الضحية ورؤية الصراع

mainThumb

25-01-2008 12:00 AM

عدد كبير من الاسرائيليين يحذون حذو موتيل بن فايس صاحب المؤلفات عندما قال: "طوبى لي فأنا يتيم" ، انهم يغطون بذلك رفضهم التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين ، وبطل "شلوم عليخم" يستغل يتمه حتى يقوم بأعمال محظوره ويرسم للعالم تصورا يتيح له عدم الدراسة والتكاسل والتقاعس عن الصلاة وفي نفس الوقت التملص من العقوبة ، واليمين الاسرائيلي ينظر الى الواقع من خلف كراهيته للعرب ، وهذه الرؤية توفر له الذريعة للتمسك بمواقفه هذا ان لم نقل زيادتها تطرفا.

الوزير المستقيل افيغدور ليبرمان اعطانا في آخر الاسبوع الماضي تجسيدا جديدا لمزاج "الضحية" الذي تشتق منه رؤية الصراع ، لو ان حزب اسرائيل بيتنا كان معبرا عن اقلية لكان من الممكن اعتباره حزبا هامشيا من دون وزن حقيقي ، الا ان رؤية الواقع التي يقوم عليها تصور ليبرمان مشتركة بأجزاء آخذة بالاتساع من الجمهور اليهودي في اسرائيل ، حتى وان لم يكونوا اعضاء في حركته.

وفقا لهذه العقيدة الاساسية ، ليست هناك احتمالية للتوصل الى تسوية مع الفلسطينيين لأن كراهيتهم لاسرائيل بلا حدود ، فان انسحبت اسرائيل من يهودا والسامرة سيهاجمها الفلسطينيون من قلقيلية ونابلس ، وان تعاونت مع اقامة الدولة الفلسطينية فسيقوم عليها عرب اسرائيل ويطرحوا مطالب تضع الحد لدولة اسرائيل بهويتها الصهيونية ، اما ان توصلت الى اتفاق مع ابو مازن فستجد نفسها في مواجهة دموية مع حماس التي ستسيطر على الضفة الغربية.

هذا ما يفكر به غالبية اليهود الاسرائيليون ، كما تشير الاستطلاعات الاخيرة ، ورد فعل الفلسطينيين على الانسحاب من قطاع غزة عزز لديهم الخوف الاساسي من ان "العرب" لا يسلمون تماما بوجود الدولة ، وانه لو سنحت امامهم فرصة للتخلص منها او ابادتها - لانتهزوها بكل سرور ، وهذا شعور اساسي يبلور نظرة الغالبية اليهودية بما فيها المحسوبون على اليسار للصراع.

اطلاق القسام المكثف في الجنوب كما يبدو مؤخرا واطلاق الكاتيوشا والصواريخ من الشمال كما تجسد بصورة مؤلمة جدا في حرب لبنان الثانية ، يرسخ في نفوس اليهود الاسرائيليين اعتقادهم الاساسي بانه ليس هناك شريك في الطرف الاخر (الذي يشمل برأيهم عرب اسرائيل ايضا) ، واليسار (اغلبه) يختلف عن اليمين (اغلبه) في استعداده للتوصل الى تسوية عملية تقوم على سيادة فوقية امنية متشددة لاسرائيل ، الامر الذي يقلل من التهديد الوجودي المتمثل في وجود الكراهية في نفوس "العرب" والاسلام لوجود دولة يهودية في الشرق الاوسط منذ مدة طويلة ، لذلك تشير الاستطلاعات الى تعمق ملموس للرؤية اليمينية من جهة (كتعبير عن القلق الاساسي من التهديد) وعن الاستعداد للتسويات الاقليمية من جهة اخرى.

ليبرمان يضرب اذا عصبا حساسا عندما يطرح المخاوف الوجودية لدى الجمهور اليهودي في اسرائيل من التهديد المتواصل من قبل العرب كائن من كان ، فاليهود الاسرائيليون يعتبرون الصراع قدرا محتوما وواقعا لا يمكن تغيره من الاساس بسبب طابع وعقيدة "العرب" ، وهذا التوجه يتيح للجمهور اليهودي في البلاد تجاهل اسهامه هو في نشوء الصراع وتواصله واتساعه: من المشروع الاستيطاني الذي تسبب باستفزاز لا يطاق لمشاعر الفلسطينيين فأحبط امكانية اعتبار المناطق وسيلة مساومة مركزية للتوصل الى تسوية ، ومرورا بتوقيت العمليات العقابية والاغتيالات البائس الذي يتناقض مع التفاهمات الساعية الى تخفيض السنة اللهب التي تم التوصل اليها مع القيادة الفلسطينية ، وانتهاء بالتنكر للالتزامات والوعود بتخفيف معاناة الفلسطينيين والقيام بخطوات حسن النوايا نحوهم.