حكام لبنان وشبّانه

حكام لبنان وشبّانه

29-08-2015 03:37 PM

مهينٌ أن يُسمى المرء سياسياً في لبنان. فالسياسي، أكان في 14 آذار أو في 8، لا يترادف في أذهان اللبنانيين المحترمين غير المداحين وغير المستزلمين، إلا مع السفالة والنهب والجريمة. وإذا كان من أسوأ مواصفات الشعبوية هجاء السياسة وتعهيرها، فساسة لبنان هؤلاء إنما يقدمون للشعبويين ضالتهم التي تؤكد صدق اتهاماتهم.


فبخليطٍ من استخدام ذاكرات الحروب والحقد، واستنهاض العصبيات، وبالتوسع في عمل النيوليبرالية، حيث تطغى قيم السوق على اقتصاد السوق، وبقضايا يصفها أصحابها بالقداسة وهي لا تفعل غير تقديسهم هم، يعاد إنتاج هذه الفئة المتمكنة بالمال وبالمقاومة، وقبل كل شيء بلحمة الجماعة الطائفية.


وهي فئة أعيد بناؤها منذ التسعينات مافياوياً، فأهم ما يجمع الطائفة بالمافيا رابط الدم أو الدم الموسع. وفي انقسام كهذا بين «العائلات» التي يجمعها منطق الدم نفسه، نشأ الطاقم الحاكم على شكل جناحين، واحد تتلمذ على غازي كنعان وعبد الحليم خدام، وآخر على رستم غزالي.


وعند الفئة هذه بجناحيها، تزداد الحساسية نقصاناً حيال مواطنين يوالون الهبوط إلى خط الفقر أو ما دونه، إلا أنهم يُستدعون مرة أو مرتين سنوياً إلى بيروت كي يصفقوا لأمرائهم وهم يرفعون المفعول وينصبون الفاعل. أما القيم التي يشيعونها، فأكثر ما يستفحل منها توريث القطعان، بوصفه الممارسة السياسية الطبيعية. أليس هذا ما دلت عليه أخيراً تجربة أطنب جنرالها وأقاربه في وصف حداثتها؟


صحيحٌ أن الطاقم السياسي في لبنان لم يكن مرةً ناصعاً، لكنه لم يكن مرةً وسخاً إلى هذا الحد، فالبلد مزرعته حرفياً، بالمعنى الذي حمل الرومان القدامى على وصف الأبيض المتوسط بأنه «بحرنا» (مير نوستروم). وهم مثل الكالفينيين الطهرانيين ذوي الجبر الإلهي، يظنون أن الله اصطفاهم للجنة قبل أن يولدوا، لكنهم على عكس الكالفينيين، لا يعتنقون إلا التبطل والتبذير ديناً.


وقد لا تملك اللغة من تعابير الهجاء ما يستحقه هؤلاء السياسيون. إلا أن الغضب حيالهم أغنى من اللغة، خصوصاً عند فئة أخرى من اللبنانيين قد تكون النقيض التاريخي لهم.


ففي الخانة العمرية ما بين الثلاثين والأربعين، آلاف الشبان والشابات المؤهلين، ذوي الكفاءات المتقدمة والقيم العصرية، ممن حصلوا تعليمهم في مؤسسات حديثة أو في بلدان الغرب، فعرفوا أنهم أفراد ومواطنون محترمون، لا يحنون أعناقهم لسيد أو بيك أو شيخ أو جنرال. هؤلاء الذين كان ينبغي أن يكونوا صانعي القرار اليوم، ينتصب في وجوههم هذا الحاجز الصلب المدجج بالتفاهة والسطو والجريمة.


ولأن الشبان هؤلاء فتحوا أعينهم على دنياهم مع الانقسام الآذاري الكبير، فانخرطوا فيه وعولوا عليه، لم يطل بهم الأمر حتى داهمهم إحباط الآذارين: واحدهما وعدهم بجعلهم علفاً للمدافع، إن لم يكن في لبنان ففي سورية، والآخر وعدهم بجعلهم علفاً لإثراء السماسرة وأصحاب الصفقات.


وعند الشبان والشابات هؤلاء، كفت القضايا عن توفير الغطاء للسياسيين: فلا المقاومة تكفي لهضم المقاومين ولا اغتيال الحريري يكفي لهضم الحريريين. وفي هذه الغضون، كانت الثورة السورية تُظهر أن حافظ الأسد نفسه، وهو الطوطم الأكبر لجناحي فئتنا الحاكمة، ممكنٌ تمريغ صورته وتحطيم تماثيله. وهذا إلهام واستلهام.


... اليوم يغضب هؤلاء الشبان، ومن حقهم أن يغضبوا، بل من واجبهم. وهم يخطئون، ولا بد أن يخطئوا، بل من حقهم أن يخطئوا، ومن حق أي كان أن ينقد أخطاءهم، بل من واجبه. لكنْ ليس في هذه اللحظة بالذات: ففي مساء هذا اليوم ستجتمع في مواجهتهم قوى أكبر منهم وأصلب، هي قوى العهد القديم على اختلافها وتعددها. وهي، بالقمع أو بالكذب أو بالاثنين، ستحاول تبييض زعماء لبنانيين وقضاياهم مثلما تُبيَّض العملات المشبوهة، فتتلاعب بطبيعة المشكلة وتستبدلها بمشكلة زائفة هي إياها التي مضغناها سنوات طويلة ومضغتنا. ومرة أخرى قد يسقط حلم الحالمين، لكن القلب معهم ضد جوقة المحنطين الخبثاء.


معهم مهزومين ومنتصرين، مصيبين أومخطئين. أما البقية فلها كلام آخر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

المملكة على موعد مع أيام ملتهبة .. كتلة هوائية حارة ترفع الحرارة إلى 43 مئوية

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

ماسك يعلن أنه أصبح مليارديرا سابقا

الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر