"المياه، المياه، المياه" .. ماذا تعني رسالة الملك لمستقبل الأمن المائي في الأردن؟
02-11-2026 08:15 PM
لم تعد قضية المياه في الأردن مجرد تحدٍ خدمي يرتبط بوصول المياه إلى المنازل أو انتظام برامج التوزيع، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بمستقبل الدولة وقدرتها على مواصلة التنمية وحماية مواردها وضمان احتياجات الأجيال المقبلة. وفي بلد يُصنف بين الأكثر فقرا بالمياه عالميا، فإن تأمين مصادر مائية مستدامة لم يعد خيارا يمكن تأجيله، بل ضرورة تفرضها الظروف السكانية والاقتصادية والمناخية.
وفي خطاب العرش الذي افتتح به جلالة الملك عبدالله الثاني الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، الاثنين، جاءت عبارة «المياه، المياه، المياه!» لتختصر حجم الاهتمام بهذا الملف، وتضعه في مقدمة الأولويات الوطنية، خصوصا مع تشديد جلالته على ضرورة مواصلة مشاريع الأمن المائي، ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها، مؤكدا أنه لا مجال للمساومة أو المهادنة في هذا الجانب.
هذه الرسالة تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز أهمية التوجيهات ذاتها: هل يمتلك الأردن القدرة على الانتقال من إدارة أزمة شح المياه إلى بناء منظومة مائية قادرة على تلبية احتياجاته بصورة أكثر استقرارا واستدامة؟
وتكمن خطورة التحدي في أن الموارد المائية المتاحة لا تتناسب مع حجم الطلب المتزايد، إذ تشير تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة في الأردن تدور حول 61 إلى 62 مترا مكعبا سنويا، وهي كمية تقل كثيرا عن خط الفقر المائي المطلق المحدد عالميا عند 500 متر مكعب للفرد سنويا. كما يواجه الأردن ضغوطا إضافية بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني والتغير المناخي وتذبذب الهطول المطري، الأمر الذي يجعل التخطيط للمياه جزءا أساسيا من التخطيط الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
ولا يتوقف تأثير هذا التحدي عند المنازل، فالمياه ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والقطاع الزراعي، كما تدخل في احتياجات الصناعة والاستثمار والخدمات، وأي نقص في الإمدادات أو ارتفاع في كلفة توفيرها ينعكس على قدرة هذه القطاعات على الاستمرار والتوسع. ومن هنا، فإن الأمن المائي لا يمكن التعامل معه باعتباره مسؤولية وزارة واحدة، بل ملفا وطنيا تتقاطع فيه السياسات الاقتصادية والزراعية والبيئية والطاقة والتخطيط.
الناقل الوطني.. مشروع استراتيجي واختبار للتنفيذ
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ قطاع المياه الأردني، إذ يستهدف تحلية نحو 300 مليون متر مكعب من مياه البحر سنويا في العقبة، ونقلها عبر خطوط أنابيب تمتد لنحو 450 كيلومترا باتجاه العاصمة ومناطق أخرى، بما يوفر قرابة 40 بالمئة من احتياجات المملكة لمياه الشرب عند تشغيله.
ويعتمد المشروع على محطة لتحلية مياه البحر، ومنظومة ضخ ونقل تمتد إلى ارتفاعات تصل إلى نحو 1100 متر فوق سطح البحر، إلى جانب مكونات للطاقة المتجددة، في محاولة للحد من كلفة الطاقة المرتبطة بعمليات التحلية والضخ. ووفقا للمعلومات الرسمية المنشورة، يستهدف المشروع بدء ضخ المياه عام 2030، كما يتوقع أن يسهم في رفع حصة الفرد السنوية من المياه من نحو 60 إلى 110 أمتار مكعبة، وتحسين عدد أيام التزويد المائي.
ويمثل توقيع الاتفاقية الفنية والقانونية النهائية للمشروع في نيسان 2026 محطة مهمة في مسار الانتقال نحو التنفيذ، بعد مفاوضات استمرت نحو 16 شهرا، فيما أعلنت الجهات المعنية أن المشروع يتطلب استكمال الإغلاق المالي والإجراءات التنفيذية تمهيدا لبدء أعمال الإنشاء وفق الجدول المعلن.
لكن أهمية المشروع لا تعني أن نجاحه يقاس بمجرد إنشائه أو تشغيله، بل بقدرته الفعلية على تحسين التزويد المائي في مختلف المحافظات، وضمان استمرارية الإمدادات، وإدارة كلف الإنتاج والنقل والطاقة بصورة لا تشكل عبئا غير مدروس على قطاع المياه والمواطنين.
فالمشاريع الكبرى تفتح آفاقا جديدة، لكنها تحتاج إلى إدارة مالية وفنية طويلة الأمد، وخطط واضحة للتشغيل والصيانة، وآليات تضمن توزيع المياه بعدالة، حتى لا تتحول زيادة الإنتاج إلى أرقام لا يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
الفاقد المائي.. مياه متاحة لا تصل إلى مستحقيها
وفي موازاة مشروع الناقل الوطني، يبرز ملف الفاقد المائي باعتباره أحد أبرز التحديات التي تحتاج إلى معالجة متواصلة، إذ إن توفير مصادر جديدة لا يكفي وحده إذا استمرت خسارة كميات كبيرة من المياه خلال مراحل النقل والتوزيع.
وأظهرت بيانات أعلنتها وزارة المياه والري في آب 2026، أن نسبة الفاقد المائي في المملكة انخفضت إلى 41 بالمئة، بعد تراجع تراكمي بلغ 10.7 نقطة مئوية مقارنة بمستويات عام 2022، في تقدم نحو الهدف الوطني المتمثل بخفض الفاقد إلى 25 بالمئة بحلول عام 2040.
ورغم أهمية هذا التراجع، فإن بقاء النسبة عند هذا المستوى يعني أن معالجة الفاقد يجب أن تظل أولوية أساسية، خصوصا أن المياه غير المدرة للإيرادات لا تقتصر على التسرب من الأنابيب، بل تشمل أيضا الاستهلاك غير المشروع وأخطاء القياس والفوترة.
وتتطلب مواجهة هذه المشكلة تحديث شبكات التوزيع، وتوسيع استخدام العدادات الذكية، وتعزيز الرقابة على الاعتداءات على خطوط المياه والمصادر، إلى جانب تحسين كفاءة شركات المياه وقدرتها على اكتشاف التسربات ومعالجتها بسرعة.
كما أن حماية المياه الجوفية من الاستنزاف والحفر غير المرخص تمثل جزءا لا يقل أهمية عن حماية شبكات التوزيع، فالموارد الجوفية ليست مخزونا مفتوحا يمكن الاعتماد عليه دون ضوابط، بل ثروة وطنية تحتاج إلى إدارة دقيقة تضمن عدم استنزافها على حساب المستقبل.
وتشير الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040 إلى أهمية ضبط السحب من المياه الجوفية، ومعالجة الآبار غير المرخصة، والتوسع في استخدام المياه المعالجة لأغراض الري، بما يقلل الضغط على مصادر المياه العذبة.
مسؤولية الحكومة.. كيف تقاس النتائج؟
إن تأكيد الملك على وضع خطط استباقية لحماية الموارد المائية يضع الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز الإعلان عن المشاريع والخطط، لتشمل تحديد نتائج قابلة للقياس، ومتابعة تنفيذها، وإطلاع المواطنين على ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
فالمطلوب ليس فقط زيادة كميات المياه المنتجة، وإنما تحسين كفاءة استخدامها، وتقليل الفاقد، وضمان عدالة التوزيع بين المحافظات، وتطوير شبكات التزويد، وتعزيز قدرة المؤسسات المعنية على الاستجابة للأعطال والاختلالات.
كما أن التحدي المائي يحتاج إلى مراجعة مستمرة للسياسات الزراعية، باعتبار الزراعة من القطاعات التي تعتمد بصورة كبيرة على الموارد المائية، وهو ما يستدعي التوسع في أساليب الري الحديثة، والاستفادة من المياه المعالجة، وتشجيع المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المناخية والمائية في المملكة.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية ترشيد الاستهلاك، في الوقت الذي تتحمل فيه المؤسسات مسؤولية توفير البنية التحتية الكفيلة بالحد من الهدر وضمان كفاءة التوزيع. فثقافة المحافظة على المياه تبدأ من المنزل، لكنها لا تنجح دون إدارة مؤسسية فعالة وشبكات قادرة على إيصال كل كمية ممكنة إلى مستحقيها.
التغير المناخي ومستقبل الموارد المائية
ولا يمكن فصل مستقبل المياه في الأردن عن التغير المناخي، الذي يفرض تحديات متزايدة على المنطقة، من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتراجع انتظام الهطول المطري وزيادة فترات الجفاف، وهي عوامل تؤثر على تجدد الموارد المائية وتزيد الضغط على مصادرها.
وفي ظل هذه الظروف، تصبح الحاجة ملحة إلى تنويع مصادر المياه، وعدم الاعتماد على مصدر واحد، من خلال التوسع في التحلية، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحماية الأحواض الجوفية، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر والتخطيط لمواجهة فترات الجفاف.
كما أن الاستثمار في قطاع المياه يجب أن يرتبط بسياسات الطاقة، خاصة أن تحلية مياه البحر ونقلها لمسافات طويلة يتطلبان كميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل كفاءة التشغيل والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة عاملين مهمين في استدامة هذه المشاريع وتقليل كلفها على المدى الطويل.
وفي المحصلة، فإن الرسالة التي حملها خطاب العرش بشأن المياه تضع هذا الملف أمام استحقاق وطني يتطلب عملا متكاملا، يبدأ بحماية المصادر المتاحة، ويمر بتقليل الفاقد وتطوير البنية التحتية، وصولا إلى تنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعزز قدرة المملكة على مواجهة تحديات المستقبل.
فالأمن المائي لا يتحقق بمشروع واحد، مهما بلغت أهميته، ولا بمجرد وضع الخطط والاستراتيجيات، بل يحتاج إلى استمرارية في التنفيذ، وإدارة كفؤة للموارد، وشفافية في إعلان النتائج، ومشاركة حقيقية من مختلف القطاعات والمواطنين.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الجهود في نقل الأردن من مرحلة إدارة شح المياه والتعامل مع تداعياته، إلى مرحلة امتلاك منظومة مائية أكثر أمنا واستدامة، تضمن حق المواطن في المياه وتحمي احتياجات الأجيال القادمة؟
ففي بلد محدود الموارد المائية مثل الأردن، لا يتعلق الأمر بكمية المياه المتاحة اليوم فقط، بل بقدرة الدولة على ضمان وجودها غدا.
قائمة المنتخب الوطني ت17 للتصفيات الآسيوية .. أسماء
الصقور يتهم الحكومة بالتدخل في انتخابات رئاسة مجلس النواب
حسَّان يهنئ الطراونة بانتخابه رئيسا لمجلس النواب
من المياه إلى الوظيفة العامة .. رسائل ملكية تفتح ملفات مهمة
الذهب يحلق في التسعيرة الثانية محليا
الملكة بالمدرقة الكركية خلال خطاب العرش .. صورة
"المياه، المياه، المياه" .. ماذا تعني رسالة الملك لمستقبل الأمن المائي في الأردن؟
إجلاء الدفعة الـ36 من أطفال غزة المرضى للعلاج في الأردن
لماذا يرى الملك أن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من حقوق الفلسطينيين؟
الملك يحذر من الفكر المتطرف .. كيف تحمي الوحدة الوطنية الأردن من الإرهاب؟
هبوط حاد في أسعار النفط العالمية
أحزاب: خطاب العرش يؤكد ثبات الموقف الأردني
ترقب عسكري ودبلوماسي في الشرق الأوسط وسط تحركات ميدانية وضغوط دولية
تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن
مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء
زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً
طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون
ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة
