العلاقات الشخصية البينية وأهميتها حاضراً ومستقبلاً

الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش

قد سمعنا ما قبلنا يقولون: العلاقات الشخصية البينية بين الأشخاص والعائلات والعشائر والمؤسسات المختلفة (وبين المسؤولين في كل مستوى من مستويات المؤسسة والمستويات المختلفة فيها) أفضل بكثير من المناصب والمسؤوليات التي يتولاها الأشخاص في مختلف المستويات من المسؤولية إذا كانت تلك العلاقات مبنية على مخافة الله وعلى الفطنة والذكاء وحسن الخلق وعلى العدل والمساواة بين الناس.وهذا يعكس قول السيدة عائشة رضي الله عنها عندما سُئِلَت عن خُلُقِ الرسول عليه الصىلاة والسلام، قالت: كان خُلُقُهُ القرآن. وإذا بالفعل تخلقنا بخلق القرآن وهو كلام الله عزَّ وجلَّ خالق الإنسان (وخالق هذا الكون وما فيه من أجل خليفته في الأرض وهو الإنسان) نكون قد تفوقنا عن غيرنا من مخلوقات ربنا في هذا العالم. كم من مسؤول كبير لم يستطع أن يحل مشكلة أهله وأقاربه وحتى أبناؤه ولجأ لبعض الأفراد في عائلته أو عشيرته في حل مشاكله، وكما يقال الشخص هو الذي يرفع المنصب الذي يتولاه وليس العكس، لأن المنصب لا يرفع إنسان ضعيف ولا يتصف بصفات القيادة ودماثة الخلق وجماله الذي يضفيه عليه القرآن الكريم. واقعنا مرير هذه الأيام لأن كثيراً من الذين يتولون المسؤوليات في مؤسساتنا المختلفة تولوا مسؤولياتهم عن طريق علاقات شخصية غير مبنية على مخافة الله في القيادة والوطن والشعب، ولا يملكون أي صفة من الصفات القيادية وقوة الشخصية ولا أدنى درجات الذكاء والفطنة التي تتطلبها المسؤولية في إدارة المؤسسات التي يتولونها. ونجد هذه المشاكل متكرره في معظم مؤسساتنا للأسف الشديد. لأن التعيينات لا تعتمد على الكفاءة أو على القدرات والعدل والمساواة وإنما تعتمد على من هو قرابتك ومن هو معرفتك أو من هو الشخص الذي أرسلك لتقديم طلب للعمل ... إلخ، ونجد المتميزون والمتفوقون جالسين في بيوتهم بدون عمل ولهذا السبب مؤسساتنا في تراجع مستمر في خدماتها.

نضرب مثلاً بسيطاً وعلى إحدى مؤسساتنا الحيوية في الدولة وهي مصلحة المياه دون ذكر أسماء للحفاظ على خصوصيات الأشخاص. وصلتني فاتورة مياه مبلغها كبير، فذهبت لأراجع بخصوصها فقيل لي من قبل المسؤول أن عداد المياة الخاص بشقتك متوقف ولهذا السبب وضع قيمة تقديرية للفاتورة. فقلت له، سجل فواتير المياة الخاصة بعدادي لأكثر من ثلاثون عاماً عندكم ألم يراجع الذي وضعوا تقديراتهم سجل إستهلاك المياة السابق الخاص بي قبل أن يضعوا تقديراتهم؟ فقال لي لا. فقلت له ما هو الحل؟، فقال قَدِّم طلب إعتراض، فقدمت طلب الإعتراض وتابعت المعاملة بشكل شخصي حتى قاموا بتغيير العداد بعداد جديد. وعندما راجعت بعد مرور ثلاثة شهور بالقراءة الجديدة وكان إستهلاك المياة قليل وفق ما تعودنا عليه، قال المسؤل مش معقول! هذا إستهلاك قليل! لا نأخذ به، فقلت له عندك السجل التاريخي لإستهلاك المياه الخاص بشقتي على الكمبيوتر إرجع له لو سمحت فرفض، وقال راجعني بعد قراءة جديدة أخرى أي بعد ثلاثة شهور أخرى، فقلت له حاضر. وعندما راجعت بعد القراءة الثانية إستغرب المسؤول للمرة الثانية من الإستهلاك القليل، وقال لي ممكن تطلب من أي شخص تصوير عداد المياه على الخلوي وإرساله لنا الآن ففعلت. وعندما أحضرنا المعاملة كاملة، نظر إلى العداد والمعلومات الموجودة على المعاملة وقال: هذا ليس هو العداد الخاص بك وأصر على ذلك وحاولت أن أوضح له أن العداد تم تغييره ولم يقتنع. إلى أن جاء موظف في الدائرة بسيط وقرأ المعلومات على المعاملة وعلى الكشف الذي طبعه من الكمبيوتر وقال له: ياحضرة المدير كلام المراجع صحيح مائة في المائة ولكن الموظف الذي عبأ النموذج غلطان لأنه وضع رقم العداد القديم وليس الجديد وأوضح له الأمر حتى إقتنع، ولتبرير اخطاؤه قال أنا نظرت على المعاملة ونظرت على قراءة العداد الذي أحضره على الخلوي فكان هناك خلاف في أرقام العدادات، فهل هذا مبرر؟ أين الفطنة والذكاء والتفكير في إكتشاف الأخطاء؟، ألا يستحق هذا الموظف البسيط أن يكون مكانه مديراً للقسم؟!، وكم عدد المراجعين الذين يعانون في حل مشاكلهم من مثل هؤلاء رؤساء الأقسام أو مدراء الدوائر.