نساء فلسطين: يحملن الحياة ويحرسن الجذور

نساء فلسطين: يحملن الحياة ويحرسن الجذور

29-10-2026 06:11 AM

تضع المرأة كفّها على وجهها. لعلّها تحاول أن ترد دمعتها إلى الداخل، إلى ذلك المكان الذي تتراكم فيه الأشياء التي لم يعد ممكناً قولها. وإلى جانبيها، يرفع طفلان عيونهما نحوها. ينتظران أن تكشف وجهها، أن يشرق بابتسامة صغيرة، أن تعيد ترتيب العالم بكلمة، بعدما صار العالم أوسع من احتمالهما، وأضيق من وحدتهما.
هي خالتهما. أخت أمّهما التي قتلها القصف الإسرائيلي في غزة، مع أبيهما وإخوتهما. هكذا تختصر الفاجعة في سطر، فيما تحتاج امرأة إلى عمر آخر كي تفهم كيف غابت أختها وبقي أطفالها ينادون.
للأخوات لغة تنمو معهنّ ولا ينتبه إليها أحد. نبرة تعرف منها الواحدة تعب الأخرى، وضحكة تحمل طفولتهما، وعتاب صغير لا يفسد المحبّة. وحين تموت الأخت، يغيب معها شاهد على العمر. شخص يعرف من كنّا قبل أن نتعلّم إخفاء ضعفنا. فكيف تحمل امرأة هذا الغياب، ثم تنهض لتكون لأطفال أختها بداية حياة؟
تقول إن أبناء أختها قطعة من قلبها. وأفكّر في القلب حين يصير مكاناً لإقامة الآخرين، كيف يتدبّر ضيقه، وكيف يفسح لهم موضعاً بين شقوقه. هؤلاء الأطفال يحملون شيئاً من أختها، لكنّهم ليسوا فقط بقاياها. لكل منهم حياته التي تستحق أن تبدأ من جديد، ورغباته الصغيرة التي ينبغي ألّا تخجل من حضور الحزن.
يسند الصبيّ ذقنه إلى يديه ويرفع عينيه. لا أعرف ما الذي يدور في رأسه، وأخشى أن أنسب إليه كلاماً لم يقله. يكفيني أنّه يتطلّع إلى وجه خالته. يحتاج الطفل إلى وجه يطمئنّ إليه، إلى ملامح يستطيع أن يترك عندها خوفه، ثم ينصرف إلى شأن صغير: لعبة، قطعة خبز، أو سؤال عابر.
والطفلة تراقبها أيضاً. في انتباه الأطفال إلى حزن الكبار وجع خفيّ. إذ يتعلّمون باكراً أن يؤجّلوا طلباتهم، وأن يختبروا نبرة الصوت قبل أن يتكلّموا. أتمنّى لهذه الطفلة ألّا تضطرّ إلى ذلك. أن تطلب ما تريد بلا اعتذار، وأن تغضب لأن شيئاً بسيطاً أزعجها، مطمئنة إلى أن غضبها لن يزيد العالم انكساراً.
