هيبة التكريم

هيبة التكريم

15-09-2026 09:22 PM

لقد تعوّدت أن أشعر بالتوتر كلما وقفت أمام الكاميرا لتقديم برنامج تلفزيوني على الهواء، والغريب أن هذا الشعور نفسه يرافقني في كل تكريم أو احتفال أشارك فيه. فالوقوف أمام الجمهور، سواء كنت مذيعًا على الشاشة أو شخصًا مكرّمًا على المسرح، يضعك تحت حكم العيون. والجمهور لا يملك معيارًا واحدًا للحكم عليك؛ فهناك من يرى أن المذيع مرتبك، وآخر يلاحظ أن الشخص المكرّم متوتر، وثالث قد يلتقط لحظة تعثّر بسيطة أو حركة غير محسوبة. وهذه آراء مختلفة، علينا أن نحترمها، لأن الإنسان حين يكون تحت الضوء لا يعود ملكًا لنفسه تمامًا؛ فالكاميرا ترصد، والجمهور يلاحظ، وكل حركة يمكن أن تصبح حكاية. التكريم في ظاهره فعل نبيل: يعلنون اسمك، يطلبون منك الصعود، يمنحونك درعًا، يصفق لك الناس، ثم تعود إلى مقعدك محمّلًا بمشاعر الفخر والامتنان. لكن هذا هو الوصف الرسمي فقط. أما الحقيقة، فهي أن التكريم عبارة عن اختبار مفاجئ في المشي، والابتسام، والمصافحة، والتعامل مع الكاميرا، واتخاذ قرارات مصيرية في أقل من ثلاثين ثانية. أنت جالس في مكانك، تتابع الحفل بأمان، وفجأة ينادي عريف الحفل على اسمك: في تلك اللحظة لا تعود متأكدًا من اسمك. تنظر خلفك. ربما هناك شخص آخر. ثم تنظر إلى الشاشة. اسمك. تنظر إلى عريف الحفل. يشير إليك. الكاميرا عليك. انتهى الأمر. لم يعد أمامك سوى القيام. وهنا تبدأ رحلة الصعود إلى المنصة، وهي رحلة قصيرة في المسافة، طويلة جدًا في التفكير. تبدأ الأسئلة: كيف أمشي؟ هل أبتسم؟ هل ألوّح للجمهور؟ هل أنظر إلى الشخص الذي سيكرمني أم إلى المصور؟ هل أضع يدي على صدري؟ ولماذا أشعر فجأة أن يديّ، اللتين عشت معهما عشرات السنين، أصبحتا بلا وظيفة؟ تصل إلى منصة التكريم. يتم تقديم الدرع. تستلمه. ثم يأتي المصور. «يحرّك رأسه في إشارة بمعنى: انظر هنا أيها المكرّم.» فتنظر. يغمزك بمعنى: «ابتسم.» فتبتسم. يهزّ رأسه بمعنى: «أكثر شوي.» فتبدأ تشعر أن الموضوع لم يعد تكريمًا، بل جلسة تصوير إعلانية لمعجون أسنان. ثم تأتي اللحظة التي كنت تخشاها: الميكروفون. تتوقف للحظة. ليس لأن لديك ما تقوله، بل لأنك تخشى أن يقرر أحد فجأة أنك يجب أن تقول شيئًا. عريف الحفل يقول: «مبروك» بصوت عالٍ. أما أنت، فترد بالتأكيد همسًا: «الله يبارك فيك.» وهكذا تنتهي خطبتك التاريخية. لا مقدمة. لا خاتمة. لا «في هذه المناسبة الغالية». لا شكرًا للوالدين والزملاء والأصدقاء وكل من ساهم في صناعة هذا الإنجاز منذ العصر الحجري. فقط: «الله يبارك فيك.» ثم تنزل. والحقيقة أنني أرى أن هذا النوع من التكريم هو الأكثر عدلًا للإنسان وللجمهور معًا. فلماذا نعاقب شخصًا مكرّمًا بإجباره على إلقاء كلمة؟ هو جاء ليستلم درعًا، وليس ليقدم أطروحة دكتوراه. والجمهور، من جهته، لديه ما يكفيه من الكلمات. فمنذ بداية الحفل وهو يسمع: «يسرنا أن نرحب…» و«في هذه المناسبة…» و«ولا يفوتني أن أشكر…» حتى يصل إلى مرحلة يتمنى فيها أن يأتي أحدهم ويقول: «والآن نستلم الدرع وننصرف.» وهنا تظهر حكمة عظيمة من حكم حفلات التكريم: كلما قلّت كلمتك، زادت احتمالية أن يتذكرك الناس بشكل جيد. أما إذا أعطوك الميكروفون دون تحذير، فهنا عليك أن تتذكر قاعدة النجاة الأولى: اشكرهم بسرعة قبل أن يكتشفوا خطأهم. ثم غادر المنصة. خذ الدرع. خذ الصورة. خذ التصفيق. وعُد إلى مقعدك. فالتكريم الحقيقي ليس في عدد الكلمات التي قلتها، وإنما في أن تنزل من المنصة وأنت لم ترتكب أي خطأ يمكن أن يتحول إلى مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا، في زمن الكاميرات، ليس إنجازًا بسيطًا. بل يستحق… درعًا آخر.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات