صيد السَحَرة: جاهلية انقرضت أم تتجدد

صيد السَحَرة: جاهلية انقرضت أم تتجدد

26-10-2026 06:13 AM

مدهش، بادئ ذي بدء، أن تتفرّغ المؤرخة البريطانية ماريون غيبسون لموضوع السحر والسحرة في التراث الغربي عموماً، وفي بريطانيا العصور الوسطى خصوصاً؛ فتنجز 9 مؤلفات، تتبارى في الرصانة والتعمق واتساع الرؤية ورصانة المنهجيات ومستوى التنقيب في بواطن الوقائع والملابسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ثمّ الدينية أساساً خلف أبرز المحاكمات. أكثر إدهاشاً، في يقين هذه السطور، أن تُصدر مؤخراً كتابها العاشر في هذا الميدان ذاته، بالإنكليزية دائماً، تحت عنوان «أرض السحر: ذعر معنوي قاتل في بريطانيا القرن السابع عشر»، ضمن منشورات Scribner .
عشرات الحكايات المروّعة في سياق «جحيم صيد السحرة»، كما تسميه غيبسون، تعاقبت سنوات 1640 على بلد يدنو من حافة حرب أهلية، وابتدأ من مقاطعة إسكس وانتقل سريعاً إلى الشمال عبر إيست أنغليا، فلم يتأخر عن بلوغ اسكتلندا أيضاً. وفي الأصل كانت بواعث صيادي السحرة تنطلق من أفكار حول تأثيم السحر تراكمت عبر عقود، ودشنتها قوانين السحر لعام 1563؛ وفي جوهرها كان تعريف الساحر(ة) ينهض على عقد افتراضي مع الشيطان، قوامه إلحاق الأذى بالجوار عن طريق تشغيل طرائق سحر شريرة، بوسائط وأدوات تديرها الأبالسة. وسؤال غيبسون المركزي إلى القارئ، في هذا الكتاب وسوابقه التسعة، هو التالي: لا تقتصرْ في القراءة على تفاصيل الحكايات، أو حتى على الصياد والمفتش في الضمائر، بل حدّقْ جيداً أيضاً في القاضي والعمدة ورجل الدين والسياسي والوجيه؛ وأمثال هؤلاء ممّن منحوا أنفسهم، بأنفسهم، حقّ النيابة عن الله في نبش الضمائر واختلاق النوايا وتلفيق الاتهامات.
وفي البدء، اقتصرت العقوبة على السجن أو الإعدام بتهمة (غالباً مزاعم) ارتكاب أنشطة مؤذية، لكن قانون سنة 1604 فرض عقوبة الموت على معظم أنماط النشاط المرتبط بالسحر والشعوذة؛ وضمنها كتابة تمائم الحبّ، والعثور على المفقودات عن طريق التواصل مع أرواح مفترضة يستوي أن تكون طيبة أو شريرة، أو تلاوة تعاويذ سحرية، واستخدام حيوانات، والإصغاء إلى أصوات روحية، وعلاج الأمراض والمسّ والجنون. وفي تلك الحقبة كان ماثيو هوبكنز وجون ستيرن في طليعة صيادي السحرة الأشهر، وفضّلا إبعاد تسمية المهنة (إذ كانت قد اتخذت هذه الوجهة فعلياً) عن معنى الصيد والتصيّد، إلى العثور والكشف والإيقاع؛ وتعاظمت سطوتهما، معاً وبالتكافل والتضامن، إلى درجة استغلال أيّ وكلّ حادث لتلفيق تأويل سحري خلفه: إذا مرض طفل أو قضى، واحترقت حظيرة أو اجتاحتها الضواري، أو حتى عجزت بقرة عن الولادة أو ماتت خلال المخاض.
ولقد ابتكرا «طرائق امتحان»، ليست البتة بعيدة عن أنماط التعذيب الجسدي المتنوعة والوحشية، لاستنطاق المتهم (ة) وإثبات تهمة السحر؛ كما نشر هوبكنز كتابه «اكتشاف السحرة» سنة 1647، ليكون بمثابة دليل شامل على «تقنيات» ضبط الأنشطة السحرية، من دون إغفال المثوبات المادية على مكافحة شرورها! ولا تتردد غيبسون في اعتبار عمليات الإعدام التي شهدتها تلك الحقبة «جرائم قتل جماعية» من جانب أوّل، لا تستوجب إحقاق حقوق الضحايا حتى بمفعول رجعي (الأمر الذي كان وراء أبحاثها الميدانية في عشرات القرى والبلدات والكنائس والمقابر)، فحسب؛ بل هي، من جانب ثانٍ، واجبة أخلاقياً وحقوقياً، إذا كانت الإنسانية ستفلح في ربط الماضي بالحاضر لجهة مفهوم صيد السحرة تحديداً.
ولا عجب أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحد أشهر مستخدمي المصطلح في عصرنا الراهن، حين نافح طويلاً بأنّ استهدافه من جانب الديمقراطيين وكتّاب اليسار والقضاء الأمريكي ووسائل إعلام «الأخبار الكاذبة»… ليس سوى إعادة إنتاج لعمليات صيد السحرة العتيقة إياها. وأمّا وجه الطرافة، في قلب هذه الكوميديا السوداء، فهي أنّ المصطلح إنما يحيل إلى المسرحي الأمريكي آرثر ميللر، ضحية رقابة فُرضت في الولايات المتحدة على مسرحيته «المحنة»، 1953، التي تعيد مَسْرَحة محاكمات ساحرات بلدة سالم الأمريكية، أواخر القرن السابع عشر أيضاً. ليس هذا فقط، بل إنّ النصّ المسرحي كان واحداً فقط من ضحايا صيّاد سحرة أمريكي حديث، ابن القرن العشرين، يدعى جوزيف مكارثي، مهندس محاكم التفتيش المشؤومة التي سُميت «لجنة النشاطات المعادية لأمريكا».
في نظرة أخرى إلى كتاب غيبسون، قد يساجل المرء بأنّ الأنساق السالفة التي أتاحت تصيّد السحرة تحت اتهامات شتى، ضمن سياقات سياسية واجتماعية ودينية محددة كانت أيضاً قد شكلت مقدمات وذرائع لتنويعات عديدة من مفهوم محاكم التفتيش، وسلسلة الممارسات التي اقترنت به؛ ولم تقصّر سلطات عديدة، متنوعة بدورها، في الاتكاء على المفهوم لإرساء تشريعات ونُظُم وأنظمة مطابقة للجوهر ذاته، حيث الظلم والقهر والاستبداد والتسلط. وتلك، في الحدود الدنيا من توصيفها، جاهلية مستدامة عابرة للأحقاب والقرون والجغرافيات والثقافات، وهي بالتالي لا تنحسر إلا بمقدار ما تتمدد في صياغات متجددة متلائمة مع العصر وأدواته وخطابات وتقنياته.
وبمعزل عن كتاب غيبسون، وعن السحر بمعنى الشعوذة، لم يدخل مصطلح «صيد السحرة» إلى قاموس أكسفورد إلا في سنة 1853، للتعريف بممارسات القرن السابع عشر في الغرب إجمالاً؛ ولكن لن يطول الوقت، وقبل تكريس المكارثية الأمريكية، حتى أقرّ القاموس بأنّ المفهوم يشمل «العثور على، ومعاقبة، أشخاص يحملون آراء يُظنّ بأنها غير مقبولة أو خطرة على المجتمع»!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة