الفوضى الإعلامية .. عندما تسبق المعلومةُ الحقيقة

الفوضى الإعلامية ..  عندما تسبق المعلومةُ الحقيقة

13-09-2026 11:19 PM

في زمن تكفي فيه ضغطة زر لصناعة خبر، وإعادة نشر واحدة لإيصاله إلى آلاف الأشخاص، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فيضها واختلاط الحقيقة بالإشاعة، والخبر بالرأي، والمعلومة بالإثارة.
في الأردن، كما في كثير من دول العالم، نشهد حالة متزايدة من الفوضى الإعلامية، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح بإمكان أي شخص أن يكتب وينشر ويتحدث في أي موضوع، دون أن يكلف نفسه أحيانًا عناء التحقق من صحة ما ينشر أو مصدره. وتزداد خطورة الأمر عندما تتعلق المعلومات بالأمن أو الاقتصاد أو المؤسسات أو الاستثمار، إذ قد تتحول المعلومة غير الدقيقة من مجرد منشور عابر إلى عامل يؤثر في الثقة العامة والمصالح الوطنية والاقتصادية.
لقد أصبحت الإثارة في كثير من الأحيان أسرع انتشارًا من الحقيقة؛ فكلما كان الخبر أكثر غرابة أو صدمة، زادت فرص تداوله، حتى وإن كان يفتقر إلى الدقة والمصداقية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالأردن الذي يسعى إلى تعزيز مكانته كبيئة جاذبة للاستثمار يحتاج، إلى جانب التشريعات والحوافز والمزايا الاقتصادية، إلى بيئة معلوماتية مستقرة وموثوقة. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الأرقام والقوانين، بل يتابع أيضًا ما يُنشر عن البلد، ويقرأ المشهد العام، ويراقب مستوى الاستقرار والثقة. ولذلك أصبحت سمعة الدولة جزءًا من رأس مالها الاقتصادي، وأصبح الإعلام المسؤول شريكًا في حماية هذه السمعة وتعزيزها.
وليس المقصود بذلك إعلامًا يجامل أو يخفي المشكلات؛ فالإعلام المهني الحقيقي هو الذي يكشف الخلل، وينتقد الأداء، ويسأل المسؤول، ويضع الحقائق أمام الرأي العام. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد المسؤول والإثارة، وبين كشف الحقيقة وصناعة البلبلة، وبين حرية التعبير ونشر معلومات لم يتم التحقق منها.
الحل لا يكمن في تقييد حرية الإعلام أو إسكات الأصوات المختلفة، وإنما في ترسيخ ثقافة إعلامية أكثر مهنية ومسؤولية. والقاعدة ببساطة: لا تنشر ما لم تتحقق منه، ولا تقدم الرأي على أنه حقيقة، ولا تجعل من الإثارة بديلًا عن المعلومة.
وفي المقابل، تتحمل المؤسسات الرسمية مسؤولية مهمة في هذا المجال؛ فسرعة توفير المعلومات الموثوقة والشفافية في التعامل مع الأحداث تقللان المساحة التي تتحرك فيها الشائعات والتكهنات. فكلما تأخرت المعلومة الرسمية، اتسعت مساحة الفراغ المعلوماتي، وملأها آخرون بما قد لا يمت للحقيقة بصلة


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد