هل نحتاج إلى غرفة أخبار

هل نحتاج إلى غرفة أخبار

28-07-2026 12:04 PM

باتت المعلومة مجانية، إنّها مثل كائن حيّ ينمو ويطوف في مواقع التّواصل من غير حدود ولا حواجز. يسهل الوصول إليها، بل غدت المعلومة ديمقراطية، وللجميع حقّ في اكتسابها وأن تبلغ أبصارهم ومسامعهم. بل إنّها تتدحرج من فيسبوك إلى «تيك توك»، ولا تحتكم إلى قانون، تسير على هواها مثل شرارة، ولا يقتضي الأمر أكثر من كبسة على موبايل قبل أن نعرف ما يجري من حولنا أو ما يجري على بعد مئات الكيلومترات.
لم تعد المعلومة تُباع بثمن عسير، كما كانت عليه في الماضي، بل إنها أقلّ ثمن من فاتورة انترنيت. وبوسع أي شخص أن يشفي فضوله ويعرف الأخبار من غير تسويف.
إن مواقع التّواصل الاجتماعي تتمتع بخاصيتين: السرعة والرّعونة. كلّ شيء يقع في فخّها يتحوّل إلى حقّ مشاع، ولا يحقّ لأحد أن يدّعي حيازته، لأن مواقع التواصل تتوجّه إلى الجماعة لا إلى الفرد. الجميع يتقاسم الأخبار من غير حرج.
ومن المفارقة أن الفضائيات نفسها تتغذّى من مواقع التّواصل، تلتقط منها ما تيسّر من أنباء ومن الأحداث عاجلة، تجمع منها مادة من صور وفيديوهات ثم تعرضها على المشاهد.
مع علمها أن المشاهد قد اطّلع على تلك المادة في وقت سالف. بالتّالي يصير السؤال ملحًا: هل الفضائيات في حاجة إلى غرفة أخبار؟ كما جرت عليه الأعراف في وقت مضى، لأن مدّة حياة خبر لا تطول أكثر من ثوانٍ، وبمجرد أن ينتشر يفقد الخبر قيمته، بمجرد أن يتسرّب إلى الـ»سوشيال ميديا» تسقط عنه صفة «خبر عاجل». بل يصير نبأ عامًا، في قبضة الجميع.
ومن المحتمل أن غرف الأخبار قد انحرفت عن دورها القديم، لم تعد تحتكر الخبر لنفسها، كما أن النّاس باتوا لا يشاهدون الشاشات باعتبارها مصدرا للخبر، بل باعتبارها مصدرًا للتأكد من الخبر، بل إنهم يسبقون المذيع ويعلمون ماذا ينوي قوله، بالتّالي يترقبون منه تأكيد ما يجول في خواطرهم أو ما سمعوا به في مواقع التواصل، وغاب عنصر المفاجأة عن نشرات الأخبار.
لم تعد هذه النشرات تحظى بحقها في الأنباء الحصرية، لم يعد المواطن العربي يقضي ساعات في ترقب موعدها، بل إنه يعلم ما جرى، ولا يودّ سوى مذيع يكرّر عليه ما يعرفه، ويؤكد ما سمع، لأن ما يدور في مستنقعات الفيسبوك أو «تيك توك» تحوّل إلى مادة تستعين بها الفضائيات من أجل زخرفة برامجها وومضاتها الإخبارية.
لم تعد كلمة «خبر عاجل» تثير الفضول، لأن لا شيء عاجل في زمن يجري بسرعة تفوق قدرة الفضائيات.
يمكن القول إن المنصات الرّقمية قد سحبت البساط من تحت أقدام الفضائيات، لا سيما منها نشرات الأخبار، التي لم يعد في مقدورها مجاراة السرعة في انتشار الأنباء.
بالتّالي نشعر بالحرج الذي يساور غرف الأخبار في هذه التلفزيونات، ماذا بوسعها أن تفادي المشاهد؟ هل تحوز قضايا وملفات من شأنها أن تجعل النّاس يترقّبون نشرة الأخبار مثل من يترقّب وصول شهاب في السماء؟
فالواقع يفيد أنّها تكرّر أشياء متعارف عليها. إن الاستوديوهات الفخمة التي تصرف عليها أموال طائلة من أجل بثّ نشرة أخبار وإثارة فضول المشاهد، يبدو أن منفعتها في تضاءل، لأنها تتداول أخبارا يصح أن نطلق عليها «أخبارا ميّتة» أو منتهية الصلاحية.
وبات من الواجب أن تتحوّل غرف الأخبار مثل النشرات إلى مهام أخرى، أن تصير مثل غربال أو فلتر، في تفكيك الأخبار ثم إعادة تركيبها، في استخراج بواطن الأنباء التي تغفل عنها أعين المتابعين، ألا تكرّر ما يدور في مواقع التواصل، بل تذهب إلى عمق الأشياء في النّقاش والتّحليل. أن تتغلغل إلى جوهر الحدث بدل أن تطوف في الظواهر. وتفيد جمهورها بما غاب عنه.
صارت القنوات مضطرة أن تلعب دورها في التحليل وإلباس الأخبار معنى عوض التعامل معها في حالتها الأولية. ولا نغفل أن التحليل هو العنصر الأكثر غيابًا من مشهد الإعلام العربي، فكثير من الفضائيات تنقصها الجرأة في الذهاب أبعد من الخبر.
ويحصل أن نصادف في الغرب مجلات أو صحفا تفرض على القراء الدّفع قبل الاطلاع على بعض المواد، وفي الغالب أن المواد التي تقتضي دفعًا إنما هي مقالات تحليلية أو مقالات رأي، ويندر أن تفرض دفعًا على مطالعة الخبر، نظير علمها أن الخبر يفقد قيمته في الزّمن الحاضر.
وكذلك الحال مع الفضائيات العربية، إن البحث عن مراكمة جمهور ومشاهدين يبدأ من اللحظة التي نؤمن فيها أن الخبر لا يتيح للقناة شهرة، بل إن مغامرة إلى ما وراء الخبر ما سوف يجلب لها مشاهدين.
إن الاعتماد على غرف الأخبار لن يرفع من أرقام متابعتها، بل الاتّكال على أصحاب الرّأي والمحللين سوف يوسع من قاعدة جمهورها. إن النّقاش ومجابهة الأفكار السائد ما سيوفّر لها مشاهدات. صارت هذه الفضائيات في مواجهة نفسها، أن تتحرّر من تقاليدها القديمة، ألا تلتقط الخبر في حالته الطازجة، بل تعرضه على طاولة تشريح، أن تنظر ماذا يخفي في جوفه، وبدءًا من هذه اللحظة تؤسس خطابها في تحليل الأشياء غير المرئية، أو التي لا يراها مشاهد عاديّ.
في هذا الزّمن الجديد، حيث السرعة هي المقياس، والصبر والتأمل هو الاستثناء، يتحوّل الإعلام من ورقي إلى مرئي، يتحوّل من مصدر للمعلومة إلى مصدر للتّحليل، بدل نشر الأخبار يصبو المشاهد إلى برنامج رأي أو مقال رأي يسمح له بفهم ما غاب.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إدارة السير ترصد مخالفات خطيرة وتدعو للإبلاغ عنها

انخفاض أسعار الذهب في السوق المحلية الثلاثاء

الفرصة لاستعادة الدولة

الآنسة مي والسيدة فاطمة

هل نحتاج إلى غرفة أخبار

كوبا: هل ما تزال احتمالات الغزو الأمريكي قائمة

هل سيعالج بيرنام مشاكل بريطانيا وإخفاقات حزبه

33 فعالية أردنية على مسرح ارتيمس ضمن مهرجان جرش والدخول مجاني

الإدارية النيابية تواصل إقرار مواد مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

سماء الأردن على موعد مع اكتمال بدر تموز مساء الأربعاء

الكويت وكوريا ومصر وفلسطين ضيوف بفنهم على مسرح الهيبودروم

مجموعة المركزية تفتتح أول مركز متكامل في إربد يضم معرض سيارات تويوتا ومركز صيانة لجميع أنواع السيارات وقطع الغيار الأصلية

عمّان الأهلية تشارك في مبادرة " رقميّتها " لتمكين المرأة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي

عمّان الأهلية تستضيف امتحان تدريب طلبة كليات الصيدلة لإقليم الوسط بالتعاون مع نقابة الصيادلة الأردنيين

مجلس النواب: التصعيد في الضفة يجسد إرهاب الاحتلال

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر