الفراغ الممسوك يحكم لبنان بانتظار التوافق! .

mainThumb

25-11-2007 12:00 AM

منذ منتصف ليل الجمعة - السبت ولبنان جمهورية بلا رئيس حتى اشعار آخر. على رغم كل المحاولات التي جرت لتفادي الوقوع في الفراغ لكن أزمات لبنان تؤكد مرة أخرى أنها تستعصي على الحلول رغم كثرة العاملين الاقليميين والدوليين على الاسهام في حلحلة العقد التي تحول دون التوافق على رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس اميل لحود.

واقفل الأسبوع الطويل على ما يلي:

التأكيد مرة أخرى على أن لبنان هو «دافع الضرائب» عن اللبنانيين والعرب والعالم وآخر الفواتير المفروضة عليه تمرير مؤتمر أنابوليس للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذا ما أعلنه صراحة وزير الخارجية الايطالية ماسيمو داليما في بيروت مع زميله الفرنسي برنار كوشنير والاسباني ميغيل انخيل موراتينوس. هذه الترويكا الأوروبية التي بذلت جهوداً كبيرة للعمل على تقريب وجهات النظر بين الموالاة والمعارضة على رغم المناشدات العاطفية التي عبّر عنها الوزير الفرنسي كوشنير بطريقته المسرحية، وهو الذي اصيب بإحباط شديد، كما قال بعض مساعديه جراء عدم نجاحه في التوصل إلى اختيار الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية.
وعلى رغم أنه لم يسبق أن تدخل هذا الحشد الدولي الكبير في دولة «صغيرة» كلبنان للمساعدة على حل أزماتها، لكن مع ذلك استعصى الواقع اللبناني على الحل مع انتهاء مهلة الاستحقاق الدستوري المحددة بموجب الدستور اللبناني.

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقدته الترويكا الأوروبية ليل الخميس - الجمعة، حرص الوزير الفرنسي على التبشير بقرب التوصل إلى حل بعدما بلغ «الاقتراح الانقاذي» الذي قدمه العماد ميشال عون والذي يقضي بانسحاب عون من السباق الرئاسي على أن يختار رئيساً من غير كتلته مقابل أن يختار السيد سعد الحريري رئيساً لوزراء من غير كتلته، وعلى أن يتعهد بتبني مذكرة التفاهم القائمة بين «التيار الوطني» و «حزب الله». لكن تجمع 14 آذار كان يعقد اجتماعاً في «معتقل» نوابه الذهبي في فندق «فينيسيا» ويعلن رفضه القاطع لهذه المبادرة. وعلى رغم أن البيان حمل تصعيداً كلامياً في اللهجة تقتضيه «طبيعة المرحلة»»، فإن التجمع قرر التوجه إلى مجلس النواب في ساحة النجمة في استعراض لإثبات الوجود، من دون الذهاب إلى الحد الأقصى والمضي في انتخاب رئيس جديد بأكثرية النصف زائداً واحداً، كما اشاع بعض أركانه في أوقات سابقة.

فهل أن لبنان بعد تطورات الساعات الأخيرة الدراماتيكية هو رهين حالة «الفراق التوافقي»؟

بمعنى أن تتابع الموالاة والمعارضة العمل والتشاور لبلوغ رئيس توافقي، وهي الصفة التي تعذّرت على كثير من المرشحين المتداولين في بورصة المرشحين. وهذا الأمر أزعج كثيراً البطريرك نصرالله بطرس صفير الذي «أرغم» على إعداد لائحة من ستة مرشحين. لكن الأمور تتجه إلى تجاوز هذه اللائحة والقفز إلى أسماء أخرى، وهو الذي عبّر عن امتعاضه وخروجه - النادر - عن هدوئه بالقول: «هل رخصت رئاسة الجمهورية إلى هذه الدرجة ليرشح إليها عدد غير يسير؟».

وإذا ما جاز اختصار مداولات الأزمة اللبنانية خلال الساعات والأيام القليلة الماضية وجب التوقف عند المحطات التالية:

* حاول العماد ميشال عون في الساعات الأخيرة التي سبقت الجلسة المقررة في مجلس النواب الساعة الواحدة من بعد ظهر الجمعة، التقدم بصيغة وفاقية فاستحضر صيغة رياض الصلح وبشارة الخوري من الاستقلال الأول وذلك تصادف مع الذكرى الرابعة والستين لاستقلال لبنان؟ وأي استقلال؟

وكأنه يريد أن ينزع عن نفسه صفة المعرقّل والمتجاوب مع مناشدات عدة منها الاتصال الشخصي من جانب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، مشيداً بتضحياته. لكن هذا الاقتراح جوبه بالرفض من فريق الأكثرية (الصقور والحمائم كما يتردد عن وجود هذا التصنيف).

* كان الرئيس نبيه بري محتفظاً بتفاؤله حتى اللحظات الأخيرة قبل الجلسة النيابية، ولم يكن أحد يعلم سر هذا التفاؤل وأسبابه ودوافعه، وهناك الكثير من الأسرار والأخبار التي دارت بين الرئيس بري والسيد سعد الحريري خلال مفاوضاتهما باسم الموالاة والمعارضة لاختيار الرئيس العتيد. وعندما تم تداول اسم الاستاذ ميشال اده استمهل الحريري لبعض الوقت متدارساً الأمر مع حلفائه وجاءت نتائج المشاورات برفض المرشح اده. ورافقت ذلك حملة إعلامية من قبل فريق الموالاة تتحدث عن زيارة قام بها المرشح ميشال اده الى سورية «وتقديمه كل الضمانات للرئيس السوري بشار الأسد»... الخ وفيما لم يتأكد هذا الأمر من مصادر محايدة، تؤكد مصادر الحريري أنه طرح رياض سلامة كمرشح توافقي، لكن الحاجة إلى تعديل الدستور أبعدت حظوظ اختياره.

* ... وسبقت ذلك حملة أميركية على ميشال اده قادها السفير جفري فيلمان. فهو ما أن علم برجحان كفة اده حتى كان يقوم بجولة زيارات تفقدية كعادته ويشن حملة عنيفة على «توجهات ميشال اده»، ففهمت الأكثرية رسالة واشنطن.

* لوحظ أن الاستاذ وليد جنبلاط رفع في الأيام الأخيرة شعارات التهدئة، وهي كانت لافتة بعد الحملات التصعيدية السابقة والتشديد على ضرورة الإفادة من وجود «الأكثرية» وانتخاب رئيس جديد للجمهورية. لكنه وفي اتصال بالرئيس نبيه بري أبلغه زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي ضرورة مواصلة الحوار وضرورة تقديم تنازلات وبلوغ تسويات، لأن التفاهم بين اللبنانيين يبقى الأهم، ومما قاله: «لا نريد للقرارات الدولية أن يتم تمريرها على جثث اللبنانيين»، في اشارة واضحة منه إلى ترك موضوع القرارات، خصوصاً 1559 و1701، إلى وقت لاحق إذا كانت ستؤدي إلى التقسيم بين اللبنانيين. وأكد جنبلاط على التمسك بالتوافق وبالسلم الأهلي خلال مغادرته مجلس النواب.

* على صعيد حالة التجاذب الدولي لحسم معركة الرسالة اللبنانية، لوحظ «انكفاء» أميركي نسبي مقابل «التقدم» الفرنسي. وفيما أوعزت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لمساعدها ديفيد وولش بإلغاء زيارته لبيروت للعمل مع الترويكا الأوروبية، أدلت بتصريحات أكدت فيها موافقتها على انتخاب رئيس جديد للجمهورية «يلقى موافقة غالبية الشعب اللبناني». وهذا الموقف يتناقض كلياً مع موقفها السابق والقائل بضرورة اعتماد النصف زائداً واحداً لانتخاب الرئيس، وقول «المنظر الدستوري» ديفيد وولش: «... في الدول الديموقراطية ليس هناك من بدعة أكثرية الثلثين، بل هناك أكثرية وهناك أقلية والأقلية هي التي تحكم»!

* التاريخ يعيد نفسه: ففي الثالث والعشرين من ايلول (سبتمبر) العام 1988 انتهت الولاية الدستورية للرئيس امين الجميل من دون رئيس وعهد إلى العماد ميشال عون بتشكيل حكومة عسكرية وبقية التفاصيل معلومة. واليوم تنتهي ولاية الرئيس اميل لحود ومن دون رئيس جديد وبقية التفاصيل غير معلومة بالضبط. والسؤال: ما هو مصير الجمهورية الثانية ورئيسها الآتي؟ إذا كان آتياً في وقت قريب.

* ونأتي إلى الجانبين الاقليمي والدولي وهما يحتلان موقعين بارزين في عقدة الموقف اللبناني. ففي فتح حوار بين فرنسا وسورية لـ «تسهيل عملية انتخاب الرئيس الجديد»، وقدمت دمشق الضمانات المطلوبة منها بعدم التدخل في هذا المسار، كانت واشنطن، عبر الرئيس بوش والوزيرة رايس، تكيل التهم لسورية بالتدخل في الاستحقاق اللبناني. ومن المفارقات المذهلة التي ظهرت قبل يومين المعادلة التالية: «أميركا راضية عن سورية وإيران في العراق بدليل انخفاض أعمال العنف بدرجة كبيرة، لكنها غير راضية عن التعاون السوري - الإيراني في لبنان».

وكالعادة، ردت طهران بهدوء على الاتهامات الأميركية بالرفض، وحرصت في الوقت نفسه على إعلان واشنطن عن رغبتها في عقد جولة جديدة من المفاوضات بشأن الوضع في العراق، ويعلن وزير الخارجية منوشهر متقي «موافقة بلاده على هذا اللقاء». ألم نقل إن لبنان يوضع من جديد في موقع دافع الضرائب ليس عن اللبنانيين واختلافاتهم فحسب، بل عن «الزبائن الاقليميين والدوليين». ولم يعرف لبنان حتى الآن، وبأسف، كيف يوظّف الرهانات الدولية لصالح الأمن والاستقرار فيه، بدلاً من أن يُبقي الساحة المستباحة لكل عابث بأمنه وأمن المنطقة وكل ساع إلى تسجيل انتصار على «الامبريالية الأميركية» في ساحات الوطن وعلى حساب أبنائه.

واستطراداً، ان مؤتمرات السلام العربية - الإسرائيلية تعقد في العادة بعد خوض حرب أو أكثر، كما حدث في مؤتمر مدريد بعد حرب الخليج، فهل أن مؤتمر أنابوليس المقرر مبدئياً في السابع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري يمهد لعملية استباقية لحروب آتية على الطريقة البوشية؟ وهكذا يفرض على لبنان دفع استحقاقات الحروب والمواجهات كما دفع الأثمان الغالية لمؤتمر السلام وأي صفقات يمكن أن تنجح وسط كلام كثير عن أن مؤتمر «أنابوليس» هو حاجة أميركية قبل أن يكون حاجة فلسطينية!

* ... وبعد، ما هو الآتي؟ وهذا هو أحد الأسئلة الدهرية في لبنان حيث يختلط التحليل بقراءة الفنجان، وبضرب الرمال بالمفاجآت. وهكذا تنتشر مفردات المرحلة: فخامة مدير الفراغ - الفراغ التوافقي بدلاً من «الحل التوافقي» - والفراغ الممسوك بدلاً من الفراغ المفتوح على كل الاحتمالات ومعظمها من النوع غير المريح.

* ... وطالما ان سيد بكركي البطريرك صفير لم يعد يؤمن إلا بالحل السماوي، فما علينا إلا انتظار أن تمطر الدنيا حلولاً على لبنان.

وإذا كان من كلمة ضميرية وسط هذه الأجواء القاتمة أن يتلمس رجالات لبنان من موالاة ومعارضة مدى خطورة الظرف المصيري الذي يمر به الوطن.

في حالات الفراغ يبرز المكان لأكثر من «وجه»، لذلك فإن مثل هذه الحالة تفسح في المجال لظهور «نجوم سياسيين وإعلاميين»، في حين أن الحسم وانتخاب رئيس جديد للجمهورية يحصر الأمور بعدد محدود. فعلى المسؤولين من نواب الأمة الاختيار ليس بين اكثرية النصف + واحد، ولا بأكثرية الثلثين حتى، بل بالأكثرية المطلقة. فلبنان لم يعد يحتمل المزيد من الشرذمة والانقسامات إلا إذا أراد «القائمون على الحل» تهجير البقية الباقية من اللبنانيين.

وبانتظار فخامة التوافق أن يأتي، يبقى الجيش اللبناني هو حامي الوطن والمواطنين ووحدتهم، ولكن إلى متى؟

أما حكم الرئيس اميل لحود لبنان لمدة تسع سنوات، فسيكون في عهدة التاريخ، تقويماً له وعليه.

هناك مفارقات كثيرة تحكم لبنان، ومن ذلك النواب الكثر الذين يتحدثون عن خرق الدستور وضرورة عدم المس به باعتباره كامرأة القيصر. ولكن مجلس النواب الحالي بعدد نوابه الـ128 هو أكبر مخالفة لاتفاق الطائف وبالتالي الدستور.

هذا هو لبنان.

- فراغ -

فراغ عام 1988 انتهى باتفاق الطائف.

... فراغ عام 2007 كيف وبماذا سينتهي؟

لبنان دخل المجهول.