الحرص أذل أعناق الرجال - د.رياض خليف الشديفات

الحرص أذل أعناق الرجال - د.رياض خليف الشديفات

20-08-2013 02:10 PM

من أعظم ما يحرص عليه عقلاء البشر وطلاب الحرية  الكرامة الإنسانية التي لا تقدر بثمن ، ومما يجعل الرجال يطأطئون رؤوسهم الطمع والحرص ،فتعس عبد الدرهم   وتعس عبد الدينار  وهو يدفعهم إلى المجاملة من جهة ، ومن جهة أخرى يدفعهم إلى غض الطرف عن قول الحق ، ومن طريف ما يروى أن رجلاً كان يطلق عليه لقب ذميم لا يطاق ، وقد ترشح لانتخابات ما ، فقام أحد الناخبين بكتابة اللقب ، ولم يكن معتمداً ، فقال المرشح : اعتمدوا اللقب على ما فيه من قبح لأكسب صوتاً ، الحرص حمله على تحمل بشاعة اللقب لأجل أن ينال صوتاً ، وقد صور الشاعر أبو العتاهية هذا المعنى حين قال :


                                لقد أيقنت إني غير باق    لا أبالي ولكنـي أراني


الله يا سلم بن عمرو تعالى    أذل الحرص أعناق الرجال


                              عفواً هب الدنيا تساق إليك    أليس مصير ذلك إلى الزوال


                             وذقت مرارة الأشياء طرا      فما طعم أمـــــتر من السؤال


    ومن بتأمل الحياة المعاصرة في ظل التربية المادية ومتطلبات الحياة وضغوطها يلحظ بسهولة متناهية كيف أذل الحرص أعناق الناس بطريقة تهدر ماء الوجه ، فهذا يستجدي على باب هذا ، وهذا يتصل بالفضائيات سائلاً متوسلاً غير آبه بكرامته ، وهذا يريق ماء وجه على باب لئيم ،أو على باب جمعية ، أو تكية ، وهذا يبيح صوته بثمن بخس لأجل دريهمات معدودة ، وهذا ينتظر لقمة من منان ، أو محسن، وهذا يستدر عطف الناس ببكائه وثيابه الممزقة المتسخة ، وهذا يذل كرامته على باب مؤسسة أو جمعية ،أو ينتظر مكرمة من هذه الجهة أو تلك ، أو ينتظر منحة أو عطية ، وترى في الوظيفة العامة مقدار تهافت وتنافس الموظفين على ما يكون خارج الراتب  من مكأفات ، أو أعطيات، أو بدلات بصورة تقطع ما بينهم من روابط وزمالة وصداقة لأجل لعاعة من الدنيا. 


وقد تغنى الشافعي رحمه الله تعالى بمعنى الحرص على الكرامة والبعد عن الحرص   الذي يذل أعناق الرجال فقال :        

رأيت القناعة رأس الغنى         فصرت بأذيالها متمسك
                          فلا ذا يراني على بابه             ولا ذا يراني به منهمك
                         فصرت غنياً بلا درهم          أمر على الناس شبه الملك
فمتى يدرك الناس هذا المعنى الجميل ؟ ومتى يدركون طعم الكرامة ،ومرارة طعم الحرص ، فالذل كل الذل في الحرص .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد