"إسرائيل" بين مأزق الائتلاف وعزلة الاحتلال .. هل يغيّر الصوت العربي المعادلة؟

"إسرائيل" بين مأزق الائتلاف وعزلة الاحتلال ..  هل يغيّر الصوت العربي المعادلة؟

04-11-2026 03:05 PM

لم تنتهِ المعركة الانتخابية في "إسرائيل" بإعلان النتائج، بل انتقلت إلى صراع أكثر تعقيداً حول تشكيل الحكومة المقبلة، وشرعية التمثيل العربي، وحدود استعداد المعارضة للتحالف مع الأحزاب العربية لإطاحة بنيامين نتنياهو. فقد أفرزت الانتخابات معادلة برلمانية غير محسومة: 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، و48 للمعارضة بقيادة جادي آيزنكوت، مقابل 19 مقعداً للأحزاب العربية، في أعلى تمثيل لها في تاريخ الكنيست.
لكن هذا الحضور تحوّل إلى هدف لهجوم نتنياهو واليمين، الذين وصفوه بأنه "سرقة للانتخابات" وتهديد للطابع اليهودي للدولة. وهنا تتجلى المفارقة الأعمق، في أن الدولة التي قامت على احتلال أرض الفلسطينيين وتهجير معظم شعبهم، وتواصل إخضاع من بقي منهم لسياسات التمييز والإقصاء، ترفض أن يكون لأصحاب الأرض حضور سياسي مؤثر داخل مؤسساتها. فهي تقبل مشاركة الفلسطينيين في انتخاباتها بوصفهم مواطنين خاضعين لسلطتها، لكنها تضيق بهذه المشاركة حين تتحول أصواتهم إلى قوة قادرة على التأثير في هوية الحكم وتشكيله. وبذلك يصبح الخلاف أبعد من صراع انتخابي؛ إنه يكشف تناقضاً بنيوياً بين واقع الاحتلال وادعاء الديمقراطية، وبين حق الفلسطيني في المشاركة السياسية ورفض المحتل الاعتراف به شريكاً في تقرير مصير السلطة التي تحكمه.
وفي المقابل، تصطدم هذه الرؤية الإقصائية بالموقف العربي الذي ينطلق من أن الفلسطينيين أصحاب الأرض، وأن وجودهم السياسي ليس منحة من الدولة، بل حق أصيل لشعب سُلبت أرضه وقُوّضت حقوقه.. ومن هذا المنطلق أدانوا حرب الإبادة على غزة والانتهاكات الصارخة في الضفة الغربية.
مع أن منصور عباس الذي يتزعم "القائمة العربية الموحدة" (راعم) أبدى استعداده لقبول الشروط الأربعة التي طرحها جادي آيزنكوت للمشاركة في الحكومة، وفي مقدمتها الاعتراف بـ"إسرائيل" دولة يهودية وديمقراطية، والالتزام بمبادئ إعلان استقلالها، وقبول الخدمة الإلزامية العسكرية أو المدنية، والاعتراف بحماس منظمة إرهابية والعمل على تفكيكها.. وهذا يعد خروجاً نسبياً عن السياق الوطني الفلسطيني داخل الكنيست.
ويعكس موقف منصور عباس استعداداً لمساندة أولويات السياسة الإسرائيلية بشروطها، بخلاف نواب عرب، أبرزهم أيمن عودة وأحمد الطيبي، كانوا قد اتهموا "إسرائيل" صراحة بارتكاب الإبادة الجماعية في غزة. كما تبنّى النائب اليهودي عوفر كسيف الاتهام ووقّع عريضة مؤيدة لدعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. وهكذا يتجاوز الخلاف حسابات المقاعد إلى صراع حول الحقوق والهوية والشرعية السياسية.
وتكشف هذه النتائج مفارقة المشهد الإسرائيلي: فالصوت العربي الذي طالما سعت قوى اليمين إلى تحجيم تأثيره، أصبح رقماً حاسماً في حسابات تشكيل الحكومة، ما دفع الليكود إلى التشكيك في النتائج، وفرض على المعارضة مواجهة تناقضاتها بشأن قبول الشراكة السياسية مع المواطنين العرب.
رغم تراجع الليكود، يكشف استمرار قوة اليمين محدودية الاعتراض الشعبي الإسرائيلي على حرب غزة وسياسات الاحتلال. فالمعضلة أعمق من نتنياهو وحكومته؛ إنها تتصل ببنية فكرية وسياسية ترسّخت في مجتمع الاحتلال، وتغذيها مناهج تعليمية وخطابات سياسية تشرعن إقصاء الفلسطينيين والعنف ضدهم، كما عكسته تصريحات النائبة عن حزب الليكود تالي غوتليب، التي اعتبرت أن الفلسطينيين في غزة، بمن فيهم الأطفال، يستحقون الموت. وعليه، فإن رحيل نتنياهو لا يعني تفكيك منظومة الاستيطان والعدوان، ما لم يترافق مع مراجعة جذرية للعقلية الإسرائيلية، وإعادة بناء الوعي على حقيقة أن الفلسطينيين ليسوا غرباء أو طارئين على هذه الأرض، بل أصحاب البلاد الأصليين، وأن الاحتلال هو الواقع المفروض عليهم، لا العكس.
وتكشف أزمة المعارضة مفارقة المشاركة العربية؛ فهي تحتاج أصوات الأحزاب العربية لإسقاط نتنياهو، بينما يرفض ليبرمان التعاون معها، خلافاً ليائير غولان المؤيد للشراكة مع منصور عباس. وهكذا تصبح الأصوات العربية حاسمة حسابياً، لكنها تصطدم بسقف الشروط والثوابت الإسرائيلية، دون ضمان تغيير السياسات.
فالمعارضة تملك 48 مقعداً، ترتفع إلى 67 بدعم الأحزاب العربية، مقابل 53 لمعسكر نتنياهو. لكن الخلافات حول الشراكة العربية وقيادة الحكومة تعرقل تشكيل بديل، وتبقي احتمالات استقطاب نواب أو إجراء انتخابات جديدة مفتوحة.
وتُرفع النتائج إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ في 4 نوفمبر، فيما يؤدي أعضاء الكنيست الجديد اليمين الدستورية في 10 نوفمبر، وسط تصاعد الانقسامات الداخلية، ولا سيما أزمة تجنيد الحريديم والمواجهات التي شهدتها بني براك بين المتدينين والشرطة.
وتتزامن هذه التطورات مع عزلة دولية متنامية تواجهها "إسرائيل" منذ طوفان الأقصى، امتدت تداعياتها إلى الداخل الأمريكي، حيث بات الارتباط بـ"أيباك"، أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، عبئاً سياسياً على بعض المرشحين، في ظل تصاعد الاعتراض على تمويل الاحتلال وتسليحه. وقد اضطرت المنظمة في 22 أكتوبر إلى إعلان وقف تأييد المرشحين وتقديم التبرعات المباشرة لحملاتهم، مع احتفاظها بنفوذها عبر أذرعها الانتخابية الأخرى.
وفي مؤشر لافت، أعلن ترامب في مقابلة مع "فوكس نيوز" في 3 نوفمبر عزمه وقف نحو أربعة مليارات دولار من المساعدات السنوية لإسرائيل مع نهاية 2026، كاشفاً عن ضغوط انتخابية يتعرض لها الجمهوريون بسبب هذا الدعم، الذي بات يُستخدم ضدهم في الحملات الانتخابية. وهكذا تحوّل دعم إسرائيل من ورقة نفوذ أمريكية إلى عبء سياسي يفرضه تبدّل المزاج الشعبي، وإن ظلت آليات وقف المساعدات وتفاصيله غير محسومة.
*غزة.. ما وراء صراع المقاعد والموقف من التهجير القسري
وبينما تنشغل "إسرائيل" بإعادة ترتيب السلطة وخلافة نتنياهو، تتواصل المأساة الفلسطينية؛ إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة، في 29 أكتوبر، وصول 6 شهداء و38 مصاباً إلى المستشفيات خلال 24 ساعة، رغم التهدئة. وفي موازاة القتل، تتداول تقارير خططاً للتهجير تحت مسمى «الهجرة الطوعية»، بذريعة لمّ الشمل والعمل والتعليم والحالات الإنسانية، تشمل إنشاء وزارة للهجرة الطوعية، ورصد ميزانيات وحوافز مالية للدول المستقبلة.
وتستند هذه الطروحات إلى تحركات سابقة، منها إنشاء مديرية إسرائيلية في مارس 2025 لتسهيل خروج الغزيين إلى دول ثالثة، واتصالات بشأن توطينهم في أفريقيا، فضلاً عن دراسة شركة «BCG» لنقل مئات الآلاف، ومشروع «GREAT Trust» المرتبط بأفكار إدارة ترامب لإعادة تشكيل غزة ديموغرافياً واقتصادياً.
وهنا تتضح المفارقة، إذْ لا تكمن المشكلة في هوية الحاكم الإسرائيلي، بل في منظومة الاحتلال ذاتها؛ فإسقاط نتنياهو قد يرمم صورة إسرائيل، لكنه لن يخدم الفلسطينيين ما لم ينهِ الاحتلال والاستيطان والتمييز والقتل والتهجير، ويعيد إليهم حقوقهم الوطنية. وإلا فلن يكون التغيير سوى تداول للسلطة داخل منظومة تنتج المأساة ذاتها بوجوه مختلفة.
وتتقاطع هذه المخططات مع تصريحات ترامب بشأن تحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وطرح نقل سكانها، ومع توجهات نتنياهو وسموتريتش الرافضة للدولة الفلسطينية والساعية إلى فرض الوقائع الاستيطانية.
وتكشف هذه المعطيات خطورة مشروع يتجاوز التهجير القسري المباشر إلى محاولة تسويقه تحت مسمى الاختيار الطوعي. غير أن رفض الفلسطينيين مغادرة أرضهم، وغياب قبول دولي جاد باستيعاب مخطط التهجير، يضعان عقبات أمام تنفيذه. فالقضية ليست إعادة إعمار غزة، بل من يملك أرضها وحق تقرير مصير أهلها.
*وقفة مصارحة.. أين القيادة الفلسطينية من استثمار التضحيات؟
الانقسام وتعطيل تجديد الشرعية وغياب المشروع الوطني الموحد، عوامل بددت فرصاً تاريخية. وتقدم تجربة جنوب أفريقيا درساً في أهمية القيادة الموحدة وبناء التحالفات، بما فيها القوى اليهودية المناهضة للعنصرية، وهو ما عجزت القيادة الفلسطينية عن استلهامه بفعل الحسابات الفصائلية وغياب الرؤية الاستراتيجية.
ومع تعثر مساري المقاومة والحل السلمي، وتحول السلطة الفلسطينية بفعل التنسيق الأمني إلى حارس للاحتلال ومستوطناته، تبرز ضرورة توسيع الخيارات والمناورة سياسياً بإحياء مشروع الدولة الديمقراطية ثنائية القومية، القائمة على المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات بين الفلسطينيين واليهود، بعيداً عن الامتيازات القومية والدينية. ويمنح الحضور الانتخابي الواسع للقوائم العربية هذا الطرح أهمية سياسية إضافية، بوصفه مدخلاً لإعادة التفكير في مستقبل الصراع، شرط ألا يكون بديلاً عن الحقوق الوطنية الثابتة، وفي مقدمتها حق العودة إلى الديار السليبة.
لكن جوهر الأزمة ليس نقص الخيارات أو التضحيات، بل غياب قيادة تحولها إلى استراتيجية تحرر موحدة ومكاسب سياسية. واستمرار هذا العجز يجعل القيادة الفلسطينية شريكة في مسؤولية إهدار الفرص التاريخية، إلى جانب الاحتلال.
وخلاصة القول أن الانتخابات كشفت مأزقين متلازمين، في أن معسكر نتنياهو فقد أغلبيته، والمعارضة تواجه اختباراً في مدى استعدادها للاعتراف بالصوت العربي شريكاً سياسياً لا مجرد رصيد انتخابي مؤقت. وبينما تتصارع القوى الإسرائيلية على إعادة توزيع السلطة، يبقى الرهان الفلسطيني أبعد من تبديل الوجوه في الكنيست، تحو إنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. فالتغيير في القيادة الإسرائيلية لا يكتسب معناه بالنسبة إلى الفلسطينيين إلا بقدر ما ينعكس تغييراً حقيقياً في السياسات والممارسات على الأرض
4 نوفمبر 2026



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

السفارة السويسرية بعمّان تُطلق برنامج التعاون الإقليمي للأعوام 2026-2029

افتتاح مشروع استدامة غابات الإثل بمحمية فيفا بدعم من "البوتاس العربية"

زين كاش تطلق خدمة "سَوا" لإرسال المعايدات والتهاني النقدية

"الملكة علياء للقلب" ينجح في إجراء جراحات متقدمة لاستبدال الصمام الأبهري

تراجع أسعار النفط بضغط من النتائج الانتخابية الأمريكية

الطراونة يستقبل رئيس "الأعيان" بالإنابة ورئيس المحكمة الدستورية

9 مواجهات في دوري الأبطال اليوم .. الأنظار نحو ريال مدريد وليفربول والسيتي

الإنسان والثقة المؤسسية في خطاب العرش: قراءة من منظور علم الاجتماع

ورشة توعوية بين "المتقاعدين العسكريين" و"الضمان" حول إصابات العمل

بورصة عمان تغلق تداولاتها على ارتفاع

جامعة العلوم والتكنولوجيا تطلق أعمال المؤتمر الوطني الأول للإسعاف والطوارئ

"إسرائيل" بين مأزق الائتلاف وعزلة الاحتلال .. هل يغيّر الصوت العربي المعادلة؟

"أورنج" و"جوباك" تدربان طلبة أكاديمية البرمجة على التكنولوجيا المالية

الأمن العام يوضح حقيقة البلاغ عن وجود جثة داخل مركبة في عمان

استئناف منافسات دوري الدرجة الأولى لكرة القدم غدا