علماء التراث المخطوط ينتدون في الجامعة الأردنية

علماء التراث المخطوط ينتدون في الجامعة الأردنية

السوسنة  - أكد علماء وباحثون ومؤرخون في علم المخطوطات والتحقيق أهمية المخطوط العربي الذي يجمع تاريخ الأمة وتراثها ولغتها، ويكشف عن هويتها وحضارتها، وفيه دوّن الوحي وتفسيره، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وشروحها.

 
 وأوضحوا أن هناك قصورا تجاه المخطوطات العربية من قبل العرب الذين لم يبذلوا جهودا مثمرة في دراستها وتحقيقها بالرغم من أنها أضخم إرث إنساني،  فهو تراث الإسلام والقرآن الكريم، مقارنة بالغرب الذين كان لهم بصمات واضحة في هذا المجال في كتابتها والحفاظ عليها لأهميتها في نقل الفكر، مشيرين إلى أن مخطوطات التراث العربي حتى يومنا لا يعرف لها عدد تقريبي، كما أن كثيرا من التساؤلات التي تطرح حول هذا الأمر تتعلق بالتعقيب المرتبط بالتاريخ والنسخ، والفهرسة لم يجد لها العلماء إجابات شافية.
 
ودعوا إلى ضرورة إحياء علم المخطوطات من جديد، وتحقيق المخطوط من جميع الجوانب من مادة ومضمون ومتن ووضع النصوص في سياقها التاريخي والموضوعي، لما يؤديه هذا العلم من  دور كبير في الإجابة عن كثير من التساؤلات التي تعنى بالمخطوطات والنصوص التي وصلت ناقصة أو محرفة أو مشوهة.
 
 جاء ذلك خلال ندوة عقدها منتدى الجامعة الأردنية الثقافي بعنوان "علم المخطوط (الكوديكولوجيا) والتحقيق العلمي" برعاية رئيس الجامعة الأردنية الدكتور عبد الكريم القضاة، وبمشاركة نخبة متميزة من أصحاب الخبرة والباع في تحقيق المخطوطات ودراستها وفهرستها.
 
 مدير الخزانة الحسنية الملكية بالقصر الملكي في المملكة المغربية الدكتور أحمد شوقي بنبين ذكر أن التراث العربي يتسم بالموسوعية، وتحدث خلال مداخلته عن (علم المخطوط)   كمصطلح يعود  أصوله إلى كلمة فرنسية هي (الكوديكولوجيا) وتعنى دراسة الكتاب المخطوط باعتباره قطعة مادية وكل ما يحيط به من متن وهوامش ونصوص، مشيرا إلى أنه لا يوجد في قاموس لغتنا العربية كلمة مرادفة للـ ( كوديكولوجيا)  ولا بد من البحث عن كلمة عربية  تقابلها وتفيد المعنى.
 
وأشار بنبين إلى المشاكل التي تتعرض لها المخطوطات في التراث العربي وأولها البحث عن المخطوطات ونصوصها ومعاني تلك النصوص، ويجب على من يقوم بهذا الأمر أن يكون ضليعا في اللغة والتاريخ والجغرافيا، منتقدا الآلية التي يتم فيها تدريس طلبة الجامعات ممن سيمارسون مستقبلا عملية التحقيق العلمي للمخطوطات والتي ترتكز على الدروس والملخصات النظرية التي تتنافى مع نظرية التعليم الحديثة.
 
وقال إن الطلبة لا يدركون فعليا طبيعة كتابة المخطوط ودراسته والتحقيق العلمي له إلا عند تخرجهم، مشددا على دور الأساتذة الجامعيين في توجيههم وإرشادهم للبحث عن مصادر المعلومات بأنفسهم واستعمال الكتب والنصوص والمراجع في المكتبات لإعداد طالب مبدع قادر على البحث وجمع النصوص والتحقيق.
 
 ومن المشاكل أيضا بحسب بنبين التي ما زلنا نعاني منها حتى يومنا هذا، مشكلة (الطباعة) التي أدت إلى كثير من التحريف والتزييف، والأخطاء، ومشكلة (النسّاخ) والنّساخة، وتكرار نسخ الكتب أكثر من مرة الأمر الذي أدى إلى وقوع أخطاء كثيرة، معتقدا من وجهة نظره أن كل كتاب حقّق في العالم العربي منذ أكثر من (150) عاما سيعاد تحقيقه من جديد، والدليل على ذلك صدور كتب بنسخ جديدة يوميا جرى تحقيقها سابقا.
 
 في حين تناول المحقق والمؤرخ المصري الدكتور أيمن فؤاد السيد في مداخلته الحديث عن أهمية علم المخطوطات وعن ضرورة إعادة بناء وجمع المخطوطات العربية القديمة المنتشرة في كل بقاع العالم، حيث قدّر العلماء والباحثون حجم المخطوطات العربية حوالي ثلاثة ملايين مخطوطة.
 
 وعرض السيد إلى آلية دراسة نصوص المخطوطات التي يجب أن يرافقها الوقوف على كل ما يحيط بالنص من حواش وتعليقات وتفسيرات وإضافات وعلامات وقف، وكل ما دوّن على صفحة العنوان من وقفيات وسماعات وقراءات وإجازات ومناولات وتاريخ النسخ ومكان النسخ والنسخة المنقول عنها، وكذلك المصدر الذي جاءت منه، والعناصر المادية التي استخدمت لكتابة المخطوط، والظروف التاريخية والجغرافية التي أحاطت به أثناء كتابته.
 
 بدوره، محقق المخطوطات التونسي إبراهيم شبّوح سلط في مداخلته الضوء على مواد صناعة الكتاب المخطوط (المخطوط العربي) الذي يقوم على الكتابة ذات الأصول النبطية التي اقتنعت بها قبيلة قريش وكتب فيها بالمصحف الشريف، مشيرا إلى أن أول كتاب تم جمعه في تاريخ الحضارة الإسلامية هو القرآن الكريم الذي ينسب إليه تاريخنا الإسلامي.
 
وقال إن الكتاب المخطوط ينقسم إلى قسمين الأول النص أو المحتوى والذي يتصل بتاريخ المعرفة والعلم، وشأنه البحث والفهرسة والتقديم والتعريف، والثاني هو الجانب المادي والمكون من : مادة يكتب عليها، ومادة يكتب بها، وأسفار تحفظ صحائف المخطوط من التلاشي والتلف.
 
 وأشار شبوح في حديثه إلى المواد التي كانت تكتب عليها واصفا إياها بالفصائل التي تعاونت متآزرة ومنفردة على حفظ التراث المكتوب وهي : وهي القراطيس المصرية أو البردي الذي ينسب إلى الثقافة والحضارة المصرية، وهو نبات ينبت حول المستنقعات والأنهار، والرق لما يتميز به تماسك ومقاومة، والورق (الكاغد)، أما المواد التي كان يكتب بها فهي الحبر الذي يتكون من الماء العذب والعفص والزاج والصمغ العربي مع ضرورة مراعاة النسب كل منها في صناعته.
 
أما فيما يتعلق بالأسفار وهي جمع سفر أي كتاب وقد تطورت صناعة التسفير أي التجليد ليصبح فنا رفيعا من أجمل فروع الصناعات الفنية الإسلامية، وقد تم تجميل السفر (الكتاب) بالنقوش والألوان والزخارف المضغوطة والمحزمة والملونة والمذهبة.
 
وخلال إدارته للندوة، قال رئيس منتدى الجامعة الأردنية الثقافي الدكتور صلاح جرار إن علم المخطوط لم يكن يوما سفرا ذا ورق أصفر أكل الدهر عليه وشرب، بل هو كنز ثمين ينطوي على هوية الأمة العربية وفكرها وثقافتها وجذورها وإسهاماتها الحضارية، مؤكدا أمنيات كثير من الأمم في اقتناء بعض منها كي تؤسس لهويتها الحضارية والثقافية.
وقال إن المهتمين في مجال المخطوطات وتحقيقها هم مجاهدون من نوع خاص ونادر، لأنهم يملكون مهارات تحتاج إلى الكثير من الصبر والدقة والمعرفة، مشيرا إلى أن هذا اللقاء يكتسب أهمية كبيرة تبعا لقيمة ومكانة المشاركين العلمية من أصحاب الخبرة والاختصاص في علم المخطوطات، ولما قدموه من جهود مشهورة  ومشكورة في تحقيق التراث العربي والحفاظ عليه.