أفكّر في الخالة حين يخفت ضجيج النهار، وتبقى مسؤوليّات الليل. هل تجد فسحة لحزنها بعد أن ينام الصغار؟ أين تضع حاجتها إلى أختها؟ من يسألها إن أكلت، وإن استطاعت النوم؟ من ينتبه إلى أنّ اليد التي تربّت على الأكتاف تحتاج هي أيضاً إلى يد.
نقول عن نساء كهذه إنهن قويات، ثم نمضي مطمئنين إلى قوتهن. لكن المرأة التي تحمل أطفال أختها لا ينبغي أن نتركها تحت ثقل المديح. تحتاج إلى مساعدة ملموسة، إلى من يتقاسم معها الرعاية، ويهيّئ لها طعاماً وراحة. تحتاج إلى أن تبكي من دون أن تخشى سقوط البيت كلّه من ارتجافة كتفيها.
الأمومة التي تأتي على إثر الفقد تحمل أسئلة عسيرة. كيف تصون الخالة مكان الأم الغائبة، وتمنح الأطفال في الوقت نفسه حضوراً يعتمدون عليه؟ كيف تروي لهم عنها من غير أن يصبح كل حديث جرحاً؟ لا وصفة جاهزة لهذا الحب. ثمة محاولة يوميّة، وإنصات، وأخطاء يغفرها القرب، وحنان يتعلّم طريقه مع الوقت.
ما أقسى أن تصبح أبسط الحقوق أمنيات: فراش آمن، وماء نظيف، ومدرسة، وليل لا يهدّد النائمين. النجاة وحدها لا تكفي. بعدها تبدأ الحاجة إلى رعاية مستمرّة، وإلى أشخاص يمكن الوثوق ببقائهم. يحتاج هؤلاء الصغار إلى غد يحملوا فيه حقائبهم ويذهبوا إلى صفوفهم.
وفي غزة، تحمل العائلات المكلومة ما يفوق طاقتها. تتّسع ذراعا خالة، ويفسح بيت مزدحم مكاناً لصغير، ويقسم الخبز مرّة أخرى. غير أنّ هذا التكافل لا يرفع المسؤوليّة عن العالم. لا يمكن للحنان وحده أن يحمي الأطفال من القصف، أو يؤمّن علاجهم، أو يعيد حقوقهم. هؤلاء يحتاجون إلى حماية فعليّة وعدالة أيضاً.
أعود إلى كفّ المرأة التي تستر وجهها، وأتمنّى أن تستطيع إنزالها من غير أن تضطرّ إلى افتعال ابتسامة. أن تجد أمامها من يحتمل دمعتها، ويجلس إلى جوارها بلا خطبة عن الصبر. أحياناً تكون المواساة أن تقول لإنسان مفجوع: نم قليلاً، سأبقى هنا. أن تمنحه وقتاً يضع فيه حمله، ولا يخشى ضياعه.
هذه الخالة تحاول أن تمنح أطفال أختها بيتاً من حضورها. فلنمنحها ما يجعل ذلك ممكناً، ولنتذكّر أنّ لها حياة تستحقّ الرعاية أيضاً. لعلّ الصغيرين يرفعان عيونهما إليها ذات صباح، فتكون منشغلة بتفصيل عاديّ، وتضحك من أمر بسيط. عندها يعود إليهم شيء من الأمان، ويصبح النهار نهاراً، لا امتحاناً آخر لقدرتهم على الاحتمال.

للزيتون توقيت آخر

للزيتونة طريقة في عد السنوات لا تشبه طريقتنا. توسع جذعها قليلاً، تعقد غصناً، وتترك في خشبها التواءً لا يراه العابر. وحين يأتي تشرين، تمدّ ثمرها إلى الأيدي التي تعرف مقدار الضغط على الحبّة، وكيف ينفصل الناضج عن غصنه. هكذا يستأنف الموسم حديثاً قديماً، إلى أن يقف سلاح بين الشجرة ومن جاء يقطفها.
في ترمسعيا، قرب رام الله، تواجه امرأة فلسطينية مسنّة جنود الاحتلال بعدما منعت من قطف الزيتون. تقول: «البلاد بلادنا والأرض إلنا». جملة قصيرة، مكتملة كحبّة نضجت على مهل. لا مقدّمة تسبقها، ولا اعتذار يخفّف وقعها. تسمّي المرأة علاقتها بالمكان، وتردّ إلى الأرض اسم أصحابها، في اللحظة التي يراد لهم فيها أن يتراجعوا.
أتوقّف عند كلمة «إلنا». كيف تتّسع أربعة أحرف لكلّ هذا اليقين؟ في اللفظة الدارجة عمق لا تمنحه لغة البيانات. كأنّ المتكلّمة تشير إلى عتبة تعرف ارتفاعها، أو إلى جرن تعرف موضعه في العتمة. تنطق بحقّها من داخل حياتها اليومية، حيث لا يحتاج الإنسان إلى شرح سبب ذهابه إلى أرضه في موعد القطاف.
لا أعرف منذ متى تقصد هذه المرأة أشجارها، ولا من غرسها، لكنّ فلاحة الزيتون تعلّم الجسد معرفة دقيقة: موضع القدم على التراب المنحدر، والغصن الذي ينبغي الرفق به، والفرق بين ثمرة سليمة وأخرى أصابها العطب. معرفة تتكوّن بالتكرار، وتستقرّ في الأصابع، حتى تبدو اليد وهي تعمل كأنّها تستعيد كلاماً تحفظه منذ زمن.
والقطاف موعد له رائحته. غبار خفيف يعلق بالثياب، ومرارة خضراء تبقى على الكفّ، وحبّات تتدحرج فوق الشادر فتجمع قبل طيّه. في هذه التفاصيل الصغيرة يتّخذ الانتماء شكله الملموس. يمضي المرء إلى الحقل ليعمل، ثم يعود وفي ملابسه شيء منه. تدخل الأرض البيت على هيئة رائحة، قبل أن يدخل الزيت في أوعيته.
حين يمنع صاحب الأرض من بلوغ شجره، يقطع هذا المسار عند أبسط حلقاته. تظلّ الثمار على الأغصان، ويقف العمل مؤجّلاً، فيما يمضي الموسم وفق حسابه. للنضج وقته الذي لا ينتظر. وللمطر موعد قد يغيّر شروط القطاف. ما يبدو أمراً عسكرياً عابراً يتوغّل في رزق عام كامل، وفي ترتيب الأيام التي بُنيت عليه.
في يد الجندي سلطة تستطيع إيقاف الخطوة. وفي عبارة المرأة معرفة بسبب تلك الخطوة ووجهتها. هنا تنكشف المسافة بين القدرة على المنع والحقّ في المنع. يستطيع السلاح أن يغلق الطريق، لكنّه لا يجعل العلاقة بين الفلّاح وأرضه طارئة، ولا يمحو سنوات العمل لمجرّد أن صاحبها صار مطالباً بتبرير وجوده عند طرف الحقل.
ثمّة إهانة خاصّة في أن يسأل الإنسان، فعلاً أو ضمناً، عمّا يفعله في مكانه. أن يصبح وصوله استثناءً، وعمله موضع اشتباه، وأن يستهلك وقتاً في تفسير ما كان يفترض أن يبدأ به نهاره. يستولي المنع هنا على شيء من العمر أيضاً. على ساعات كان يمكن أن تمتلئ بعمل نافع، فتهدر عند حاجز.
أفكّر في المسافة التي تقطعها حبّة الزيتون حتى تصير زيتاً. في جمعها وحملها وانتظار دورها في المعصرة، وفي التعب الذي يسبق امتلاء الوعاء الأوّل. كلّ قطرة حصيلة عمل، ولها قيمة يعرفها من دفع كلفتها من جهده. حين تحرم المرأة موسمها، ينتزع منها هذا الناتج الملموس، وما كانت ستدبّره به من شؤون حياتها.
وللأرض زمن يتجاوز الموسم أيضاً. من يغرس شجرة يعرف أنّ بين الغرس والثمر انتظاراً، وأنّ العناية تستمر حين لا يكون العطاء وافراً. في هذا العمل ثقة بإمكان الاستمرار، واستعداد لبذل الجهد قبل ظهور مردوده. لذلك يطال تعطيل الفلاحة المستقبل، ويضعف قدرة الناس على التخطيط لما بعد حاجتهم العاجلة، وعلى الاستثمار في بقائهم.
لا أريد أن أجعل من الزيتونة شاهدة تتكلّم نيابة عن المرأة. المرأة قالت ما يكفي.
وتبقى عبارتها معلّقة عند الحقل، واضحة الوجهة. والمطلوب أن تتمكّن من إكمال ما جاءت من أجله: أن تبلغ الشجرة، وتقطف الثمر، وتحمل محصولها، وتعود حين تنتهي هي من عملها. أن يكون قرار المغادرة بيدها، وأن يحكم نهارها مقدار ما أنجزت، وتعب جسدها، واقتراب المساء. أن تستعيد، مع أرضها، حقّها البسيط في توقيت يومها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة