غادر الكرسي… فافتتح مصنعًا للبطولات

غادر الكرسي… فافتتح مصنعًا للبطولات

05-11-2026 12:53 AM

بعض المسؤولين لا يغادرون مناصبهم عند انتهاء المدة، بل ينتقلون مباشرة إلى صناعة الأفلام التاريخية؛ يدخل الواحد منهم الاستوديو مسؤولًا سابقًا، ويخرج مؤسسًا للدولة، ومنقذًا للخزينة، وصاحب الفضل في اختراع الإدارة واكتشاف الدوام الرسمي!

تبدأ الحكاية غالبًا بعبارة: «أنا الذي رفضت التجديد». وفجأة يصبح انتهاء الولاية ملحمة زهد، وتسليم مفتاح المكتب تضحية وطنية تستحق نصبًا تذكاريًا. ولا ينقص المشهد سوى موسيقى حزينة وموظف يركض خلف السيارة: «لمن تترك المؤسسة يا صاحب الإنجازات؟».

ولأن الجمهور لم يحضر اجتماعات الكرامة مع شؤون الموظفين، فمن حقه سؤال صغير: أين طلب عدم التجديد؟ وما تاريخه؟ وهل سبق القرار أم وصل بعده متأخرًا، مثل كتاب شكر أُرسل إلى العنوان الخطأ؟ فالوثيقة، رغم افتقارها إلى الموهبة التمثيلية، تضبط التواريخ أفضل من ذاكرة تجلس تحت أضواء الاستوديو.

ثم تأتي الفقرة المالية: «تركت المؤسسة بلا قرش دين ولا قرش عجز». هنا يُفترض أن يقف المحاسبون احترامًا، وأن تتقدم الموازنة لتقبيل جبين صاحب الإنجاز! لكن الأرقام قليلة المجاملة؛ تسأل عن الالتزامات والمستحقات ومواعيد السداد، ولا تكتفي بأن المتحدث قال كلامه بثقة وهو يعدّل ربطة عنقه.

والحل بسيط: نشر القوائم المالية المدققة. فإن شهدت له، استحق التقدير. أما الاكتفاء بالمقابلة، فيجعل الكاميرا مكتب تدقيق، والميكروفون محاسبًا قانونيًا. وربما نستغني مستقبلًا عن التقارير، ونضع في نهاية الحسابات ختمًا مختصرًا: «صحيحة، فقد قالها بثقة»!

أما أجمل الفقرات، فهي لحظة تحوّل المسؤول السابق إلى هيئة رقابية متنقلة؛ يشرح أصول النزاهة، ويحاضر في حسن اختيار الأشخاص، ويوزع شهادات الكفاءة على من يشاء. كلام يستحق الترحيب، ويستحق أيضًا تطبيق معاييره على تجربته أولًا. فمن يرفع مسطرة القياس أمام الآخرين، يُفترض ألا يسحب يده عندما يصل الدور إليه.

وفي هذه المقابلات، تكون «أنا» أكثر العاملين اجتهادًا: أنا أنجزت، وأنا رفعت، وأنا أصلحت، وأنا تركت. أما الموظفون، فيظهرون كأنهم قطع أثاث حضرت سنوات العمل كلها دون أن تسهم في شيء. المؤسسة بأكملها تتحول إلى صورة شخصية، بالكاد تتسع في خلفيتها وجوه العاملين!

وثمة فصل إضافي في هذا المسرح، حين يخلط بعض أصحاب المناصب بين الدولة وقرار التجديد لهم. ما دام الكرسي محفوظًا، فالمؤسسات راسخة، والقرارات حكيمة، والإنجازات تملأ الأفق. فإذا انتهت المدة، اكتشف صاحبنا فجأة أن البلاد تحتاج إلى مراجعة شاملة، تبدأ — بالمصادفة البحتة — من اليوم الذي سلّم فيه المكتب!

يصبح معارضًا بأثر رجعي، ويشكك في المؤسسات التي كان يتغنى بها، وينكر إنجازات كان يتصدر صور افتتاحها، وقد ينحدر من نقد القرار إلى شتم الدولة كلها؛ كأن الوطن ارتكب خطيئته الكبرى عندما لم يطبع له بطاقة وظيفية جديدة.

المعارضة حق، ونقد المؤسسات ضرورة، لكن النقد يفقد صدقيته عندما يعمل بجهاز استشعار للكرسي: يصمت عند التعيين، ويعلو عند المغادرة. ومن حق الجمهور أن يسأل عن هذا الاكتشاف المتأخر: هل ظهرت العيوب صباح انتهاء الولاية، أم كانت موجودة طوال سنوات المديح ولم تكن تناسب جدول المقابلات؟

المؤسسة العامة ليست ملكية شخصية، والدولة ليست لجنة مكلفة بتأمين مستقبل مسؤول سابق. فيها من عمل قبله، ومن عمل معه، ومن سيواصل العمل بعده. والإنجاز الجماعي لا يصبح سيرة فردية لأن أحدهم احتفظ بصور أكثر من الآخرين.

من حق المسؤول أن يشرح تجربته ويدافع عنها، ومن حق الناس أن يطلبوا الأدلة. ومن اختار الشاشة لعرض بطولاته، يستطيع أن يرفق بها الوثائق؛ فالملف المنشور يوفر على الجمهور عناء البحث في تعابير الوجه عن بند مالي!

أما انتهاء المدة، فيظل إجراءً إداريًا مألوفًا، مهما أُضيفت إليه من إضاءة سينمائية. لذلك، وقبل إنتاج الجزء الثاني بعنوان «كيف أنقذت المؤسسة ثم اكتشفت عيوب الدولة بعد مغادرتها»، نرجو نشر المرفقات. لقد شاهدنا البطولة كاملة، وبقي أن نقرأ المستندات!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر