الرسول صلى الله عليه وسلم .. كيف نعزره ونوقره؟ (2-2)

الرسول صلى الله عليه وسلم ..  كيف نعزره ونوقره؟ (2-2)

12-09-2026 10:10 PM

قراءة سياقية في معنى التعزير والتوقير وإعلاء الذكر

تزداد دلالة التعزير وضوحًا إذا قُرئت الآية في سياق سورة الفتح وسبب نزولها، فقد نزلت السورة في أعقاب صلح الحديبية، أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، بعدما حال المشركون بينهم وبين دخول مكة لأداء العمرة.

وقد بدا لبعض الصحابة أن شروط الصلح تتضمن ما يشبه التنازل أو الدنية، مع إيمانهم بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، وتطلعهم إلى دخول مكة ظاهرين. وقد أورد أبو بكر جابر الجزائري تفاصيل هذه الواقعة في كتابه «هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب» (القاهرة، مصر، ط9).

وتكشف الواقعة أن التعزير يشمل حماية مقام الرسول صلى الله عليه وسلم من تأويلات تنسب إليه الدنية أو الخذلان. فقد شق الصلح على بعض الصحابة، فجاءت سورة الفتح لتبين أن تأخر الوعد لا ينافي صدقه، وأن وراءه حكمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ...﴾ [الفتح: 27].

ووجه الاستدلال أن الآية التاسعة من سورة الفتح وردت في سياق إبطال شك من شكوا في أمر الصلح، وتكذيبهم بوعد الفتح والنصر، والثناء على الذين اطمأنوا إلى وعد الله. (انظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، وتفسير الطبري).

ثم أظهرت الأيام أن صلح الحديبية كان فتحًا من جهة آثاره؛ إذ أتاح الأمن والاختلاط والحوار، فدخل الناس في الإسلام أفواجًا. وهكذا يظهر أن النصر ليس دائمًا صورة عسكرية عاجلة، بل قد يكون فتحًا سياسيًا واجتماعيًا ودعويًا، تقوى به الرسالة ويظهر أمرها. («هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب»، مصدر سابق).

من التوقير الفردي إلى التعزير الاجتماعي

يبدأ توقير الرسول صلى الله عليه وسلم من القلب، لكنه لا يبقى فيه؛ فمن توقيره تصديق خبره، ومحبة سنته، والاقتداء بهديه، والتأدب عند ذكره، ورفض كل قول أو سلوك يستخف بمقامه.

وإذا انتقلت هذه المعاني من الأفراد إلى الجماعة، نشأت عنها مؤسسات وعادات وممارسات تحفظ السيرة وتعلمها وتظهر فضل صاحبها. ويمكن فهم التاريخ الهجري، مثلًا، باعتباره وسيلة لتثبيت الذاكرة الإسلامية، لا لتعزيره في ذاته، بل لحفظ أحداث الرسالة وربط الزمن العام بتاريخ الأمة.

وكذلك المدائح والكتب والمناسبات، فقيمتها في صلتها بالسيرة والهدي والعمل الصالح. ولا تكون هذه الصور الاجتماعية مقصودة لذاتها، بل بقدر ما تنقل محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من الشعور الخاص إلى الوعي المشترك، وتربط الذكر بالاقتداء، والثناء بالعمل، وحفظ السيرة بفهم مقاصدها.

ومن ثم، فإن التعزير الاجتماعي لا يتحقق بكثرة الاحتفال أو بروز الاسم وحدهما، وإنما يتحقق حين ينتج عن ذلك تعظيم صادق، وسلوك منضبط، ومعرفة تهدي إلى الإصلاح.

كما تسهم هذه الممارسات في وصل الذاكرة بالسلوك، بحيث لا يبقى توقير الرسول صلى الله عليه وسلم معنى وجدانيًا مجردًا، بل يتحول إلى معرفة نافعة وأدب عملي وإسهام إيجابي في حياة المجتمع والوعي العام بصورة متوازنة.

ويتجلى هذا المعنى في الشعر النبوي الذي لا يكتفي بالتعبير عن محبة قائله، بل يجعل الفضائل النبوية موضوعًا عامًا تتناقله الألسن وتحفظه الذاكرة. ومن ذلك:

إذا افتخرت قريش بالمعالي
وبالكرم الرفيع لدى الكرام
فهاشمها خلاصتها ومعنى
عبارة مجدها بين الأنام
وسر صميمها من لا يسامى
رسول الله مصباح الظلام

فالشاعر هنا يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم خلاصة مجد قريش، وسر شرفها، ومصباحًا يهدي الناس. وبذلك يؤدي الشعر وظيفة اجتماعية؛ إذ يعلن المنزلة ويثبتها في الذاكرة، ويحول المحبة الفردية إلى ثقافة عامة.

وهذه هي الحلقة التي تصل التوقير الشخصي بالتعزير الاجتماعي: تحويل المجد إلى قول معلن، وإلى معنى متداول بين الناس.

شهادة الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

شهد الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم آمنوا بالله ورسوله، وعزروا رسوله ووقروه، وسبحوا الله وكبروه. ويدل على ذلك ما جاء في الآيات اللاحقة من السورة، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِ...﴾، وصولًا إلى قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ...﴾.

وجاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور أن الله، بعد أن أكد وعده بالفتح والنصر بالآيات التي بدأت بها السورة، انتقل إلى بيان الحكمة من إرسال رسوله وما يتعلق به من الإيمان، فكانت كالمقدمة للقصة التي وقعت في الحديبية، وبينت السورة مجرى الأحداث وإبلاغ كل ذي حظ من تلك القضية نصيبه المستحق، من الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستحقاق المكذبين السوء. (بتصرف).

وهنا لا بد من التنبيه إلى أن التعزير القرآني في الآيات السابقة يختلف عن التعزير الفقهي الاصطلاحي، فلا يُحمل أحدهما على الآخر بلا تمييز. فالأول معنى إيجابي يتصل بتقوية مقام الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ونصرته وحمايته، أما الثاني فعقوبة تقديرية يقصد بها الزجر والردع عند وقوع معصية لا حد فيها ولا قصاص، وتفصيل ذلك خارج عن مقصد هذا المقال.

التوقير في القلب والتعزير في المجتمع

تدل القراءة السياقية على أن الألفاظ لا تؤدي معنى واحدًا مكررًا؛ فالإيمان يؤسس الصلة بالله ورسوله، والتوقير يملأ النفس إجلالًا، والتعزير يحول التعظيم إلى قوة اجتماعية تحمي المقام وتظهر الفضل، والنصرة مؤازرة ودفاع، والتسبيح عبادة لله تعالى.

فالتوقير حفظ مقام الرسول صلى الله عليه وسلم في القلب والسلوك، والتعزير تقوية مقامه في المجتمع؛ بتنزيهه عن كل ما لا يليق، والثناء عليه بما يليق، وحماية رسالته من الانتقاص، وإعلاء ذكره وتثبيت سيرته في الوعي العام. أما النصرة فهي المؤازرة العملية والدفاع عنه، وهي جانب من جوانب التعزير وليست كل معناه.

وبهذا يصبح الشعر في مدحه، والعلم في سيرته، والتعليم لهديه، وإحياء ذاكرته، وصيانة رموزه ومعانيه، أعمالًا يمكن فهمها ـ ضمن هذا الإطار التأملي التداولي ـ بوصفها صورًا من التعزير الاجتماعي، متى اقترنت بالصدق وحسن الأدب والاتباع وتحويل الذكر إلى عمل صالح، لا بمجرد المظاهر أو الادعاء.

وإذا كان ذلك كذلك، فقد انطوى هذا المفهوم الكبير، المشار إليه بتعظيم الله وتكبيره وتعزير الرسول وتوقيره، تحت كلمة التوحيد ولفظة التنزيه، المعبر عنها بقولنا: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله».

ومن أعظم الفوائد المستفادة من هذا المفهوم الكبير ألا يحب المسلم تقديم ما أخر الله أو رسوله، ولا تأخير ما قدم الله أو رسوله، بل يكون مسلمًا لله بنفس راضية وسريرة مطمئنة في السراء والضراء، والشدة والرخاء؛ إذ هو عدل في القضاء، خبير بالمنع والعطاء، رحيم عند البلاء، عليم بما يصلح الملأ.

ومن جهة أخرى، لا يصح توصيف بعض أحداث السيرة بوصف دني لا يليق بمقام التعزير والتوقير. فللأسف وقع بعض العلماء في هذا الغلط، مثل وصفهم وثيقة المدينة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين واليهود وبقية المكونات بـ«وثيقة الموادعة». فحاشا رسول الله، وتعزر وتوقر وتكرم، أن يداهن؛ فلا يقول إلا صدقًا، ولا يفعل إلا الحق والعدل والإحسان، ولا يترك إلا الكذب والفحشاء والمنكر والظلم.

جعلنا الله ممن اقتدى به واهتدى بهديه، ولا تجعلنا اللهم ممن ذكرك ونسيه، أو أحبك وقاله، أو زعم بأنه اهتدى بغير هداه.

اللهم فصل عليه صلاة دائمة بدوامك، واهدِ إليه منا السلام سلامًا معزرًا وموقرًا ومكرمًا ومعظمًا دائمًا بدوامك، بقدر عظمة ذاتك في كل وقت وحين، وشفعه بنا في جميع ما جرت به المقادير.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله