بلفور .. متى يعتذر

بلفور ..  متى يعتذر

04-11-2026 05:17 AM

مفهوم أن المعنيّ ليس الميت آرثر بلفور، بل الذين يحق عليهم وعليهن قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي حين قرض قبل قرون عدة البيت الآتي: «لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً... ولكن لا حياةَ لمن تنادي»، ذلك لأن سامع النداء أصمَّ الأذنين عَمداً، فالضمير ميت. وفي الشأن البريطاني، فإن أولئك هم الأحياء الفاعلون في دوائر الحكم، من حاملي أوزار تركة إمبراطورية بريطانيا الاستعمارية، التي قيل في وصفها إن الشمس لم تكن تغيب عنها، انسجاماً مع حقيقة سادت آنذاك، وخلاصتها أن الشمس كانت تشرق على أرض يحتلها الجيش البريطاني وتقع في أقاصي مشارق الأرض، ثم تغيب وراء أفق أراضٍ تخضع أيضاً لاحتلال بريطانيا، لكن مواقعها الجغرافية تضعها في مغارب الكوكب. فلسطين كانت جزءاً من تلك الإمبراطورية، ولأنها كذلك ارتكب آرثر جيمس بلفور باسمها خطيئة إصدار وعدٍ يحمل اسمه قبل قرن وتسع سنوات من يوم الاثنين الماضي.

بيد أن الحدث الذي أوجب الحديث عن «وعد بلفور المشؤوم»، كما اعتادت العرب جميعاً تسميته، ليس مجرد حلول ذكراه فحسب، وإنما -لكي «يُنْسَب الفضلُ إلى أهله»، كما قالت العربُ منذ قديم الأزمان- يرجع فضل التذكير به إلى أول جولة للملك تشارلز الثالث في عدد من دول البحر الكاريبي، مذ توليه المُلْك، التي اختتمها بترؤسه أمس الثلاثاء قمة دول الكومنولث في أنتيغوا وبربودا. من جهته، فإن أندي بيرنهام، رئيس حكومة حزب «العمال»، المتحمس كثيراً لإحداث تغييرات جوهرية عدة على مسرح بريطانيا السياسي، داخل الحزب وخارجه، قال إنه «منفتح» إزاء المطالبة التي رافقت الجولة الكاريبية للملك تشارلز باعتذار بريطانيا عن دورها في مجال الاستعباد، أو تجارة الرقيق، كما تُعرف عالمياً، لكنه استبعد التجاوب مع مطلب التعويضات. حسناً، إذا كانت هذه الشعوب استقلّت، وتعيش أجيالها المعاصرة بكامل حريتها بعدما رحل عن أراضيها الجيش المُحتل لها، لم تنسَ آلام زمن الاحتلال، وتصر على حق الاعتذار لجيل الأجداد والآباء، الذين عاشوا تلك المعاناة، أفلا يحق للفلسطينيين المطالبة باعتذار بريطاني صريح عن «وعد بلفور»؟

بلى، لكن الاعتذار وحده ليس كافياً، بل الأصح أن يتم باعتباره خطوة على طريق تصحيح أخطاء بريطانيا الكثيرة، وخطاياها، خلال فترة احتلالها فلسطين، ومن بينها خطأ إنهاء الانتداب ومباشرة الانسحاب المفاجئ، الأمر الذي شجّع عصابات الإرهاب الصهيونية على تصعيد هجماتها الوحشية ضد القرى والمدن الفلسطينية والمدنيين العزّل من كل سلاح، وهو ما أسهم في تهجيرهم، ومِن ثم في تعجيل قيام دولة إسرائيل. نعم، صحيح أن حكومة السير كير ستارمر سجلت سابقة تاريخية حين اعترفت بالدولة الفلسطينية المستقلة، ولكن يبقى أن تواصل حكومة بيرنهام السَّير على الطريق ذاتها، فتُقْدِم على خطوات أجرأ في سياق تصحيح التاريخ، ومنها خطوة الاعتذار عن إصدار ذلك الوعد، من جهة، وخيانة التطبيق الأمين لبنوده فيما يتعلق بحماية حقوق الفلسطينيين من جهة ثانية، فهل لها أن تفعل أم سيحق عليها قول عمرو بن معد: «ولو ناراً نفختُ بها أضاءتْ... ولكن أنتَ تنفخُ في رماد»؟!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر