حين يتخفّى الإقصاء خلف شعار التنوير
03-11-2026 09:32 PM
والأكثر إثارة للتساؤل أن بياناً يرفع شعار التعددية والتسامح وحرية الفكر ينتهي إلى المطالبة برصد ومواجهة منابر فكرية ودينية واسعة، وإعادة تشكيل المناهج والمؤسسات، وكأن التعددية التي ينادي بها أصحابه لا تتحقق إلا عندما يتطابق المجتمع مع رؤيتهم هم للدين والثقافة والتعليم والحياة.
إننا ندين الجريمة، ونرفض قتل الأبرياء أياً كانت هوياتهم أو معتقداتهم، ونؤكد أن مرتكبيها يجب أن ينالوا جزاءهم العادل وفق القانون. لكن إدانة الجريمة لا تعني منح أي تيار فكري حق استثمار دماء الضحايا لتصفية حساباته مع الدين أو مع تيارات فكرية وسياسية لا يتفق معها.
ولذلك، لا بد من مناقشة هذا البيان في مضمونه، لا الاكتفاء بالشعارات التي يرفعها.
أولاً: من جريمة محددة إلى اتهام أيديولوجي شامل
يقرر البيان أن ما جرى ليس جريمة عادية، وإنما «عمل إرهابي مكتمل الأركان»، ثم يذهب أبعد من ذلك ليقرر أن الجريمة وليدة «غل عقائدي متطرف»، وأن وراءها منظومة فكرية تؤصل لكراهية الآخر.
وهنا يبرز السؤال المنهجي الأول: ما الأدلة التي استند إليها أصحاب البيان لإثبات هذه النتيجة؟
هل صدرت نتائج تحقيق قضائي أو أمني موثقة تثبت الدافع العقائدي؟ وهل ثبتت علاقة تنظيمية أو فكرية محددة بين الجناة والجهات التي يتهمها البيان؟ وهل جرى إثبات أن الجريمة كانت تستهدف المختلف دينياً أو فكرياً، لا أن تكون لها دوافع أخرى؟
لا يجوز استبدال التحقيق بالاستنتاج، ولا تحويل الفرضية إلى حقيقة بمجرد صياغتها بلغة جازمة.
فإذا كان الدافع العقائدي ثابتاً، فليُعرض الدليل، وإذا لم يكن ثابتاً، فإن توصيف الجريمة بهذه الطريقة يصبح توظيفاً سياسياً وأيديولوجياً لحدث جنائي.
والأخطر أن البيان لا يقف عند إدانة الجناة، بل ينتقل إلى تحميل منظومة فكرية واجتماعية واسعة مسؤولية أفعالهم، وهو انتقال لا يقره المنطق ولا تقبله العدالة.
ثانياً: وضع ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب في سلة واحدة مع التكفيريين
هذه من أكثر فقرات البيان اضطراباً وخطورة من الناحية الفكرية.
فقد جمع البيان أسماء خمسة من كبار الشخصيات التي أثرت في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث والقديم، ثم وضع كتبهم وأفكارهم في سياق واحد مع فيديوهات ومنصات دعاة تكفيريين، وكأن مجرد قراءة مؤلفاتهم أو الاستناد إليها يمثل مدخلاً إلى الإرهاب.
هذا ليس نقداً علمياً للأفكار، بل تصنيف أيديولوجي تعسفي.
هل قرأ أصحاب البيان هذه المؤلفات قراءة علمية نقدية؟ أم أنهم يتعاملون مع أسماء أصحابها باعتبارها علامات اتهام جاهزة؟
إن ابن تيمية وابن القيم ينتميان إلى سياق تاريخي وعلمي مختلف عن سياق حسن البنا وسيد قطب، ومحمد بن عبد الوهاب له مشروعه التاريخي والعقدي الخاص. والاختلاف مع أي منهم أو نقد آرائه حق مشروع، لكن اختزال هذه التجارب الفكرية المتباينة في خانة واحدة عنوانها الإرهاب لا يمكن أن يصدر عن منهج علمي رصين.
ثم إن وجود نصوص أو اجتهادات قابلة للنقد في تراث أي مفكر لا يثبت أن هذا المفكر مسؤول عن جرائم ارتكبها أشخاص بعد قرون أو عقود من وفاته.
وبالمنطق ذاته، هل نحمل نيتشه مسؤولية النازية؟ وهل نحمل ماركس مسؤولية كل جرائم الأنظمة الشيوعية؟ وهل نحمل فلاسفة الثورة الفرنسية مسؤولية كل ما ارتكب باسم الثورة؟ وهل نحمل الفكر القومي مسؤولية كل جرائم الأنظمة القومية؟
إذا كانت العلاقة بين النص والجريمة لا تحتاج إلى إثبات، فإننا نستطيع إدانة أي تراث فكري في التاريخ، وفقاً للنتائج التي نريد الوصول إليها مسبقاً.
إن المنهج العلمي يقتضي دراسة النصوص في سياقاتها، وتحليل كيفية توظيفها، والتمييز بين الاجتهاد والتأويل والتحريض والتكفير والتبرير المباشر للعنف. أما تحويل قائمة من الأسماء إلى قائمة اتهام، فليس تنويراً، بل مصادرة على البحث قبل أن يبدأ.
ثالثاً: التناقض في التعامل مع التاريخ السياسي للحركات والأفكار
يحاول البيان تفسير صعود التطرف من خلال توظيف الولايات المتحدة للدين في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، وهي مسألة تاريخية تستحق البحث والنقاش.
لكن السؤال: هل يكفي هذا التفسير لتفسير الظاهرة الإرهابية بكل امتداداتها وتنوعاتها؟
إن اختزال ظاهرة معقدة في قرار أمريكي خلال الحرب الباردة يعيد إنتاج الاختزال الذي يعيبه البيان على غيره.
كما أن التوظيف السياسي للدين ليس ظاهرة مقتصرة على الحركات الإسلامية، بل مارسته دول وأنظمة وأيديولوجيات متعددة، واستُخدمت القومية والاشتراكية والليبرالية والدين في تبرير سياسات القمع والحروب والتدخلات.
فلماذا يصبح توظيف الدين وحده دليلاً على فساد المرجعية الدينية، بينما لا يصبح توظيف الأيديولوجيات الأخرى دليلاً على فسادها بالضرورة؟
ثم إن تفسير نشأة بعض الشبكات الجهادية في سياق الحرب الأفغانية لا يبرر تعميم ذلك على كل الحركات الإسلامية، ولا يثبت أن التدين أو المرجعيات الإسلامية التقليدية هي السبب في الإرهاب.
إن التحليل التاريخي لا يقوم على انتقاء حلقة من التاريخ وإلغاء ما عداها، بل على تتبع تفاعل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية والفكرية.
رابعاً: الادعاء بأن الهوية الثقافية الأردنية تعرضت للتغيير بفعل الدين
هذه الفقرة تكشف واحدة من أكثر المشكلات الفكرية في البيان.
إذ يتحدث عن محاولات تغيير «الهوية الثقافية التعددية للشعب الأردني» وإبعاد الأردن عن عروبته، من خلال إضفاء طابع ديني على المناهج والمؤسسات.
وهنا ينبغي طرح سؤال جوهري: هل الإسلام غريب عن الهوية التاريخية والثقافية للمجتمع الأردني حتى يصبح حضوره في التعليم والمجتمع تهديداً لهويته؟
الأردن مجتمع تشكلت هويته عبر روافد متعددة، عربية وإسلامية ومسيحية وعشائرية ووطنية، ولا يمكن بناء قراءة أمينة لتاريخه الاجتماعي والثقافي من خلال تصوير المكوّن الإسلامي وكأنه عنصر دخيل على هويته.
إن العروبة والإسلام في الوجدان التاريخي للأردنيين ليسا بالضرورة هويتين متعارضتين، كما أن الانتماء الإسلامي لا يلغي الانتماء الوطني ولا يقتضي إقصاء المواطنين المسيحيين أو غيرهم.
والأردنيون لم يكونوا بحاجة إلى استيراد التدين حتى يصبح الإسلام جزءاً من ثقافتهم؛ فهو حاضر في تاريخهم وذاكرتهم ومؤسساتهم وعاداتهم ولغتهم وقيمهم.
أما تصوير حضور الدين في التعليم والثقافة باعتباره محاولة لتغيير الهوية الوطنية، فهو طرح يتضمن حكماً أيديولوجياً مسبقاً على مكوّن أصيل من مكونات المجتمع.
ومن حق أصحاب البيان أن ينتقدوا مناهج بعينها أو مضامين محددة، لكن عليهم أن يحددوا النصوص والمقررات والأفكار التي يعترضون عليها، وأن يثبتوا علاقتها بالتطرف، بدلاً من إطلاق أحكام عامة على حضور الدين في المجال العام.
خامساً: اتهام الإخوان المسلمين بأنهم حُشروا في وزارة التربية والتعليم
يقدم البيان اتهاماً سياسياً خطيراً حين يتحدث عن «حشو وزارة التربية والتعليم بعناصر من الإخوان المسلمين».
لكن أين الوثائق؟ وما المقصود تحديداً بهذا الحشو؟ وهل جرى تعيين هؤلاء على أساس الانتماء التنظيمي، أم وفق مؤهلاتهم المهنية والتربوية؟ وهل توجد دراسة تثبت أن انتماء موظفين أو تربويين إلى تيار سياسي معين أدى إلى إنتاج المناهج التكفيرية التي يتحدث عنها البيان؟
إن الانتماء الفكري أو السياسي لا يسقط حق المواطن في العمل العام، ما لم يثبت ارتكابه مخالفة قانونية أو استغلاله موقعه الوظيفي للإضرار بالمصلحة العامة.
ومن الغريب أن يصدر هذا الاتهام عن بيان يدافع عن التعددية، ثم يتعامل مع وجود أصحاب توجه إسلامي في مؤسسات الدولة بوصفه مشكلة في حد ذاته.
هل التعددية تعني حضور التيارات التي يتبناها أصحاب البيان فقط؟ وهل يصبح الموظف مؤهلاً للاتهام لمجرد أنه ينتمي فكرياً إلى جماعة أو تيار لا يروق لهم؟
إن هذا المنطق، إذا طُبق على الجميع، لن يترك في المؤسسات العامة إلا أصحاب الرؤية الأيديولوجية الواحدة.
وهذا هو الإقصاء بعينه، مهما كانت اللغة التي يُغلّف بها.
سادساً: اختزال تاريخ العنف في الأردن في الفكر الإسلامي
يسرد البيان أسماء ضحايا وجرائم مؤلمة، من الشهيد معاذ الكساسبة إلى الشهيد ناهض حتر، وشهداء السلط والكرك، وصولاً إلى حادثة قرية حمود.
ونحن لا نختلف على إدانة هذه الجرائم، ولا على حق الضحايا وأسرهم في العدالة والإنصاف.
لكن ما يفعله البيان هو إدراج هذه الوقائع المختلفة في سلسلة سببية واحدة، ثم إرجاعها إلى منظومة فكرية محددة، من دون تقديم تحليل يثبت وحدة الدوافع والسياقات والمسارات التنظيمية والفكرية.
وهذا خلل منهجي واضح.
فهل ثبت أن جميع هذه الجرائم صدرت عن الدافع الفكري ذاته؟ وهل كان السياق السياسي والاجتماعي والتنظيمي واحداً؟ وهل يجوز علمياً أن نضع كل صور العنف في الأردن والمنطقة تحت عنوان واحد لمجرد أن أصحابها قد ينتسبون إلى خلفيات دينية أو أيديولوجية مختلفة؟
إن استحضار الضحايا لا يعفي من واجب الدقة، ولا يجوز تحويل دمائهم إلى أداة لإثبات فرضية لم تُختبر.
وإذا كان المطلوب مواجهة الإرهاب، فلتكن المواجهة مبنية على الأدلة، لا على بناء سردية شاملة تجعل تياراً فكرياً واسعاً مسؤولاً عن جرائم متباينة.
سابعاً: مفهوم «تفكيك حواضن التكفير» ومشكلة المصادرة على حرية الاعتقاد والتعبير
يأتي المحور الأول ليطالب برصد ومواجهة منابر الفكر الإقصائي في الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والأحزاب ومنصات التواصل والشوارع.
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر في البيان كله:
من الذي يحدد ما هو الفكر الإقصائي؟ ومن الذي يملك صلاحية تصنيف المنابر والمراجع والدعاة والتيارات؟ وما الضمانات التي تمنع تحول هذه الصلاحية إلى أداة لملاحقة المخالفين فكرياً؟
إن التكفير والتحريض على القتل والعنف أفعال ينبغي مواجهتها بالقانون، لكن الاختلاف في العقيدة أو الفقه أو التفسير أو الموقف السياسي ليس جريمة.
ولا يجوز أن تتحول مكافحة التطرف إلى تفويض مفتوح لمراقبة الأفكار ومصادرة الكتب وإقصاء المنابر التي لا تتوافق مع التصور الثقافي لأصحاب البيان.
والأكثر تناقضاً أن البيان يطالب باستبدال الخطاب الإقصائي بخطاب وطني ديمقراطي، لكنه لا يقدم ضمانات لحماية حق التيارات الإسلامية في المشاركة والتعبير، ولا يوضح حدود تدخل الدولة في المجال الديني والفكري.
فهل يريد أصحاب البيان دولة تحمي حرية الجميع، أم دولة تتولى تحديد الأفكار المقبولة وغير المقبولة وفق تصورهم الخاص؟
إن التعددية الحقيقية لا تعني استبدال وصاية فكرية بوصاية أخرى.
ثامناً: التمكين الثقافي والفني ليس بديلاً عن معالجة أسباب التطرف
لا خلاف على أهمية المراكز الثقافية والفنية والرياضية، ولا على ضرورة توفير فضاءات آمنة ومبدعة للشباب.
لكن تقديم هذه الأنشطة باعتبارها جزءاً من الحل الجذري للإرهاب دون تحديد الآليات التي تربط بينها وبين الوقاية من العنف، يظل طرحاً عاماً.
فليس كل متدين متطرفاً، وليس كل من يمارس الفن أو الموسيقى أو الفلسفة محصناً من التطرف.
التطرف ظاهرة متعددة العوامل، تتصل بالاستقطاب السياسي، والتهميش، والتجارب الشخصية، والشبكات التنظيمية، والتأويلات الأيديولوجية، وضعف الثقة بالمؤسسات، وغيرها.
ولذلك فإن بناء المراكز الثقافية مهم، لكنه لا يعوض العدالة الاجتماعية، ولا إصلاح المؤسسات، ولا حماية الحريات، ولا معالجة الاختلالات السياسية.
ولا ينبغي أن تتحول الثقافة والفنون إلى أدوات لإعادة هندسة وعي المجتمع وفق نموذج ثقافي واحد.
تاسعاً: إعادة هيكلة المنظومة التربوية وترسيخ القيم المستمدة من الدينين الإسلامي والمسيحي
هذا المحور يبدو في ظاهره إيجابياً، لكنه يثير سؤالاً حول طبيعة العلاقة التي يريد البيان إقامتها بين الدين والتعليم.
فإذا كانت القيم الإنسانية الرفيعة مستمدة من جوهر الدينين الإسلامي والمسيحي، فلماذا يُقدَّم الحضور الديني في المناهج سابقاً بوصفه تهديداً للهوية الوطنية؟
هل المشكلة في الدين ذاته، أم في توظيفه وتأويله؟
إننا نؤيد مراجعة المناهج، وتنقيتها من أي تحريض أو تمييز أو تكفير أو انتقاص من كرامة الإنسان، لكن ذلك يجب أن يتم وفق معايير علمية وتربوية واضحة، لا وفق خصومة أيديولوجية مع مرجعيات دينية بعينها.
والأردن لا يحتاج إلى الاختيار بين هويته العربية والإسلامية وبين احترام مواطنيه المسيحيين؛ فهذه معادلة زائفة.
لقد عاش المسلمون والمسيحيون في هذا البلد في إطار تاريخي واجتماعي مشترك، وكان الانتماء الوطني رابطاً جامعاً، ولم تكن حماية التعددية تتطلب إلغاء هوية الأكثرية أو مصادرة حقها في التعبير عن معتقداتها.
عاشراً: تدريس الفلسفة والمنطق والأخلاق والموسيقى بوصفها مشروعاً للتنوير
لا أحد يعترض على تعليم الفلسفة والمنطق والأخلاق والفنون، بل إننا نرى ضرورة تطوير التفكير النقدي ومناهج البحث العلمي في المدارس والجامعات.
لكن السؤال: لماذا يضع البيان هذه المواد في مواجهة التعليم الديني، وكأن التفكير الفلسفي لا يمكن أن يتعايش مع المرجعية الدينية؟
هل يعتقد أصحاب البيان أن تدريس الموسيقى والفنون سيعالج تلقائياً النزعات التكفيرية؟ وهل المشكلة في غياب حصص الفنون، أم في وجود اختلالات أعمق في بنية المجتمع والسياسة والتعليم؟
إن الفلسفة الحقيقية تبدأ بالسؤال والنقد ومراجعة المسلمات، ومن أولى مقتضياتها أن يخضع خطاب التنوير نفسه للنقد.
فليس كل من رفع شعار التنوير مستنيراً، وليس كل من رفع شعار العقل متحرراً من الأيديولوجيا.
والتنوير الذي لا يقبل نقد مقدماته، ولا يحترم حق الآخرين في الاختلاف، يتحول إلى عقيدة مغلقة لا تختلف في بنيتها عن أي فكر إقصائي آخر.
حادي عشر: مكافحة خطاب الكراهية ومفارقة البيان
يطالب البيان بتحريم خطاب الكراهية والتحريض أينما وجد.
وهذا مطلب مشروع من حيث المبدأ.
لكن ألا ينبغي أن يبدأ أصحاب البيان بأنفسهم؟
أليس من خطاب الإقصاء أن تُجمع أسماء علماء ومفكرين ومرجعيات إسلامية متباينة في سياق واحد مع التكفيريين، من دون تمييز أو تفصيل أو إثبات؟
أليس من خطاب الوصم أن يُصوَّر حضور الإسلام في المناهج والمؤسسات باعتباره سبباً في تهديد الهوية الأردنية؟
أليس من الإقصاء أن يُعامل أصحاب توجه فكري معين بوصفهم مشكلة ينبغي تفكيك حواضنها، لا مواطنين لهم حقوقهم الدستورية في التعبير والمشاركة؟
إن مكافحة الكراهية لا تعني حماية اتجاه فكري من النقد، لكنها تعني أيضاً ألا نمارس التعميم والوصم والتحريض المعنوي على جماعات واسعة بسبب مرجعياتها الفكرية.
ولا يجوز أن يكون خطاب الكراهية ممنوعاً عندما يصدر عن طرف، ومقبولاً عندما يصدر عن طرف يصف نفسه بالتنوير.
ثاني عشر: حماية الحريات الشخصية وحرية التعبير
يختتم البيان بمطلب حماية الفكر الحر والمستنير والحريات الشخصية.
وهنا ينبغي السؤال: هل الحريات في نظر أصحاب البيان حق أصيل لجميع المواطنين، أم أنها امتياز لمن يتبنى رؤيتهم الفكرية؟
هل تشمل حرية التعبير حق المسلم في الدفاع عن مرجعياته الدينية، وحق الداعية في تقديم تصوره للإسلام، وحق الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في العمل السياسي السلمي، وحق المواطن في التعبير عن تحفظاته الأخلاقية والدينية؟
أم أن الحرية لا تكون حرية إلا عندما تنسجم مع التصور الذي يقدمه البيان؟
إن الحريات الشخصية لا تُحمى بفرض نموذج ثقافي واحد على المجتمع، كما أن حرية التعبير لا تُحمى بإقصاء الأصوات التي تختلف مع الخطاب التنويري المعلن.
فالحرية لا تتجزأ، ولا يجوز أن تكون انتقائية.
ثالث عشر: التناقض بين الحديث عن الخطر الصهيوني وإغفال بنية الهيمنة الخارجية
يشير البيان في نهايته إلى المشاريع التوسعية الصهيونية وتهديدها للأردن والمنطقة.
وهذا موقف وطني صحيح في أصله، لكن إدراجه في البيان يفتح سؤالاً مهماً:
كيف يمكن بناء مشروع وطني لمواجهة التهديدات الخارجية بينما يُقدَّم جزء أصيل من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع الأردني بوصفه مصدراً للتهديد الداخلي؟
إن مواجهة المشروع الصهيوني لا تحتاج إلى مجتمع منزوع المرجعية الدينية، بل إلى مجتمع متماسك، واثق بهويته، يمتلك مؤسسات قوية، ويستند إلى العدالة والمشاركة والكرامة الوطنية.
والأخطر أن تفكيك الروابط الثقافية والدينية بين مكونات المجتمع لا ينتج تعددية، بل قد ينتج فراغاً هوياتياً يزيد قابلية المجتمع للاستقطاب.
إن الوحدة الوطنية لا تُبنى بإقصاء المكوّن الإسلامي، ولا بإلغاء المكوّن المسيحي، ولا بتهميش أي اتجاه فكري أو سياسي سلمي، وإنما بالاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات في إطار الدولة والقانون.
رابع عشر: ما الذي غاب عن البيان؟
وهنا ربما تكمن أهم نقطة في نقده.
لقد توسع البيان في الحديث عن الكتب والدعاة والمناهج والمنابر الدينية، لكنه لم يمنح المسائل السياسية والمؤسسية والاجتماعية ما تستحقه من تحليل.
أين الحديث عن العدالة وسيادة القانون؟
أين الحديث عن استقلال المؤسسات القضائية؟
أين الحديث عن ضمانات المحاكمة العادلة؟
أين الحديث عن الفقر والبطالة والتهميش والاختلالات الاجتماعية؟
أين الحديث عن المشاركة السياسية الحقيقية، وعن دور المؤسسات الوسيطة في احتواء الأزمات؟
أين الحديث عن أثر الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف قنوات التعبير السلمي؟
وأين الدراسة التي تثبت أن المناهج الدينية أو المراجع التي أوردها البيان كانت سبباً مباشراً في الجريمة؟
إن معالجة الإرهاب لا تكون بإنتاج شماعة فكرية جاهزة، بل بفهم الآليات التي تحول الأفكار إلى تعبئة، والتعبئة إلى تنظيم، والتنظيم إلى عنف.
وهذا يتطلب دراسة علمية تميز بين المرجعية الدينية، والتأويل المتطرف، والتكفير، والتحريض، والتجنيد، والتنفيذ الإجرامي.
أما القفز من اسم كتاب إلى جريمة قتل، فليس تحليلاً سياسياً ولا بحثاً اجتماعياً.
خامس عشر: من يملك تعريف التنوير؟
إن أكثر ما يستوقفني في هذا البيان هو أن أصحابه يتحدثون عن التعددية، لكنهم يقدمون تصوراً يكاد يجعل التعددية مرادفاً لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتهم الخاصة.
يتحدثون عن حرية الفكر، لكنهم يطالبون بمواجهة منابر فكرية واسعة دون تحديد ضوابط موضوعية واضحة.
يتحدثون عن مكافحة الكراهية، لكنهم يستخدمون التعميم والوصم تجاه مرجعيات دينية وفكرية.
يتحدثون عن احترام الاختلاف، لكنهم لا يظهرون القدر نفسه من الاحترام لحق المجتمع المتدين في المحافظة على هويته وقيمه.
وهنا يجب أن نضع قاعدة واضحة:
ليس كل نقد للدين تنويراً، وليس كل اعتراض على المرجعية الإسلامية دفاعاً عن التعددية، وليس كل من يرفع شعار العقل متحرراً من الأيديولوجيا، كما أن ليس كل متدين معتدلاً بالضرورة، ولا كل علماني متطرفاً.
المعيار هو احترام الإنسان وحقوقه، والالتزام بالحجة، ورفض العنف والإكراه، وقبول التعددية الحقيقية.
إن المجتمع الأردني ليس مختبراً لإعادة هندسته ثقافياً وفق تصورات نخبة من المثقفين، ولا ملكية فكرية لتيار سياسي أو ثقافي بعينه.
وللأردنيين حق في هويتهم العربية والإسلامية، وحق في المحافظة على قيمهم الدينية والاجتماعية، وحق في الاختلاف والاجتهاد والنقد، كما أن للمواطنين المسيحيين وسائر مكونات المجتمع حقهم الكامل في المساواة والكرامة والمواطنة.
ولا يتعارض أي من ذلك مع الدولة المدنية وسيادة القانون.
الخلاصة: التنوير الذي يمارس الإقصاء ليس تنويراً
إن مواجهة الإرهاب واجب وطني وأخلاقي، لكنها لا تمنح أحداً حق احتكار تعريف الاعتدال، أو تصنيف المجتمع إلى مستنيرين وظلاميين، أو تحويل الاختلاف الفكري إلى شبهة تستوجب الرصد والمواجهة.
والأردن لا يحتاج إلى استبدال تطرف بتطرف، ولا إلى مواجهة الغلو الديني بغلو أيديولوجي مضاد، ولا إلى إحلال وصاية ثقافية محل وصاية أخرى.
إنه يحتاج إلى دولة قانون، ومؤسسات عادلة، وتعليم رصين، وحرية مسؤولة، ومشاركة سياسية حقيقية، ومجتمع يحترم عقيدته وتنوعه وكرامة أبنائه.
والأردن الذي نريده ليس وطناً يُقصى فيه المتدين باسم التنوير، ولا يُقصى فيه المختلف باسم الدين، وإنما وطن لا يُسمح فيه لأحد أن يعتدي على حق الآخر أو كرامته أو حياته.
أما أن تُستثمر جريمة بشعة لتوجيه الاتهام إلى تراث إسلامي واسع، وتصوير التدين بوصفه تهديداً للهوية الوطنية، ثم يُقدَّم ذلك باعتباره مشروعاً للتعددية، فهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها.
إن التنوير الحقيقي لا يبدأ بتفكيك هوية المجتمع، بل بتحرير العقل من التعصب، أياً كان مصدره. ولا يحارب الإقصاء بإقصاء مضاد، ولا يحمي التعددية بمصادرة حق المختلف في أن يكون مختلفاً.
فمن أراد محاربة التطرف فليحاربه بالحجة والعدالة والقانون، وليقدم أدلته لا انطباعاته، وليفرق بين الدين والتوظيف السياسي للدين، وبين المرجعية الفكرية والجريمة، وبين التدين والتكفير.
أما تحويل الخلاف مع الإسلاميين أو مع التراث الإسلامي إلى مشروع لإعادة هندسة المجتمع الأردني، فليس دفاعاً عن الوطن التعددي، بل محاولة لاحتكار تعريف هذا الوطن وهويته ومستقبله.
الأردن أكبر من أن تختزله أيديولوجيا، وأعرق من أن يُعاد تعريف هويته ببيان، وأوعى من أن يخلط بين التنوير والإقصاء، أو بين نقد التطرف ومحاربة التدين.
احتفظوا بالغذاء والمياه والأدوية .. ماذا تعرف الحكومات ولا يعرفه المواطنون
افتتاح فعاليات شهر البيئة والمناخ في البلقاء
طارق خليل .. أول أردني وعربي يشارك بإدارة منافسات بطولة العالم لبناء الأجسام
حين يتخفّى الإقصاء خلف شعار التنوير
الحسين إربد يخسر أمام الشرطة العراقي بثلاثية
صعود الدولار مع ترقب مستجدات المنطقة والانتخابات الأميركية
إربد .. دورة تدريبية حول الأخطاء الشائعة في الكتابة الصحفية
تعيين الدعجة والعزام محافظين في وزارة الداخلية
إعادة انتخاب الأردني الحمود قاضيًا بمحكمة العدل
قفزة في أعداد ركاب النقل بين المحافظات
اتهامات بـ"القتل غير العمد" تحيط بحارس أندورا بعد مأساة تينيريفي
أمريكا: معارك حاسمة في 49 ولاية لتحديد السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ
فيديو .. الشفق القطبي يضيء روسيا بأقصى درجات شدته
مطاردة استمرت 9 أشهر .. طائر "إيمو" ضخم يلاحق أسترالياً من أمام منزله
تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن
مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟
إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً
طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان
إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون
ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة
التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة
أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء
وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر