حركة فتح .. انقسامات عميقة وتيه سياسي

حركة فتح ..  انقسامات عميقة وتيه سياسي

02-08-2026 02:08 PM

حركة فتح لم تعد ذلك التنظيم الذي احتكر تمثيل الشعب الفلسطيني عقودا، بل باتت اليوم كيانا ممزقا يأكل بعضه بعضا، تتقاذفها صراعات الأجنحة وتحيط بها سحب من التخبط والارتباك السياسي؛ فبعد مؤتمرها العام الثامن الذي عُقد قبل شهرين تقريبا، خرجت الحركة أكثر تشظيا مما كانت عليه قبل أن تدخل قاعة المؤتمر. فالقيادة "الهرمة" حوّلت الحركة إلى ملحق إداري للسلطة، ولم تقدّم مشروعا سياسياً جديدا، وإنما اكتفت بإعادة تدوير نفس الوجوه وتكريس الولاء الشخصي بديلا عن الولاء للقضية الفلسطينية.

على السطح يبدو المشهد صراعا على المناصب، لكنه في العمق انهيار لنموذج سياسي رهن مصيره بفرد واحد يرفض المغادرة، ويتمسك بسياسة "فرّق تسد" لتصفية كل صوت مخالف؛ فمحمد دحلان مطرود منذ عام 2011 ومروان البرغوثي في المعتقل ومُقصى من سباق الخلافة للأبد، وناصر القدوة استقال احتجاجا على تدمير الحركة، وجبريل الرجوب يُهمّش رغم ثقله التنظيمي؛ رغم كل مثابرته على تقديم فروض الطاعة والولاء للقيادة؛ حتى الحرس القديم بات يُقلَّص لصالح دائرة ضيقة تضم نائب الرئيس "حسين الشيخ" ومدير المخابرات السابق "ماجد فرج" ؛ ودخل على خط الحركة حديثا نجل الرئيس" ياسر محمود عباس" ٩.

إن ما يجري ليس إصلاحا، بل عملية تفريغ ممنهجة للمؤسسات لصالح شخص يدير شؤون الحركة كعزبة خاصة.

ومن غير مقدمات يأتي إعلان الرئيس عباس عن انتخابات تشريعية في نوفمبر المقبل ليضيف للمشهد السياسي الفلسطيني حالة جديدة من الارتباك، فبعد إصدار مرسوم الانتخابات وسحبه وإصدار مرسوم معدّل، أصبح واضحا أنّ القرار لا ينبع من إرادة وطنية بل من ضغوط وإملاءات خارجية.

يبدو أن السبب الحقيقي وراء "وصفة" فصل التشريعي عن الرئاسة الله رغبة القيادة في اختبار المشهد وتأجيل المخاطر، لا التزاما بالديمقراطية؛ فقبل خمس سنوات أُلغيت انتخابات مماثلة خوفا من تكرار كارثة 2006، واليوم تعود المخاوف ذاتها، وإن بثياب جديدة.

الأخطر من ذلك كله هو التآكل الصامت في القاعدة الشعبية خاصة في المخيمات والمدن الكبيرة؛ فالشارع الفلسطيني لم يعد يرى في فتح مشروعا وطنيا بعد سنوات من "التنسيق الأمني المقدس" مع الاحتلال، وقمع المقاومة في مهدعا في الضفة الغربية، والعقوبات على غزة، والتخلي عن المسار القانوني الدولي؛ فالحركة حين تصبح شريكا في تثبيت الاحتلال فإنها تتنازل عن شرعيتها التاريخية أمام اعضائها الشرفاء؛ والحاضنة الاجتماعية في المدن الكبرى.

إن ما يحدث لفتح اليوم ليس مجرد أزمة قيادة، بل هو انهيار بنيوي لنموذج سياسي وصل إلى نهاية طريقه، رغم كل "جرعات البقاء على قيد الحياة" ويبدو أنه لم يعد قادرا٩ على إعادة إنتاج نفسه إلا عبر قوائم منافسة من رحمه نفسه؛ فكانت النتيجة تعميق الانقاسمات أفقيا وعموديا؛ وتيه سياسي؛ لن يخرج منه ما دام داخل تلك الدوامة من الانقاسامات والتنسيق الأمني؛ وتمكين الاحتلال.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد