في شروط الديمقراطية واستحقاقاتها
08-04-2014 10:33 AM
تعتبر الديمقراطية المتبلورة أمامنا بنموذجها الغربي ثمرة اكثر من ثلاثمائة سنة من عمر الحداثة والتنوير الفكري الاوروبي، بل انها ثمرة الفين وخمسمائة عام اذا ما عدنا الى عهد اليونان القديمة وانبثاق الفلسفة الديمقراطية في آن واحد، على يد سقراط وافلاطون وارسطو وسواهم. ولكنها كانت ديمقراطية ناقصة بالطبع، لأنها لا تشمل الا الرجال الاحرار، وتستثني النساء والعبيد والاجانب. اما الشورى التي نتبجح بها كثيرا في عالمنا العربي فهي على أهميتها نواة مصغرة للديمقراطية، لأنها كانت محصورة بعدد قليل من الصحابة الاجلاء، ولا تشمل جميع المسلمين، هذا فضلا عن أتباع الديانات الاخرى، وبقية (المواطنين)، اذا صح لنا أن نتحدث عن مواطنين في ذلك الزمان.
والديمقراطية بمفهومها الحديث لا تكون من دون حكومة مدنية، أي مساواة كاملة في الحقوق والواجبات بين مختلف السكان في المجتمع، اياً تكن أصولهم العرقية أو الدينية أو المذهبية. ففي النظام الديمقراطي الحديث لا يوجد ابن ست أو ابن جارية، او ابن فرقة ناجية، وابن فرقة مهرطقة كما تقوا كتب الملل والنحل القديمة، وكما لا يزال يعتقد جمهور المسلمين حتى هذه اللحظة.
في الانظمة الديمقراطية الحديثة يتساوى البروتستانتي ليونيل جوسبان مع ابن الاغلبية المذهبية جاك شيراك او ميتران او شارل ديغول. اما في فرنسا ما قبل عصر التنوير والثورة الفرنسية فكان من المستحيل على البروتستانتي أن يرفع رأسه في فرنسا. كان يعتبر مهرطقا زنديقا ناقص الحقوق، ومشبوها في كل حركاته. كان مجرد وجوده يعتبر ازعاجا ولا يحتمل الا على مضض من قبل أبناء الاغلبية المذهبية، اي الكاثوليكية في ما يخص فرنسا.
لهذا السبب لا معنى لطرح فكرة الديمقراطية في العالم العربي إن لم تحل اولا مشكلة الطائفية والمذهبية، وتحل الفلسفة السياسية الحديثة، محل الفقه الطائفي القديم الذي لا يزال يتحكم في رقابنا حتى هذه اللحظة. فكلمة الديمقراطية التي تلوكها السنتنا تصبح لغوا للاستهلاك المحلي أو للمتاجرة السياسية لا أكثر ولا أقل، انها عبارة عن اجراء صوري شكلي محض. انها مجرد وسيلة للقفز على السلطة، وسيلة يستخدمها الحاكم والمعارض على حد سواء، وهي من كليهما براء. حتى التنظيمات الاصولية المتعصبة اصبحت تقول انها ديمقراطية!.. الكل أصبح ديمقراطيا عندنا. لا يوجد شخص واحد غير ديمقراطي في العالم العربي الان!...
ولكن عندما تقول لهم ان الفلسفة التي ترتكز عليها الديمقراطية تتطلب منا اولا الاعتراف بالمساواة الكاملة بين المواطنين، وانه لا يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو ثالثة، فانهم يتراجعون قليلا. ثم يقولون لك لطمأنتك لا تخف، سوف نحافظ على حقوق الاقليات!، ولكن يا سادة لا يوجد أقليات أو أكثريات في ظل الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. إما انه توجد مواطنة أو لا توجد. إما أنه يوجد مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات أو أنه لا يوجد! فالأقلية والاكثرية عندئذ تصبحان على أساس سياسي وخيار ذاتي لا على أساس ديني أو عرقي أو طائفي، فلا احد يختار مكان ولادته. والتدين عندئذ يصبح مسالة شخصية تخص الضمير الحر للفرد ليس الا.
وعندما تقول لهم ان فلسفة الديمقراطية تتطلب من الاعتراف الكامل بحرية الضمير والمعتقد: اي حرية أن تتدين أو لا تتدين، فانهم يتراجعون أكثر ويصبح عدد الديمقراطيين أقل بكثير. عندما تقول لهم أن فلسفة الديمقراطية تعني الفصل الكامل بين المواطن والمتدين باعتبار أن كل متدين مواطن بالضرورة، ولكن ليس كل مواطن متدينا بالضرورة، فان عدد الديمقراطيين ينقص ايضا مرة اخرى.
عندما تقول لهم أنه في النظام الديمقراطي الحقيقي السني قد يصبح رئيسا لايران اذا كان كفؤاً، والمسيحي رئيساً لسوريا، والامازيغي رئيساً للجزائر، والكردي رئيسا للعراق، فانهم يرتعدون رعباً ويقولون، لا لا نريد هذه الديمقراطية! هذا هراء.
انظر كيف يهاجم بعض القوميين الزعيم الكردي جلال الطالباني لأنه اصبح رئيسا للعراق! وهذا بحد ذاته دليل على مدى الانحطاط السياسي بل والاخلاقي في عالمنا العربي. ولكن الشعب الامريكي يقبل بأن يصبح باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة، في حين أن السود محتقرون تاريخيا، ويشكلون أقلية من عدد سكان البلاد. لماذا؟ لأنه مواطن بحسب الدستور مثله في ذلك مثل جورج بوش أو بيل كلينتون لا اكثر ولا اقل. واذا ما نجح في خدمة امريكا فانهم سيصفقون له، واذا ما فشل فانهم سيعزلونه. هنا تأخذ كلمة المواطنة معناها الحقيقي ووزنها، وليست مجرد حبر على ورق!
إن هناك ثرثرة كثيرة عن الديمقراطية في وطننا العربي، بل وتشدقا سطحياً رخيصاً مضاداً للمعنى الحقيقي للديمقراطية، ولكل الفلسفة السياسية الحديثة التي أبدعتها. وأخشى ما نخشاه أن تتحول الديمقراطية الى شعار فضفاض مائع يفقد جوهره ومحتواه، كما حصل لبقية الشعارات التي أفرغت من مضمونها الى درجة اصبحت تبدو مكرورة ومجترة لم تعد صالحة للاستخدام. اليس من المضحك المبكي أن الاصوليين اصبحوا الان من عشاق الديمقراطية ولا يحلفون الا باسمها؟ متى كان السلفيون يعتبرون الديمقراطية فريضة شرعية؟ بالأمس القريب كانت كفراً صريحاً كغيرها من الافكار الغربية. ولكن شهوة السلطة لا تقاوم، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يمنع الوصوليين والانتهازيين بل وحتى الطائفيين من السطو على أجمل المصطلحات وافضلها.
في ظل الفكر الاحادي الجانب، سواء اكان اصولية دينية ام احزاب شمولية، فلا مجال للديمقراطية أو التعددية أو النقاش الحر في المجتمع؛ لان الاصولية الدينية تزعم أنها تمتلك الحقيقة المطلقة المقدسة، وبالتالي لا مجال لمعارضتها او مناقشتها. والحوار الديمقراطي في مثل هذا الجو مستحيل، او حتى يعتبر كفرا وخروجا على شرع الله. وكذلك الامر في الايديولوجيات ذات الطابع الدنيوي، فهي ايضاً ترفض المناقشة، وتعتبرها خروجا على الحزب الاوحد. ولذلك فأول شيء يفعله هؤلاء عندما يصلون الى الحكم هو اغلاق البرلمان، وحل الاحزاب، والقضاء على حرية الصحافة.
هذا في حين أن النظام الديمقراطي قائم اساساً على التعددية الحزبية والصحافية وحرية النقاش، بل وتقليب الامور على كافة جوانبها لكي تتضح المشاكل تماما، ويسهل اتخاذ القرارات الصائبة بشأنها. من هنا اعطاء البرلمان فرصة كبيرة لمناقشة مختلف القضايا، بل وحصول الحوار العنيف بين السلطة والمعارضة حول كل المسائل. من هنا أهمية التناوب على الحكم، فالسلطة اليوم قد تصبح المعارضة غدا والعكس صحيح. وعموما فان مصلحة البلاد العليا هي الشغل الشاغل لكلا الطرفين في نهاية المطاف.
ولكن ورغم كل ذلك نحن لا نستطيع ان ننتظر الاستنارة التي قد تستغرق عقودا طويلة لكي نمارس الديمقراطية، وحتى لو كانت هذه الديمقراطية ناقصة في البداية وهي كذلك، وتؤدي الى نجاح قوى لا علاقة لها بالديمقراطية، فلا باس .. فهذه القوى لا يمكن تجاوزها الا بعد المرور بها.. ينبغي أن نتيح للجدلية الاجتماعية التاريخية أن تفعل مفعولها وتمارس عملها بشكل طبيعي.. هناك ثمن باهظ ينبغي دفعه اثناء عملية الانتقال من المحافظة الى التجديد الاصيل، هناك نزف داخلي سوف يحصل. هناك عملية تكنيس هائلة لا مثيل لها تنتظرنا، قبل الولوج الى نهضة جديدة للامة.
مزرعة الحيوان : حين تلد الثورة استبدادا جديدا
قُبلة على رأس أمريكا وأخرى على لحية إيران
الجيش العربي الأردني : درع الوطن الحصين وسياجه المنيع
تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن
في تطور متسارع .. السعودية تقصف الحُديدة اليمنية والحوثيون يحذرون
تسميم ذائقة القراء… كيف أضاع العربي كتابه؟
إلى أين ينتمي من يرفضون الانتماء
أسطورة الانفراط الموعود: المألوف من خلافات أمريكية ـ إسرائيلية
أيها السوريون: شتان بين حرية التعبير وحرية التشهير
دوالي الساقين تصيب النساء أكثر .. وهذه أبرز علامات الخطر
مؤشرات الأسهم الأوروبية تسجل مكاسب أسبوعية
ترامب: الإيرانيون باتوا يظهرون جدية أكبر في المباحثات
المحكمة الجنائية الدولية تواجه ضغوطًا وتهديدات إثر ملاحقة مسؤولين إسرائيليين
ماذا يعني عزل كريم خان؟ وهل تتأثر مذكرة توقيف نتنياهو؟
انطلاق فعاليات مهرجان صيف الأردن 2026 بالحديقة البيئية بلواء الرصيفة
الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة
جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري
هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك
إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء
عادل إمام يتصدر الترند ما السبب .. صورة
بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة