«الرؤوس» أم «الكراسي»؟

«الرؤوس» أم «الكراسي»؟

26-02-2013 12:39 PM

 هناك في البيئة الثقافيّة السوريّة صوتان متعارضان يمثّل كلّ منهما وجهة نظر بالمعنى العريض للكلمة: صوت يقول إنّ التغيير تغيير في «الكراسي» أوّلاً، قاصداً أنّ الثورة هي إطاحة النظام القائم، رموزاً ومؤسّسات وأجهزة، وصوت آخر يقول إنّ التغيير تغيير في «الرؤوس» أوّلاً (وربّما أخيراً)، قاصداً أنّ الثورة الفعليّة هي إطاحة الاجتماع والثقافة السائدين، وفي الصدارة منهما أفكار الإسلام السياسيّ وقيمه وممارساته.

الرأي الأوّل يضع الثقافة بين مزدوجين ويحوّل «الثقافيّ» إلى شتيمة، والرأي الثاني يفعل الشيء نفسه بـ «السياسيّ».
 
وهذا الانتصاف في فهم «الثورة» هو جزئيّاً وليد أفكار واجتهادات، غير أنّه جزئيّاً أيضاً وليد مواقع في التكوين الاجتماعيّ والأهليّ لم يعد من الصعب الاستدلال عليها. إلاّ أنّه، في حالاته جميعاً، يضعف العمل الثوريّ بقدر ما يدلّ إلى ضعف تكوينيّ ينطوي عليه.
 
وبالفعل فإنّ الثورات لا تتمّ ولا يكتمل معناها كثورات إن لم تخلخل، في آخر المطاف، الاجتماع والثقافة القائمين. لكنْ كيف، في حالة سوريّة، يمكن الوصول إلى هدف كهذا من دون تغيير النظام الذي لا ينهض إلاّ على العنف، فيسدّ أبسط أبواب الحرّيّة، ويجعل أدنى شكٍّ جريمة «توهن الأمّة»، فيما يحول دون شعور الفرد، وهو من يُفترض به أن يبادر إلى الشكّ والتغيير، بكرامته الفرديّة؟
 
وإذا جاز الاستشهاد بمصر وتونس بعد ثورتيهما على «الكراسي»، أمكن القول إنّ الانتقال إلى تغيير «الرؤوس» مرّ حكماً بتغيير تلك «الكراسي». وهذا علماً أنّ عنف النظامين السابقين في مصر وتونس نقطة في بحر العنف الذي غرف النظام الأسديّ ويغرف منه.
 
والحال أنّه في تلك المعمعة السياسيّة وحدها، ومن خلال الصراع على السلطة تحديداً، بل في مناخ يمكن فيه إطلاق الصراع حول السلطة، يصار إلى «توطين نقد الإسلام السياسيّ وتسييسه» (بحسب عبارة سامر فرنجيّة في «الحياة»، ملحق «تيّارات»، يوم الأحد الماضي).
في هذا المعنى يُخشى أن تؤدّي المبالغة في نظريّة تغيير «الرؤوس»، وتقديمها في جدول الأولويّات، إلى التهاون في أمر تغيير «الكراسي»، إن لم يكن غضّ النظر عن هذه «الكراسي» وعن شاغليها. والحقّ أنّ تلك المبالغة مسؤولة جزئيّاً، من خلال مسايرتها المديدة لـ «الكراسي»، عن تصدّر الإسلام السياسيّ وقواه مواقع المظلوميّة أوّلاً، ثمّ مواقع التغيير تالياً.
 
لكنّ تغيير «الكراسي»، في المقابل، معنيّ بالإيحاء بأنّ تغيير «الرؤوس» موضوع على جدول الأعمال. وضعف مثل هذا الإيحاء لا يطمئن كثيراً. فهو ما يقود أصحابه بعيداً في ردّة فعل عصبيّة حيال منظّري «الرؤوس أوّلاً». ومن أشكال ردّة الفعل تلك المبالغة في التنصّل من الثقافة والمثقّفين، والاستعداد المتعاظم للتسامح مع سلوكيّات شعبويّة، بل الميل إلى الاحتفال بها وتمجيدها أحياناً، ناهيك عن غضّ النظر عن أعمال متعصّبة لا يجوز بحال من الأحوال غضّ النظر عنها. وأحياناً تندفع ردّة الفعل إيّاها إلى إدانة ما هو غربيّ وما هو متقدّم لأنّ «الشعب» ليس كذلك.
 
نعم، لا ريب في أنّ تغيير «الكراسي» يأتي أوّلاً، غير أنّه من دون المباشرة بتغيير «الرؤوس» قد نجدنا، عاجلاً أو آجلاً، أمام «كراسٍ» أثقل على الصدور والعقول.
 
* الحياة اللندنية


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مباحثات ليبية صينية لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري

الأرجنتين لميسي: منحتنا أجمل رحلة وسنبقيك في قلوبنا للأبد

البحرين تؤكد تضامنها مع الأردن في كل ما يتخذه من إجراءات للحفاظ على سيادته

سفارة أنقرة بقبرص التركية تطلق برنامج دعم لمتضرري حادث السفينة

جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم

مودي لبوتين: الحرب في أوكرانيا يجب أن تنتهي من أجل الإنسانية

الإعدام لامرأتين في إيران على خلفية المشاركة في احتجاجات بداية العام

إيران تعلن إسقاط مسيّرة أمريكية جديدة شرقي مضيق هرمز

المنتخب الوطني لكرة القدم الإلكترونية يتأهل لنهائيات كأس العالم

النقابات المهنية تستحدث سارية للعلم الأردني بارتفاع 20 متراً

الإفتاء الأردنية: التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعاً بشروط

الجيش اليمني يعلن التصدي لـ4 زوارق حوثية قرب جزيرتي حنيش وزقر

جهود فلسطينية لتمديد ساعات العمل على جسر الملك حسين

العيسوي يعزي الزايد وأبو صد والنجداوي

حادث العبّارة .. تركيا ترسل سفينة بحث وإنقاذ أخرى إلى شمال قبرص