحرك من موقع راحة بل من موقع محاولة دائمة لتقليل الخسائر بين ضغوط الحليف ومخاطر الجوار.

ولهذا يمكن القول إن الأردن يقف اليوم بين أمرين كلاهما مرّ؛ أمن مؤقت بثمن سياسي، أو حذر سياديّ بثمن استراتيجي؛ وفي النهاية دولة بحجمها هي صاحبة الولاية في البحث والقرار السيادي لمصالحها الآنية والاستراتيجية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد