سكنٌ للمواطن حلم .. وللغريب استثمار

سكنٌ للمواطن حلم ..  وللغريب استثمار

12-09-2026 04:05 PM

في الوقت الذي تتسارع فيه مبادرات الحكومة لجذب تملك غير الأردنيين للعقار، وتُعدَّل أسس الإقامة لتسهيل شراء العقارات بمئات الآلاف من الدنانير، يقف المواطن الأردني عاجزًا أمام أبسط حقٍّ إنساني: أن يجد سكنًا يؤويه هو وأسرته.

السكن ليس ترفًا ولا استثمارًا بل هو حقٌّ أساسي يفترض أن تضمنه الدولة لمواطنيها , غير أن الدستور الأردني في نصه الحالي لا يتضمن حقًا صريحًا في السكن ولا يُلزم الدولة بتوفير حدٍّ أدنى من المساكن اللائقة لمواطنيها.

هذا الغياب الدستوري ليس تفصيلًا قانونيًا هامشيًا بل هو جوهر المشكلة، إذ يتحول الحق بلا نص إلى وعدٍ بلا التزام , صحيح أن المادة العاشرة من الدستور تنص على أن المساكن حرمة ولا يجوز دخولها إلا بإذن أهلها أو في الحالات التي يبينها القانون، إلا أن هذا النص يتعلق بحماية المسكن من الدخول غير المشروع، وليس بحق المواطن في الحصول على مسكن.

الفرق بين المفهومين جوهري : فالأول حق سلبي يحمي ما تملكه، والثاني حق إيجابي يُلزم الدولة بتوفيره.

رغم أن الأردن صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1972، والذي يعترف في المادة الحادية عشرة بحق كل شخص في مستوى معيشي لائق له ولأسرته بما في ذلك الغذاء والكساء والمسكن، فإن هذا الاعتراف الدولي لم يُترجم إلى نص دستوري ملزم، ولم يُفعَّل عبر تشريعات وطنية تُلزم الحكومة ببناء مساكن اجتماعية أو دعم الإيجار أو ضبط الأسعار , وهكذا يجد المواطن الأردني نفسه يبحث عن سكن في سوق لا يرحم، ودولة لا تلتزم دستوريًا بتوفيره.

الأرقام لا تكذب لكنها موجعة , فمعدل البطالة بين الأردنيين بلغ نحو واحد وعشرين في المئة في الربع الثاني من عام 2026، واثنان وسبعون في المئة من الأردنيين يتقاضون رواتب أقل من 500 شهريًا.


بالمقابل يتراوح سعر متر الأرض في بعض مناطق عمّان بين ألف ومئتي دينار وألف وخمسمائة دينار، ما يعني أن دونم الأرض الواحد قد يصل سعره إلى مليون وخمسمائة ألف دينار , وتكلفة الأرض وحدها تشكل ما بين أربعين وخمسين في المئة من سعر الشقة، فإذا كانت الشقة تباع بمئتي ألف دينار، فإن ثمانين ألف دينار منها هي فقط ثمن الأرض.

تتراوح أسعار الفائدة على القروض العقارية حاليًا بين سبعة ونصف وتسعة في المئة ما يجعل الأقساط الشهرية عبئًا يفوق قدرة معظم الأسر.

المعادلة قاسية : مواطن راتبه خمسمائة دينار يريد شقة سعرها مئة وخمسون ألف دينار، حتى لو ادّخر راتبه كاملًا دون أن يأكل أو يشرب، سيحتاج إلى خمس وعشرين سنة ليدفع ثمنها نقدًا، وإذا لجأ إلى البنك فسيدفع أضعاف المبلغ فوائد، وسيبقى مدينًا حتى بعد أن يشيخ ويموت .

ولمن لا يستطيع التملك يبقى الإيجار هو الملاذ, لكن الإيجار نفسه تحوّل إلى عبء خانق , فقد ارتفع عدد الوحدات السكنية للإيجار من نحو مئتين وثلاثة وعشرين ألف وحدة عام 2004 إلى خمسمائة وأربعين ألف وحدة عام 2015، ومع ذلك تضاعفت أسعار الإيجارات خلال الفترة نفسها.

ففي عمّان والزرقاء أصبح البحث عن شقة بإيجار معقول رحلة مُنهكة ومحبطة، تدفع الشباب إلى تأجيل الزواج سنوات، لأن الزواج نفسه بات عبئًا اقتصاديًا قبل أن يكون استقرارًا.


وفي العقبة موظف راتبه أربعمائة وخمسون دينارًا كان يدفع مئة وثلاثين دينارًا إيجارًا لغرفة صغيرة قبل ثلاث سنوات، أصبح يدفع اليوم مئتي دينار، وفي الصيف تصل فاتورة الكهرباء إلى مئة وخمسين دينارًا على الأقل، أي أن أكثر من نصف راتبه يذهب للإيجار والكهرباء وحدهما، وإذا اعترض يجيبه المالك بجملة قاتلة: "إذا ما عجبك في غيرك مستعد يدفع" .


البيانات الرسمية تكشف مفارقة صادمة، إذ أن نحو سبعين في المئة من المعروض السكني في الأردن مناسب فقط لثلاثين في المئة من الأسر الأعلى دخلًا.


عام 2015 كان هناك أكثر من أربعمائة وثلاثة وعشرين ألف وحدة سكنية فارغة، في الوقت الذي كانت فيه أكثر من ثلاثمائة وعشرة آلاف أسرة تعيش في ظروف سكنية غير لائقة أو مكتظة.

هذه الأرقام لا تعني أن هناك نقصًا في عدد المساكن بل تعني أن هناك خللًا في التوزيع، فالمساكن موجودة لكنها بأسعار لا يقدر عليها إلا الأثرياء، والوحدات الفارغة ليست دليلًا على وفرة بل على فجوة طبقية تتسع يومًا بعد يوم.

الحكومة تتحدث عن تحديث الاستراتيجية الوطنية للإسكان وعن توفير أراضٍ مطورة بأسعار تناسب قدرات المواطنين، لكن الواقع يقول إن مؤسسة الإسكان والتطوير الحضري لم تستطع حتى الآن سد الفجوة، ولم تُقدّم برامج حقيقية للإسكان الاجتماعي، ولم تضع سقوفًا لأسعار الإيجارات، ولم تُلزم المطورين بتخصيص نسب من مشاريعهم للطبقات محدودة الدخل.

وفي المقابل تُمنح التسهيلات لغير الأردنيين، إذ تُمنح إقامة خمس سنوات مقابل شراء عقار بمئتي ألف دينار من مطور، أو ثلاثمائة ألف دينار من غير مطور، أو مئة وخمسين ألف دينار خارج العاصمة,هذه المبالغ بالنسبة للمواطن الأردني هي أحلام بعيدة، لكنها بالنسبة للمستثمر الأجنبي فرصة ذهبية .


وهكذا يجد المواطن نفسه في مواجهة سوق عقارية تُفضّل مَن يدفع أكثر، ودولة لا تلتزم دستوريًا بتوفير سكن لائق له، في وقت تتضاعف فيه الأسعار وتتفاقم فيه الأزمة عامًا بعد عام.

المواطن الأردني لا يطلب المستحيل، يطلب بيتًا يحفظ كرامته ويؤوي أسرته ويؤجل انهيار أحلامه , والسكن قبل أن يكون سوقًا هو حق، ومن واجب الدولة دستوريًا وأخلاقيًا أن تضمنه.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله

مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات