مسلسل “عمر” .. المشكلة مع إيران وليست مع الشيعة

mainThumb

07-08-2012 03:34 PM

السوسنة - أثار مسلسل “عمر” الذي تبثه قناة “إم بي سي” التلفزيونية خلال شهر رمضان المبارك، جدلا فقهيا واسع النطاق، لجهة مشروعية تمثيل الصحابة والمبشرين بالجنة في الأعمال الدرامية، كما أثار جدلا سياسيا لأن البعض اعتبر توقيته “سيئا” باعتباره سوف يشكل استفزازا لأتباع المذهب الشيعي في وقت تزيد حدة السجال على وقع الأحداث الدموية الدائرة في سورية، وعلى خلفية احتدام المواجهة السياسية بين إيران ومحيطها العربي.
 
بعيدا عن الخوض في الجانب الفقهي المتروك للمتخصصين وعلماء الدين وبعضهم اجاز العمل الفني وأشرف عليه ليخرج بأفضل صورة ممكنة، فإن اللافت أن المسلسل قوبل بعاصفة من النقاش “السياسي” داخل إيران وفي بعض المناطق الأخرى باعتباره “عملا عدائيا” للشيعة.
 
ومنذ الحلقات الأولى للمسلسل شعر المشاهد أنه أمام عمل درامي مختلف عن كل ما قدم في السابق عن مرحلة صدر الإسلام، وبرغم أن البيئة التي يصورها المخرج حاتم علي لا تختلف كثيرا عما شاهده المتابع في “الرسالة” وفي أعمال كبرى كثيرة، وهذا أمر طبيعي لجهة أن تصميم الديكورات والمناظر لم يكن ليبتعد كثيرا عما قدمته أعمال فنية سابقة عن المرحلة، لكن الرؤية البصرية التي صنعها ناصر الجليلي جاءت برغم ذلك مفعمة بالحياة ومليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تدخل المشاهد إلى قلب الحراك الذي فجرته الدعوة النبوية مع المحافظة على خلفيات ضرورية لفهم المرحلة بشكل أعمق وأوسع.
 
ومع جانب الرؤية البصرية يبقى النص الذي جهد عليه وليد سيف البطل الأساسي للعمل الدرامي، لجهة غناه وقدرته على الابهار.
 
وكان يمكن توقع أن تثور ثائرة بعض المغالين في تشددهم والدافعين نحو توسيع هوة الخلاف بين السنة والشيعة بسبب تناول شخصية عمر الفاروق رضي الله عنه، وهو أمر لم نره في حالات ماضية تناولت فيها الدراما شخصيات عظيمة مثل خالد بن الوليد أو بلال بن رباح.
 
وجاءت بعض التصريحات من جانب شخصيات تجهر بكراهية الصحابة لتظهر حال التعالي والبغض التي استمدها هؤلاء من إيران على محيطهم العربي المسلم، إذ كتب مرجع شيعي عراقي اسمه بشير حسين النجفي ردا على سؤال تلقاه من أحد متابعي قنوات التحريض الطائفي يقول: “كاتب المسلسل سعى إلى غسل وجه الشخص المعني، وإلى إبراز شخصية فريدة في خدمة الإسلام وكل ذلك زورا وبهتانا وحمل إساءة إلى النبي وآل بيته الأطهار”.
 
ونصح “المرجع الديني” الشباب “الذين ليست لديهم مناعة عقائدية بالابتعاد عن متابعة المسلسل”. تشبه هذه الدعوة الى المقاطعة دعوة سابقة له مع المرجع الإيراني علي السيستاني بمقاطعة قناة “المستقلة” قبل عدة سنوات لانها أقامت مناظرة بين علماء دين من السنة والشيعة.
 
طبعا يتضح من نص الرسالة وهي منشورة على شبكة الانترنت أن كاتبها لم يشاهد أي حلقة من المسلسل وأن حديثه عن “الاساءة” للنبي الكريم وآل بيته ما هو إلا اختلاق.
 
بعبارة أخرى بحسب رأي “المراجع” المحرضة على بث الفرقة والكراهية فإن على المسلمين السنة ألا يقدموا أعمالا فنية تبرز شخصيات عظيمة كان لها تأثيرا كبيرا في تاريخ الإسلام.
 
لكن المشكلة في السجال لا تكمن في بعد طائفي “سني- شيعي” كما قد تظهر للبعض للوهلة الأولى، بل مع إيران.
 
وباستثناء بعض المراجع المرتبطة مذهبيا وسياسيا وماليا مع طهران لم يشن علماء الشيعة هجوما على العمل الدرامي.
 
وفي أبرز مؤشر إلى ذلك، شنت أوساط ثقافية وفنية وإعلامية إيرانية هجوما عنيفا على العمل لم تخف أن وراءه أسباب قومية.
 
إذ قوبلت مشاركة خبراء سينمائيين إيرانيين في مسلسل “عمر” بضجة غير مسبوقة في الوسط الإعلامي الإيراني، وانتقد محمود نسب منتج مسلسل “المختار” في مقابلة مع وكالة “فارس” للأنباء القريبة من الحرس الثوري الإيراني، اشتراك بعض الإيرانيين بالعمل وهدد بأنه لن يدعوهم للعمل معه في أعمال مقبلة.
 
وقال محمود نسب: “انزعجت من أعماقي عندما سمعت أن عدداً من زملائنا الذين ساهموا في إنتاج مسلسل “المختار” انتقلوا للعمل في مسلسل عربي يروي قصة حياة عمر”. وزاد :”ما لا شك فيه أن هؤلاء كانوا على علم بمحتوى المسلسل، فلا يمكن ألا يكونوا على معرفة بأي عمل يقومون، لن أستفيد من هؤلاء بل سأفضل من يتمتع بمزيد من الالتزام”.
 
وحسب موقع “جوان” الأصولي القريب من الرئيس أحمدي نجاد فإن عدد الإيرانيين المشاركين في المسلسل يبلغ 8 أشخاص، إلا أن الموقع لم يحدد اختصاصاتهم.
 
وتساءل موقع “جوان”: “السؤال الذي أثار دهشة الجميع، لماذا يقوم بعض من يوصفون بالفنانين بتقديم خدماتهم الفنية لأعداء إيران”؟
 
أما صحيفة “كيهان” القريبة من المرشد الإيراني الأعلى وبعد أن نعتت المسلسل بألفاظ مسيئة وعبرت عن دهشتها إزاء مشاركة إيرانيين فيه، كتبت: “لماذا لم تتم مساءلة هؤلاء الإيرانيين على مشاركتهم في هذا المسلسل المخرب والمهين”؟
 
هكذا يتحول السينمائي الإيراني إلى “عدو لإيران” لأنه ساهم في تجسيد شخصية كان لها فضل في فتح “فارس” وتقويض أركان امبراطورية كسرى، أما ما عدا ذلك من حديث عن البيت الشريف وآله الأطهار فهو محاولة للتغطية لا تختلف كثيرا عن التوظيف الدائم للقضية الفلسطينية في خدمة محاولة استعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية في المنطقة.