تاريخ الاردن وعشائره / الحلقة الثامنة لـ د . احمد عويدي العبادي

تاريخ الاردن وعشائره / الحلقة الثامنة لـ د . احمد عويدي العبادي

05-12-2009 12:00 AM

القوات والعشائر الأردنية حررت الساحل الفلسطيني من الصليبيين تحريرا نهائيا / بعد عين جالوت

بيبرس يقتل قائده قطز ويتحرك لارضاء العشائر الاردنية ويؤسس فيها امارات عشائرية مهمة

اسماء الامارات العشائرية والعشائر وشيوخها في عهد المماليك

تاليف المؤرخ والمفكر الاردني

د . احمد عويدي العبادي

عضو مجلس النواب الاردني سابقا لمرتين

توضيح من المؤلف

من حق اي شعب في الدنيا ان يعرف تاريخه وتاريخ بلاده , لان ذلك جزء من هويته , وان ما تحمله الاوطان من الاسماء الحديثة ليس شرطا انها كانت تحملها في الماضي . فعندما نتحدث عن الممالك الاردنية القديمة : مدين او باشان او عمون او مؤاب او المديانيين اوالبتراء والانباط وايلة وعكا وصور وطبريا وعجلون والحرة وحوض نهر الاردن وامارة الضجاعمة وامارة الغساسنة , او الجوف ووادي السرحان , فانما نتحدث عن الاردن الذي نعرفه , ولا يعني ان انعدام الكيان السياسي الذي يوحدها جميعا انذاك , او تعدد الكيانات السياسية والادارية والامارات العشائرية في هذه الرقعة الجغرافية عبر التاريخ , اقول لا يعني تعددها انها ليست من الاردن , فهي على الارض الاردنية ولا زالت عشائر هذه الامارات والمناطق موجودة فيها عبر الاف السنين وانها كانت تنتقل بصورة طولية عبر سلسلة المرتفعات الاردنية الشرقية وباديتها وانها عربية واردنية وتتكلم لسانا واحدا وهو اللسان العربي .

من هنا فان كل اردني هو وطني اردني بالغريزة والطبيعة وقومي عربي بالتاريخ والطبيعة , لان كل عشيرة اردنية في اي منطقة شمالا كانت ام وسطا ام جنوبا , او غورا او جبلا او بادية , تحركت في ربوع الاردن اما دفاعا عنه او طلبا للحماية والعيش والحياة , او مشاركة في معارك حطين وعين جالوت وتحرير القدس وفلسطين ومقاتلة التتار . فالعشيرة التي استقرت في الشمال واتت من الجنوب فانما تعتز باعظم ( عظام ) وقبور اجدادها في الجنوب ومن ثم من توسد منهم ثرى الاردن عبر الرحلة في الوسط , ومنهم من توسدها عند الاستقرار في الشمال او الشرق . ففي كل منطقة له اجداد مدفونون بالديار الاردنية . وحيث ان المثل الاردني يقول : ( القبور جذور ) فان قبور هؤلاء وعظامهم هي جذور للناس الاحياء وستبقى كذلك الى ما شاء الله , وبالتالي فكل اردني يعتز بكل بقعة اردنية لانها كانت يوما اراضي ابائه واجداده .

اذن فالاردني وطني اسلامي قومي بالطبيعة وبالغريزة والضرورة , وقد راينا كيف ان العشائر الاردنية من سائر انحاء الاردن تجمعوا في الكرك لمقابلة السلطان الظاهر بيبرس , وكيف تجمعوا في زيزياء ومن ثم في ام قيس لتوزيع مهماتهم ورجالهم في حرب حطين , ومشاركتهم في المعركة باعداد تطوعية صادقة فاقت باعدادها عديد جيوش صلاح الدين التي كانت تعمل بالراتب , بينما عمل الاردنيون جهادا خالصا لوجه الله ان شاء الله وبدون اجرة باحثين عن الاجر وحده .وراينا كيف انهم تحولوا الى مجاهدين مرابطين في الجبهة الاردنية ثم شاركوا في معركة عين جالوت ومحاربة التتار , واستقروا في الشمال والوسط لحماية الاردن من اي غزو قد ياتي من الغرب , عبر الحرب الصليبية ,او من الشرق من التتار مرة اخرى .

فالاردني اذن بطبعه وطني وبطبعه قومي وبطبعه اسلامي اي انه ابن هذه الدوائر الثلاثة ( الاسلام والعروبة والوطنية الاردنية ) , وحتى نصارى الاردن شاركوا في هذه الحروب جميعها جنبا الى جنب مع اخوتهم وابناء عمهم من المسلمين وتحول الكثير من النصارى الى الاسلام بعد المعركتين , ولا زلنا نجد الكثير من العشائر التي تتكون من مسلمين ونصارى وهم ابناء عم ( الزريقات , السلايطة , المعايعة , قاقيش , حداد , هلسة , جوابرة ( ابو جابر ) وغيرهم, لا تحضرني اسماؤهم في هذه اللحظات . ولم يزدهم تباين الدين الا محبة لبعضهم لان الاسلام والمسيحية كل منهما دين محبة واخلاق وسلام ووئام وصلة رحم . كما ان العروبة ليست عرقا وانما ثقافة وحضارة تشتمل وتحتوي على العرق العربي وغير العربي , فكل من ثقافته ولغته عربية هو عربي , وكذلك الاسلام فانه عقيدة ونمط حياة وثقافة وبالتالي فان اصطلاح الامة يشمل الرعية بغض النظر عن عقيدتها لكن ثقافتها اسلامية وحضارتها اسلامية . واما الاردنية فهي الوطنية الخالية من العنصرية والتفرقة , ولكنها قائمة على اسس ثقافية وتاريخية ومشاعر وموالاة وانتماء , وبالتالي فان الأردنية لا تعني معاداة احد ابدا ولا تقبل معاداة الاخرين لها ولا تتخندق ضد احد .

وهناك نقطة هامة وهي ان الأردنيين بطبعهم اهل ذوق وحياء , وانهم يفرقون بين الحياء الاخلاقي الذي لايتجاوزونه ولا يتخلون عنه , وبين الحياء السياسي / اي الحياء من الدولة التي تحكمهم او الفئات التي تنافسهم , فالحياء الاول يزيدهم توادا وتراحما , وأما الثاني فانه قد يجلب اليهم وعليهم البلاء وطغيان السلطة والإدارة , وهنا فانهم لايتوانون عن خلع ثوب الحياء السياسي مع الغرباء والسلطة , إذا وجدوا ان السلطة او الادارة تمتهن كرامتهم الدينية او الوطنية او الاجتماعية ( الإسلام والعروبة والأردنية ) .

واذا خلعوا ثوب الحياء السياسي تحولوا إلى مقاتلين في غاية الشراسة والشدة والباس وهذا معنى من معاني كلمة الأردن في اللغة وهي : الشدة والغلبة , وحينها يقال : (صفران الوجوه )أي أن وجوههم صفراء / ومعنى ذلك ان كريات دم الحياء السياسي تتوقف عن الافرازات والصعود الى الوجه , حينها فان أحدا لا يخجل من احد , وهناك قول أردني في ذلك وهو : ( يوم الدنك / الدك مابه جميلة ) / اي انه اذا استعر اوار المعركة وحمي وطيس القتال او التحدي او الاعتداء او التجاوز على الاردنيين , فان الاردني لا يستحي من عدوه حتى ولو كان العدو صاحب جميل على الاردنيين الذين يقاتلونه , لان مفعول الجميل يسري في الاوقات العادية ويتعطل اذا خلع الاردني ثوب الحياء السياسي , ولان الخصم صاحب الجميل تصرف بما اوجب عليهم خلع ثوب الحياء السياسي .

ويقولون ايضا ( الخيل ما تستحي من امهاتها بالطراد ) اي وقت السباق والقتال فانه حتى الخيل الاصايل لا تستحي الواحدة ان تسبق امها , وهم يرون ان الخيل تعرف وتفهم , ولكن في المعارك والسباق فانها لا تعرف امها ولا تتعرف عليها , اي ان همها ان تسبق من ينافسها , وكذلك الأردني يحفظ الجميل لاي شخص , حتى اذا ما تجاوز هذا الشخص إلى الكرامة فان الخيل لا تستحي من امهاتها يوم الطراد , والناس لا تستحي من بعضها وقت التحدي والمجابهة , لان الامر يتعلق بالمصير , والمصير فوق الحب وفوق الحياء .

وبناء عليه فقد تعرضنا لحملة تشويه عجيبة غريبة وشتائم على الاردن ارضا وشعبا وكيانا في مواقع الكترونية خارجية , مفادها انه لا يوجد شعب اردني ولا كيان اردني ولا تاريخ اردني ولا شرعية اردنية , واننا صنيعة الاستعمار البريطاني , واننا عبارة عن قبائل من الاعراب الرحل جئنا توا الى الاردن , وعلينا ان نعود الى الصحراء طوعا او كرها . ورددت بعض الاصوات مقولات الصهيونية التي اشرنا اليها في مقدمة الكتاب : ان الاردن هي فلسطين الشرقية , وبعضهم اعتبرها بادية فلسطين وما الى ذلك من الاقاويل التي تتطابق مع الفكر صهيوني والفكر المتصهين .

وتتضمن المداخلات نصائح لي كي اتوقف عن كتابة تاريخ الاردن وعشائره امام طوفان الشتائم والاتهامات في انه لا يوجد اردن ولا يوجد تاريخ للاردن ولا توجد عشائر اردنية . ولم يكلف اي من الشاتمين خاطره في وضع توثيق لما يقوله او يدعيه , وانما فقط ان يشتم ويتهم ويصفنا جميعا بالخيانة .وهناك شتائم علينا ارضا ووطنا وشعبا وكيانا وامنا ومؤسسات ,, واننا رعاة ابل ليس الا , وان الشهادة التي حصلت شخصيا عليها من ارقى جامعة في العالم هي شهادة تتحدث عن البدو والقبائل وان هذا امر معيب في رايهم ويفقدها قيمتها .

وتضمنت التعليقات وعدا ووعيدا لنا . وقد احتفظت بهذه التعليقات في بريدي الالكتروني حيث وردت عبره الي . وكنت اتمنى ان اجد موقعا اردنيا ينشرها كما هي بدون حذف , لبيان مدى التجني على الاردن والاردنيين والنظام , رغم أننا ضحينا كثيرا من اجل الآخرين . ولا شك ان هذا الذي نكتبه عن بلدنا وعشائرنا قد اخرج هذا السوء وما تخفي صدورهم اكبر . ولست نادما ان نعرف ماذا تفكر بعض الجهات رغم توزيعها للابتسامات , وان مافعلناه كان توثيقا لشعبنا ووطننا وتاريخنا ولا نندم عليه , وقد حقق هدفا اخر وهو كشف المشاعر الخفية المعادية .

وقد قال احدهم موجها كلامه الي شخصيا ( لا اهلا ولا سهلا بك في صحيفة الاحرار ) , وقال احدهم (لم يكن هناك بلد او شعب اسمه الأردن على مر العصور. للأردن بلد مؤسس اقتطعها من فلسطين بالتآمر مع الإنجليز) , وقال احدهم تعليقا بالانجليزي

(It is more accurate to talk about Mansaf as the only great Jordanian Achievement. Leave that glorious history clean from Jordanians please

( انه لاكثر دقة ان تتكلم عن المنسف كاعظم انجاز اردني . وعليك ان تترك التاريخ الزاهر نظيفا من الاردنيين لطفا )

وقال اخر ( لا يوجد شئ اسمه الاردن وهي اسم النهر وسميت بهذا الاسم لتأسيس دوله صهيونيه

اغلب العشائر الاردنيه يرجع جذورها الى فلسطين او الشام او الجزيرة العربية او العراق والباقي مجرد بدو رحل كانوا يتجولون في الصحراء ليس معروف جذورهم )

وعلق احدهم بالانجليزية بقوله:

(the truth about the Jordanians:

for few golden dinars they sold their souls and their swords to Lawrence and killed Muslim Turks and were very happy to be the servants of the British

They guard Israel against any resistance

They supported the Americans in occupying Iraq

They steal Palestinian aids

I know you wont believe that , the truth is that I am Jordanian and I am ashamed of it

( ان حقيقة الاردنيين انهم باعوا ارواحهم وسيوفهم الى لورنس ليقتل الاتراك المسلمين , وانهم حراس على اسرائيل ضد المقاومة , وانهم دعموا الامريكان في احتلالهم للعراق , , وهم يسرقون مساعدات الشعب االفسطيني , اعرف انك ( يقصدني ) لن تصدق ذلك , ولكنني اردني واخجل من اردنيتي ) .

وعلق احدهم قائلا : (لقد اطلق الأردنيون على انفسهم هذا الإسم زورا و بهتانا.انه اسم لنهر فلسطيني ليس لهم علاقه به. حتى عام 48كانت البلد ( يقصد الاردن ) عبارة عن مخيمات للبدو الرحل الذين استوطنوا بلادنا ( يقصد الأردن على انها شرق فلسطين او فلسطين الشرقية ) في غفله منا. لا يوجد هناك شيء اسمه شعب أردني. ارحلوا ايها الأعراب راجعين الى الجزيره العربيه حيث تجدون اهلكم و عشائر شبية بكم. الصهيونية العالمية انشأتكم للمساهمة بتدمير فلسطين وحماية لدولة اسرائيل الموعوده. هل تعرفون مصيركم اذا رفعت اسرائيل الحمايه عنكم؟ ( ثم يقول كلاما خطيرا يتوعد به الاردنيين ) .... ) .

وآخر يقول : (فعلا هذه مهزله. لم يكن احد يسمى او يسمي نفسه أردني قبل مجيء الإنجليز اخجلوا على حالكوا انتم عرب فقط نقطه وسطر جديد ).

وقد أشفق احد الغيارى من سوء الكلام ضد الاردن واهله وكيانه وأجهزته , والذي لا استطيع تضمينه لما فيه من العبارات الجارحة والشتائم على الاردن شعبا وعشائر وكيانا واتهاما بالتخوين والهزيمة واتهامنا بحماية الصهيونية واسرائيل , وارسل احد الغيارى يناشدني عبر بريدي وعبر الصحيفة الخارجية , الا اكتب عن تاريخ الاردن لكي لايقرا الشتائم ,

ومن قوله (مناداة الى الدكتور احمد العويدي العبادي.عن طريق (... ) وايضا نسخة الى ايميلة الشخصي.

تحياتي يا دكتور ولك كل الحب والاحترام والتقدير والعرفان. دكتور نحن نعرف بانك الاردني الغيور وتاريخك معروف.ونحن والله نحبك ونتمنى لك كل التوفيق.لكن يا دكتور نحن نغار عليك,ولا نسمح لاحد ان يسئ لك بالكلام, والله ان دمائنا تفور عندما نقرأ أي إساءة بحق شخصكم الكريم.لذلك بالله عليك أن لا تنشر اي شيء يتعلق بالأردن على (... ,) حتى لا تفتح المجال للكلاب ان تعوي, يا دكتور هناك مجموعة كلاب ضالة تائه عالمزابل حاقدة عالاردن وتحقد على كل من يغار عالاردن تعوي ليل نهار,ارجوك ان لا تفتح المجال لهم حتى لا تفتح هذه الكلاب الضالة اثمها القذر وتنبح عليك.وكما نعرف الكلب عندما يعوي وينبح فهو ينبح على ذيب. يا دكتور ان دمي يفور واغضب على اولئك القذرة الحاقدين الذين يسيئون لك.فارجوك توقف بالنشر عالنت ) .

والكلام والتعليقات تطول من الغضب والثورة والتجني ضدي وضد الاردن انني اكتب عن تاريخ الاردن , وانه لا يوجد اردن ولا اردنيين ولا عشائر ولا كيان . ومع هذا فقد اكون الوحيد الذي ضحك عندما قرأ هذه الخزعبلات والسخافات ولم تهتز لي شعرة لان الشتائم هي صفة المنهزم والضعيف , وارد عليهم بعبارة مختصرة : ان الاردن قد ذهب من ايدي اهله ( اقصد السيادة والاحتلال ) زمن الفرس واليونان والرومان وبني امية وبني العباس والصليبيين والأيوبيين والمماليك والأتراك والإنجليز . وكلهم ذهبوا الى غير رجعة , وبقي الاردن واهل الاردن . من هنا اقول ان الأردن اذا ذهب فان له اهله يستعيدونه , اما الدول او قوى الاحتلال او محاولات الاحتلال التي ذهبت او التي ستذهب من الأردن فأنها لن تعود اليه , ولم تعد دولة او قوى احتلال الى الأردن بعد ان ذهبت منه او طردت منه ( بضم الطاء ) . فلا يخاف احد على الاردن فان له اهله الذين يحمونه ويستعيدونه , وهذا ديدننا عبر التاريخ , واما من يدعي عدم وجود أردنيين فانه يعيش بالخيال , والتاريخ لمن يكتبه لا لمن يصنعه ونحن نصنع التاريخ ونكتبه . فهل وصلت رسالتنا ايها الغاضبون ؟؟. اسال الله لكم الهداية وقلوبنا لا تعرف الحقد لان الحقد عبء ثقيل على صاحبه ويسبب له الموت . وان من يفقد اعصابه يفقد مفرداته ومن يفقد مفرداته يفقد قضيته وينهزم . فنحن لانفقد اعصابنا ولا مفرداتنا ولا قضيتنا ولا نتراجع عن دعم الفلسطينيين الاشقاء .

ومع هذا فقد ظهرت تعليقات وردود مغايرة وعقلانية عديدة , تتحدث بعقلانية ودفاع عن الاردن ارضا وهوية وكيانا وشعبا وعشائر ودفاعا عني شخصيا . فهل عرفتم ايها الاخوة اهمية التاريخ وحرص الاعداء والحاسدين والحاقدين والجاحدين الا نكتب تاريخ بلادنا وشعبنا الاردني ( العشائر الاردنية ) ؟اما انا فاعرف اهمية التاريخ وانه الاهم في الشرعية والهوية والكيان والوطنية لاي وطن وشعب , واعرف أن التاريخ لمن يكتبه لا لمن يصنعه , وانني اصنع التاريخ واكتبه . وان الجميع لا بد ويعودوا الى التاريخ ولو بعد قرون طويلة .

لقد نقلت الرأي الاخر , وعلينا ان نتحدث بصراحة وشجاعة وان نتقبل ذلك بشجاعة وبسالة علمية وقلمية .. من هنا يعرف القاريء الكريم لماذا كتبت الفقرات السابقة حول موضوع الوطنية عند الاردنيين وحول تجذرهم وحول موضوع الحياء السياسي وخلعه اذا اقتضت الضرورة . واما ردي على المعلقين ضد الاردن وعشائره وكيانه فاقول : ان من حقي ان اكتب عن تاريخ بلدي وانا متخصص حتى النخاع بالشؤون الأردنية واحب بلدي وضحيت من اجله وعانيت من الغرم والظلم والاضطهاد ولا زلت , ولا أرى أي امل قريب برفع الاضطهاد عني ومحاربتي في لقمة عيشي وعيش اولادي , وحملات التشويه التي تقوم بها جهات منظمة من المتضررين من الفكر الوطني الأردني والحاسدين والانتهازيين والمتسلقين , وهم يرون انهم متضررون من قلم وجدود واستمرار د . احمد عويدي العبادي . لست مختصا في العشائر غير الأردنية وبالتالي لست مؤهلا للكتابة عنها , ولكنني بكل تأكيد خبير بالعشائر الأردنية وتاريخها وقادر على كتابة تاريخها الذي ينشر على حلقات هنا وهو بين أيديكم . وأنني أمارس دور ورسالة المفكر والمؤرخ معا

واقول لهؤلاء المساكين الذين يشتمون الأردن وأهله وكيانه وهم يريدون إثارة داحس والغبراء . أقول : ان الشعب الاردني يرفض كما ارفض اية أصوات او أقلام تفرق بين مكونات اطيافه . وانني اتحدث عن تاريخ الاردن حتى عام 1910 , وهو تاريخ لاعلاقة له بما يسمى الوحدة الوطنية ولا بالعنصرية ولا بالتفرقة . فانا رجل وطني اردني , وقبل ذلك مسلم متدين وقومي عروبي , وان كتاباتي تاتي في هذه الاطر الثلاثة .

ان كتاباتي عن بلدي وفي الفكر الوطني الاردني , ولن يثنيني انتقاد ولا تجني ولا صياح ولا نعيق , واقول لمثل هذه الاصوات الضالة التي تصاب برعشة الحمى من مجرد ذكر اسمي او اسم الاردن او العشائر الاردنية , انهم سيصابون بمزيد من الحمى لسنوات طويلة ومديدة طالما كتب الله لنا عمرا ان شاء الله . فنحن نقدم الفكر والحقائق وهم يقدمون الصراخ والغضب والشتائم . ( فاما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض ) ( صدق الله العظيم ) .

واقول ايضا : هذا الاردن ( اذا لم تحبه فاتركه ) وله اهله ولا تخافون عليه . ولمن يحب ترجمتها بالانجليزية :

Love it or leave it

***********

‌أ. المماليك: وهم أكثر الحكام العرب والمسلمين , بعد زوال الحكم العباسي أي على مدى خمسة قرون , الذين أنصفوا الأردن وانصفوا الاردنيين وأبرزوا أهمية الاردن واهله ، ووضعونا على الخارطة السياسية والعسكرية والجغرافية والاقتصادية، بحيث كانوا يعطونه الأولوية على مصر والشام لأنه موئلهم للراحة، وملاذهم عند الشدائد. وسوف ترى أن المماليك هم أكثر الحكام العرب الذين بنوا وعمّروا بالأردن بعد الأمويين والرومان، وقد بادلهم الأردنيون الحبّ، ودافعوا عنهم، واحتضنوهم ودعموا ثوراتهم ضد الآخرين، وقدم الأردنيون التضحيات من أجل المماليك حباً لهم وتقديراً لقوميتهم ووطنيتهم.

وإذا كان الأمويون قد أعطوا أهمية للأردن والاردنيين فاستقرت زمنهم وازدهرت، ثم جاء العباسيون فغيّ?Zبوها عن مسرح الأحداث وشردوا الاردنيين وقتلوهم وسخطوا عليهم ، فإن الأيوبيين قد أعادوا الاردن رويداً رويداً إلى مسرح الأحداث حسبما اقتضت مصالحهم من جهة، وحسب اكتشافهم البطيء لأهميتها وأهمية عشائرها من جهة اخرى ، ثم الاعتماد على دورها وأهلها في تحقيق اهدافهم للمحافظة على عروشهم , والأهداف العامة في تحرير فلسطين والقدس الشريف من الصليبيين، ونقطة توازن بين مصر والشام.

أما المماليك فقد استفادوا واعتبروا من جميع الأمم السابقة في التعامل مع الأردن والاردنيين .

1. استفادوا من اليونان الذين أنشأوا المدن العشرة، وبدلاً من ذلك، وحيث أن عصرهم كان عصر حروب وصراعات داخلية وخارجية، فقد بنوا القلاع لتكون مراكز للحاميات العسكرية العربية الإسلامية، ومنطلقاً للهجوم على الشام أو مصر إن تمرّدت أي منهما، وضد الصليبيين إذا حاولوا التوسع من الساحل الفلسطيني نحو القدس أو نحو شرق الأردن.

2. استفادوا من الرومان فأقاموا المدن وشجعوا الثقافة والعلوم وطلبوا من بقية العشائر الاردنية النازحة الى الخارج ان تعود وتعمر الاردن وتحافظ عليه وتدافع عنه امام اية هجمات جديدة , لانهم الجبهة الاهم والاصدق

3. استفادوا من سياسة الخلفاء الراشدين أن الأردن كانت معبراً وتجمعاً للجيوش الإسلامية في طريقها إلى فتح الشام وفلسطين ومصر وشمال افريقيا ، وكذلك فعل المماليك إذ أن الجيش الأردني استعاد عرش السلاطين المطرودين من مصر عدة مرات، وقام بتأديب التمرد الشامي، وتحرير الساحل الفلسطيني من الصليبيين تحريرا نهائيا , وبذلك يكون تحرير القدس وفلسطين قد تم على ايدي الاردنيين من عشائر اردنية وجيش اردني , اكثر من مرة بل مرات ومرات عبر التاريخ في العصور القديمة وزمن الايوبيين ( حطين ) والملك الناصر داود ( تحرير القدس ثانية , والمماليك ( عين جالوت ) وسائر اراضي فلسطين زمن المماليك . .

4. استفادوا من الأمويين وسياستهم التي كانت قائمة على استرضاء العشائر الاردنية، وأنها كانت ملاذاً آمناً ومكاناً للراحة والاستجمام للأمراء , حيث كان الامويون اقاموا الحائر الذي كان أيضاً مركزاً لاستقبال العشائر والتواصل معهم، وأحسنوا لهذه العشائر بالهبات والأعطيات، وتنفيذ الطلبات. وقد سلك المماليك هذه السياسة، فصارت القلاع، فضلاً عن كونها معاقل عسكرية ومراكز للحاميات، فإنها كانت مراكز لاستقبال العشائر والإحسان إليهم، ومراكز لتخزين الحبوب والميرة والأموال والسلاح , وبالتالي كان أمراء المماليك يقضون إجازاتهم وأوقات فراغهم وصيدهم بين ظهراني الأردنيين وذلك لما كان بين الطرفين من مودة صادقة وإخلاص، بل إن غالبية الأمراء والسلاطين المماليك كانوا يعتزون بأردنيتهم رغم جلوسهم على عرش مصر والشام , ويتحدثون اللهجة الاردنية البدوية ويرتدون اللباس الاردني بكل اعتزاز ويتستطيبون التخييم وسط مضارب العشائر الاردنية .

5. أخذوا درساً من الإهمال العباسي للأردن، حيث وجدوا أن هذه سياسة عقيمة، وأن مركز الخلافة في بغداد عندما اهمل الاردن صار بدون عمق ولا ظهير، وان كان يعتبر مصر ظهيراً له، لانه لا وصول إلى مصر إلا من خلال الأردن، وكان الخليفة يعتبر نفسه خادم الحرمين الشريفين، وبالتالي حامي حمى الأقصى، ولا وصول للأقصى إلا من خلال الأردن، وكان درب الحجاج يسير طريقاً صحراوياً صعباً من الفرات إلى مكة وعرفات، وكان طريق الأردن أكثر أماناً واختصاراً، وكان أهل مصر والشام أهل حضر، وبالتالي تتعذر حركتهم ودعمهم للخليفة ببغداد، بينما أهل الأردن أهل بادية يتحركون بسرعة، ويلبون النداء ويرحلون، وذلك ما يستحيل على صاحب بيت الحجر المستقر أن يفعله. الا ان السياسة العباسية العاقة والعقيمة حرمتهم من ميزات الاردن وحرمت الاردن من خيرات الدولة العباسية .

6. ومع هذا كان العباسيون يعتبرون الاردن والاردنيين عدوهم الاول بعد الامويين الذين ابيدوا تماما والى الابد , ورغم تعاقب القرون فان قلوب بني العباس بقيت حاقدة علينا ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم , وقد خسرنا الكثير من جراء ذلك , ومن جملة الخسارة ان النكرات والقطعان الضالة المصابة بطاعون الحقد والجدري ممن يدعون الفهم في العصر الحديث يتهموننا اننا شعب غير موجود في التاريخ وانه لاهوية ولا تاريخ لنا , وهذا سببه الاول هم العباسيون لما فعلوه بنا وما تجنوه علينا واهملوا بلادنا وشتتوا شعبنا وصار من يصرح باردنيته انذاك لايجد الا السيف العباسي يجز عنقه , ولكن الحق علينا اننا استضفناهم في الحميمة واذا بنا نضع افعى سامة في حجرنا . وعلى كل حال رحمهم الله جميعا ولا نقلل من اهمية بني العباس في حماية الاسلام وفرض هيبتة لمئات السنين .

استفاد المماليك من هذه الأخطاء، وعملوا على تجاوزها، وعدم الالتزام بسياسة حاضرة الخلافة العباسية المتداعية ، كما أن الخليفة كان حالة رمزية فقط تستخدم لوحدة الأمة، ولا حول له ولا طول، وبذلك نجد أنه كان أول نظام حكم في العالم ينص على ان : أن الملك يملك ولا يحكم . كان هذا عند العرب زمن العصور المتاخرة من بني العباس ، ففي أيام الوثنية كانت بلقيس مملكة اليمن تملك ولا تحكم: وأما في العصور الإسلامية فإن أول حاكم يملك ولا يحكم هو الخليفة العباسي بعد مقتل المنصور بن المعتصم وصار الحكم للأعاجم الذين تربوا في بلاط الخلافة عبر عدة أجيال وسيطروا على مقاليد الأمور وصار الخليفة رهين المحبسين كما قال الشاعر:

خليفة في قفص بين وصيف وبغا

 

يقول ما قالا له: كما تقول الببغا

ورأى السلاطين المماليك أن يكون حرسهم الخاص وجيشهم الخاص من المماليك ( من صنفهم ) وان يكون فرقة عسكرية من فرق الجيش، لهم أمراء أعضاء في مجالس الحكم المتعاقبة، وقد اكتشف السلاطين فيما بعد أن وجود المماليك حول السلطان المملوكي يعرضه للخطر، وقد يقتلونه، كما فعلت شجرة الدر بزوجها المعز أيبك، وكما فعل قطز بشجرة الدر وولدها المنصور، وكما فعل بيبرس بقطز إذ أمر حرسه المماليك بقتل سلطان مصر المملوك قطز الذي نصره الله في معركة عين جالوت، وكما فعل السلاطين من بعد كما سيأتي، ولو أن الخليفة العباسي اتخذ الأردنيين من حوله لكانوا له كما كانوا مع بني أمية ولاستطاعوا حمايته من الأعاجم الذين ساموا الأمة خسفاً.

7. الاستفادة من الصليبيين والأيوبيين في تعاملهم مع الأردن والأردنيين، فقد شرع الأيوبيون بالتعامل مع الأردن كردّ فعل لما فعله الصليبيون، وطوّر الأيوبيون تعاملهم مع بلادنا لمعالجة الهيمنة الصليبية على الأردن. فقد سبق وقلنا أن الفرنجة استفادوا من سياسة اليونان والرومان في بناء المدن والقلاع في بلادنا، وأنهم كانوا يأخذون غلات البلاد من الحبوب المختلفة والإنتاج الحيواني والمعدني والأعشاب الطبية فضلاً عن أنها كانت جبهة هامة للدفاع عن اليونان والرومان في وجه الفرس والبدو ودول بلاد الرافدين والهجرات من جزيرة العرب.

وجد الصليبيون ـ كما سبق وقلنا ـ أنهم أمام خطر قد يأتي من الصحراء سواء من جزيرة العرب أو الرافدين، أو حركة التفاف من دول شمال العراق وسوريا (في حينه)، أو من مصر وبلاد الحجاز، وأن تحصين الأردن أخذ أولوية قصوى وأنه لا يمكن الحفاظ على بيت المقدس والمملكة اللاتينية في فلسطين إذا لم يكن الأردن بأيدي الفرنجة، وكان بالنسبة لهم نقطة الوصل للطرق التجارية والعسكرية، ومصدراً هاماً للغذاء والدواء الطبيعي، كما أن أهله كانوا يوادعون ويسالمون ولا يشكلون خطراً على القلاع التي عمّرها الفرنجة في الأردن أو على وجود أعداء المسيح في هذه الديار.

أمام هذا كان ردّ الفعل الأيوبي هو الاهتمام بالأردن لتكون حلقة الوصل بين الشام ومصر، وللضغط على الصليبيين، وصارت الكرك في زمن بني أيوب أهم من القدس، إلى درجة أن ملك مصر الأيوبي عرض تسليم القدس للفرنجة مرة ثالثة مقابل بقاء الكرك والشوبك في يده، كما سبق وذكرنا بالتفاصيل في الباب السابق، وعند تحرير الكرك من الفرنجة على يد الاردنيين وقادة صلاح الدين، صارت الكرك عند الايوبيين هي المسمار الذي لا يجوز العبث به، وصار من يسيطر على حصنها يفوق في قوته قوة سلطان مصر والشام، وصارت الأردن نقطة التوازن والقوة، إذا مالت شمالاً انتصرت الشام، وإن مالت جنوباً انتصرت مصر، واذا مالت غربا تحررت القدس وفلسطين , وإن بقيت حيادية اضطر ملوك دمشق والقاهرة للصلح بعد المذابح والمعارك وذلك بسبب تساوي التوازن بين قوتيهما.

استفاد المماليك دروساً من هذه السياسة الفرنجية والأيوبية، وقد كانوا ضباطاً أو جنوداً أو قادة في الكرك عند أسيادهم الأيوبيين مثل الظاهر بيبرس الذي كان أول قائد لجيش إمارة شرق الأردن في العصور الإسلامية.

قام المماليك بتحصين القلاع، وشحنها بالسلاح والمال والرجال، وقبل كل شيء أحاطوها بحب الأردنيين حيث أحسنوا إلى أهلنا وآبائنا آنذاك، فتبادلوا الحب الصادق، وصار سلاطين المماليك يعتزون بأردنيتهم رغم جلوسهم على كرسي دمشق والقاهرة ـ كما سبق وقلنا ـ وصارت الأردن قوة الردع السريع القوي لضرب المعارضة في مصر أو الشام أو لقمع أي تمرّد أينما كان، ولتحرير ساحل فلسطين، وصارت قوات جيش إمارة شرق الأردن المملوكية متجانسة متدربة مسلّحة، إلى درجة أنها أول قوة استخدمت المدافع الحديثة في قصف القوى التي حاصرتها زمن السلطان الناصر أحمد بن قلادون الذي صمد في الحصار على الكرك الذي دام سنتين كاملتين، انتصر بعدها بعد استخدامه للمدافع.

كان ذلك الحصار زمن الناصر أحمد بن قلاوون على أثر اتخاذه للكرك حاضرة لدولة المماليك بدلاً من القاهرة، مما أغضب المماليك فأرسلوا قوات لحصاره لإجباره على العودة إلى ادارة الدولة من مصر وليس من الكرك ، أو التنازل عن العرش، وقد فوجئ المهاجمون بالناصر يستخدم المدافع ويقصف بها جموعهم فابتعدوا عن الأسوار، وصارت أبعد من مدى منجنيقاتهم، ووجدوه قد تفوق عليهم، بل كان يرميهم بالسهام المذهبة المفضضة (المرصعة بالفضة والذهب)، وقد وجد المهاجمون أبياتاً من الشعر على نصل أحد الأسهم:

ومن جودنا نرمي العداة بأسْهُمٍ

 

من الذهب الإبريز صيغت نصولها

يداوي يها المجروح منها جراحه

 

ويشري بها الأكفان منها قتيلها

ففشلت حملة الحصار هذه التي كانت قوات الحصار فيها خليطاً من عساكر مصر والشام. وانتصرت الاردن على مصر والشام , وانتصر الناصر احمد بن قلاوون على بقية المماليك واول من استخدم سلاح المدفعية عند العرب

وهكذا كانت تجربة المماليك مع الأردن تجربة ناضجة، ارتقت حتى صارت مركزاً لإدارة الدولة الإسلامية مما أثار حفيظة المماليك الاخرين الذين لم يتمكنوا من السيطرة عليها ، وقد وجد سلاطين وأمراء المماليك أن يأخذوا بأيدي الأردنيين من دائرة اللامبالاة بالحكام والصراع إلى أن يكونوا طرفاً فيه، وحماة لمن يلجأ إلى الكرك أو يتربى فيها أو ينتمي إليها. وقد نجحوا أيما نجاح في هذه السياسة، وساعدت الأردن على إطالة أمد حكم المماليك عامة بشكل واضح، ذلك أن لجوء الأمير أو السلطان إلى الكرك كان ينقذه من القتل في القاهرة، فإذا سلم والتجأ للقلعة الأردنية تعذّر إعلان سلطان آخر مكانه، لأنه صاحب الشرعية، أما لو بقي هناك لجرى قتله وتنصيب بديل له، مثلما حدث للأيوبي توران شاه ( اخر ملك ايوبي زوج شجرة الدر ) ، والمعز أيبك (أول سلطان مملوكي وزوج شجرة الدر ايضا ).

وقد أدرك المماليك هذه الحقيقة، فنجد من كان منهم يريد الأمن والسلامة , كان يهرب إلى الكرك , ومن كان منهم يريد التآمر في القاهرة او دمشق لا يستطيع إعلان نفسه سلطاناً , لأن ذلك أمر لم يكن مقبولاً شعبياً، ولا عند المماليك، كما أن الأمور في المرحلة التي تلت قلاوون قد استقرت سياسياً، حيث صار العرش السلطاني وراثياً، مما أوجد استقراراً سياسياً، مقابل إيجاد طبقة أمراء من المماليك رأوا في أنفسهم أعلى من السلطان وأعلى من الناس، وهم الذين يعطونه الشرعية لاعتلاء العرش، ولا بد من رضاهم مقابل استمرارهم في منحه هذه الشرعية، وإلا اجتمعوا وخلعوه أو قتلوه، إلا أن الكرك صارت ملاذاً للسلاطين الذين أفلتوا من القتل مرات عديدة، وحالات كثيرة إلى درجة أن السلطان الناصر بن أحمد بن قلادون قد خُلِع عن العرش حوالي ثلاث مرات ولكن لجوءه إلى الكرك وبقاءه فيها قد أبقى أتباعه يطالبون به، ويعود إلى عرشه إلى أن قُتل في نهاية المطاف.

وكان أهل الأردن يرون في ذلك شيئاً من الفخر والتكريم لهم ولبلادهم، لذلك شكلوا جيشاً كان يقوم بمهمتين هما: حماية المستجيرين من السلاطين والأمراء من جهة , وحماية البلاد من أي احتلال مصري أو شامي او صليبي من جهة اخرى ، ولكنها بقيت نقطة انطلاق باتجاه فلسطين ومصر وسوريا، وبقيت مركزاً لخزانة السلاح والمال والميرة والكسوة والخِلع (مفردها خِلعة)، وبقيت عصباً حيوياً للقوافل التجارية ومواكب الحجيج: وفيها إنتاج وفير، ودخل كبير.

وبقيت الأردن قاعدة للصراع السياسي والثورات، حيث انطلقت منها ثورة أولاد الظاهر بيبرس، والناصر محمد بن قلاوون، وأحمد بن قلاوون الذي قاد ثورته ضد المماليك في القاهرة، ونجح فيها، كما ثار فيها برقوق واستعاد سلطته بعد أن لجأ إليها للنجاة بروحه، كما أن القوات الأردنية حررت الساحل الفلسطيني من الصليبيين تحريرا نهائيا .

ولا شك أنها صارت مركز قلق لأي مملوك تراوده نفسه للوصول إلى السلطة في القاهرة ، لأن الأموال المخزونة بالكرك أكثر من تلك التي في القاهرة، وأهلها لا يتخلون عن المستجير بهم لأن ذلك عادة أردنية متوارثة ومقدسة .

كما بقيت الكرك بخاصة والأردن بعامة ملاذاً آمناً للأمراء والسلاطين، حيث تربى فيها العديد ممن وصلوا إلى السلطة ,اقول تربوا على الفروسية والصيد وحسن التعامل مع العشائر الاردنية ، كما كانت الكرك منفى أيضاً لأي سلطان يتم خلعه ويسلم من القتل، مثلما حدث للسلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث تم عزله عن سلطنة مصر، ونفيه إلى الكرك، ومن هناك قاد ثورته بمؤازرة الأردنيين بعامة والكركيين بخاصة، فاستعاد عرشه بالقاهرة بأهل الأردن وجيش الاردن . وقد اتخذها مقراً له ولبنيه من بعده، حيث الأمن والأمان، وبذلك سلموا من القتل.

كان الظاهر بيبرس أول من اهتم بالأردن، ومنها بدأت تطلعاته وطموحاته تنضج وتأخذ مكانها، كما سنرى. كما كانت الأردن مصدراً للقار (الزفت) من البحر الميت والكبريت الطبيعي (من حمامات ماعين) الذي كان يستخدم في الحروب وقذائف حارقة تلقيها المنجنيقات على الاعداء . كما كان يستخدم في التحنيط عند الفراعنة القدماء .

كانت الأردن مصدر الميرة لمصر وسوريا في سني القحط، حيث كانت أراضيها توفر أرزاق العساكر في الدولة المملوكية، وفي القلاع الأردنية في الكرك والسلط وعجلون . فقد كان لدى الأردن اكتفاء ذاتي في الميرة والماء والحبوب بانواعها واللحوم والألبان , وهذه كانت عماد العيش في ذلك العصر، وكان يتم تخزين الفائض من القمح في القلاع، كل منطقة بمنطقتها،وكانت تنتشر مراكز لتوزيع هذه الميرة على العربان عند الحاجة في كل منطقة، وتزويد سوريا ومصر وقت القحط بحاجتها من الحبوب الأردنية، ومن الأمثلة على ذلك أن السلطان الظاهر بيبرس أمر بتجهيز خمسمائة غرارة من الكرك يفرقها في أهل الكرك من الفقراء والمساكين، وذلك عام 667هـ/ 1268م. ومثال آخر أن القحط أصاب مصر والشام عام 695هـ/ 1295م، فحدثت مجاعات وغلاء شديد، وقد تم حمل عشرين ألف غرارة من الحبوب من الكرك والشوبك والساحل أقول حملها إلى مناطق الجوع في مصر والشام.

وبذلك لم يقتصر دور الأردن على أنها مصدر الثورات المملوكية، وموئل السلاطين الهاربين أو المتمردين، والباحثين عن الراحة والاستجمام وسط الاهل الصادقين , بل أيضاً سلّة الغلال للشقيقتين مصر والشام وفلسطين ايضا , وهذا يبيِّن أن المماليك نجحوا في تحويل طاقات الأردنيين من دائرة اللامبالاة، وعدم التدخل بالصراع، إلى دائرة الموالاة والتحكم بالصراع، فنجحوا ( الاردنيون ) في الأولى في صراعهم من أجل البقاء، ونجحوا ( الاردنيون )في الثانية في صراعهم للاستمرار في البقاء، وبدل تدمير ممتلكاتهم وغلاتهم كما كان الأمر على يد صلاح الدين أكثر من مرة، فقد سادت زمن المماليك سياسة التعمير للبلاد، وزيادة الإنتاج، وبدل أن ينظر الأردنيون إلى الجيوش تروح وتأتي دون أن يعيروا لها بالاً أو يقاوموها صار لهم قواتهم المسلحة، فدعموها ووقفوا إلى جانبها، وانعدمت البطالة لفتح باب التجنيد منذ زمن الظاهر بيبرس وما بعده حتى نهاية العصر المملوكي، حيث بقيت الأردن في الواجهة وعلى الخارطة السياسية. بل صارت هي اللاعب الرئيس في الاحداث والمنطقة .

كما صارت الكرك/ الأردن قاعدة للتآمر على من حولها ايضا ، وهذه حقيقة تاريخية تكرّ?Zست زمن الصليبيين ثم صارت واضحة زمن الأيوبيين، وصارت ظاهرة واضحة زمن المماليك، ونستطيع القول أنه لا يوجد ملك أيوبي اتخذ من الكرك معقلاً له إلا وتطلع لأخذ الشام ومصر أو أحدهما، وقد ذكرنا ذلك بالتفاصيل عند الحديث عن الأيوبيين، حتى إذا ما اعتلى المماليك عرش السلطنة بالقاهرة كانت أول مؤامرة ضد المماليك قادمة اليهم من خارج مصر، جاءتهم من الأردن، عندما أرسل الملك الأيوبي المغيث بجيش للقضاء على المعز أيبك وقطز. وبيبرس الذي وضع نهاية للمغيث والذي كانت نهايته أن صار اسمه الملك المغيث قتيل الصرامي / القباقيب كما قلنا.

كما حاول المغيث ( انطلاقا من الاردن ) أخذ الشام والتآمر على أبناء عمه في دمشق ففشل، كما راسل التتار للتآمر معهم ضد المماليك ومصر والشام مقابل أن يكون سلطاناً على هذه الديار، وقام قطز باعتقال ولده (ولد المغيث ملك الكرك / الاردن انذاك ) في الشام عندما كان هناك (ابن المغيث الأيوبي) يحوك المؤامرات ضد السلطان قطز في دمشق فقبض عليه ونقله إلى مصر وحبسه، ولم يخرج من الحبس إلا بعد عشرين سنة، بأمر من السلطان بيبرس كخطوة خداعية للملك المغيث ليستدرجه إلى مصر وينتقم منه لما قيل أنه كان اعتدى على زوجة بيبرس والله أعلم.

وعندما أراد الأيوبيون استرجاع عرش مصر من المماليك أوكلوا مهمة التآمر هذه للملك المغيث بالكرك الذي سارع بتجريد ثلاث حملات عسكرية اردنية إلى مصر، قبل أن تصله نجدات من الشام، ولكن هذه الحملات التآمرية لم تلق إلا الهزائم المتتالية . إلا أن المغيث تآمر مرة أخرى على ابن عمه ملك دمشق يريد عرشه مما حدا بالملك الناصر يوسف ملك الشام أن يتحرك باتجاه الأردن لتأديب الملك المغيث، فخيم في زيزياء، والتقى بقبائل جذام الذين نصحوا الا تكون الاردن ساحة للصراع بين ابناء البيت الواحد , وجرت المراسلات، ثم الصلح بينهما، ومن صفقة التآمر هذه أن المماليك الذين استجاروا بالمغيث من نار الناصر يوسف ( ملك الشام ) تم تسليمهم للناصر يوسف فأخذهم معه إلى دمشق ثم سجنهم في قلعة حلب مما أوغر صدور المماليك في مصر أيضاً غضبا لعرقهم من المماليك المسجونين .

كان غالبية هؤلاء المماليك ضحايا التآمر الخسيس الذي صدر عن الملك المغيث ملك الكرك قد تحولوا الى جبهة الرفض المملوكية في مصر , وسعوا جهدهم للصلح ما بين عز الدين أيبك/ سلطان مصر، والملك الناصر يوسف ملك دمشق، وكانوا من المماليك البحرية الذين اشترطت بنود الصلح عدم إيواء أحد من البحرية الهاربين من مصر، فأواهم المغيث بالكرك ثم تآمر عليهم وسلمهم للناصر يوسف الذي أودعهم سجن قلعة حلب لانه كا يريد منهم ان يقفوا معه وليس مع اصلاحه مع عزالدين ايبك , لان الملك الناصر يوسف يرى انه السلطان الشرعي لمصر وليس عز الدين ايبك ( المملوك ) وبالتالي لاتجوز المصالحة معه لان المصالحة تعني الندية والاعتراف بشرعية المملوك انه سلطان .

وأكثر الكتب تفصيلاً عن المماليك في الأردن، هي التي كتبها الأستاذ الدكتور يوسف حسن درويش غوائمه في كتابيه: التاريخ السياسي لشرقي الأردن في العصر المملوكي/ المماليك البحرية، وإمارة الكرك الأيوبية، والحقيقة أن المؤلف بذل مجهودات مشكورة في كتابيه هذين، وفيهما من التفصيلات الدقيقة عن وقائع التاريخ الأردني في هذا العصر ما ألقي الضوء على العصر الأيوبي والمملوكي وما يغنيني عن الخوض في مزيد من التفاصيل هنا , فنحن نتحدث عن محطات في تاريخ الاردن وعشائره . ولم تقع يدي على كتب مفصّلة في هذا الشأن عن الأردن كما الامر في هذين الكتابين، ويستحق المؤلف احترامنا وتقديرنا لذلك، كما أن كتاب المؤرخ الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت بعنوان مملكة الكرك يلقي الضوء على هذه الحقيقة أيضاً.

من هنا، فإن حديثنا عن العصر المملوكي لن يكون مفصّلاً لأن الكتب الثلاثة أعلاه التي كتبها الاستاذان الفاضلان تغني عن ذلك، أما نحن فإننا نركز على محطات في تاريخ الأردن، ونقف لغايات التحليل للتوصل إلى فكر وطني يعتمد من جملة ما يعتمد عليه حقائق التاريخ التي تبيِّن أن الأردن لم يولد عبثاً، ولم يولد في القرن العشرين، بل انه بلد له كيانه وشعبه وهويته بنفس الاسم، شرق الأردن منذ ثمانية قرون ونيف.وانه موجود كوطن وكيان وشعب وهوية وثقافة منذ الاف االسنين . كما أن الخوض في تفاصيل أحداث السلاطين المماليك يأخذنا للحديث عن بلدان خارج الأردن، وهو ليس مجال كتابنا ولا موضوعه أصلاً.

عندما ساد الاستقرار إمارة شرق الأردن في النصف الثاني من العهد الأيوبي، وعند تحرير البلاد من الاحتلال الصليبي، صارت الأردن ديار استقطاب لثلاث فئات هي:

1. الحكام الذين يريدون الاستقرار ويبحثون عن ملاذ آمن.

2. عودة بقية وبقايا العشائر الأردنية من نجد والحجاز ومنطقة العلا والجوف ووادي السرحان والبادية السورية، وجزيرة الفرات وسيناء ومصر والعراق ، أقول عودتهم إلى بلادهم , وعمّروها وتمت إعادة توزيع الأراضي والديار على أصحابها الأصليين والتحق كل عائد بعشيرته الاصلية اينما كانت في ربوع الاردن .

3. ظهور العشائر الأردنية التي بقيت في ديارها أو على أطراف البادية، وبذلك برزت هوية جديدة انصهرت فيها هذه العشائر جميعها ضمن ما سمي بإمارة شرق الأردن التي امتدت من العلا إلى الوجه إلى العقبة إلى هضبة الجولان ومن تيماء ودومة الجندل، ووادي السرحان إلى نابلس متضمنة طبرية والغور وبيسان وأريحا، وصار للشعب قائد هو ملك الكرك، وعاصمة هي الكرك , وللبلاد حدود يتحرك فيها الناس هي التي ذكرناها , وللوطن جيش اردني ينظم إليه العاطلون عن العمل والميالون إلى الفروسية والراغبون في الحرب بدلا من ممارسة النهب والسلب، لذلك نجح الجيش الأردني لأنه متجانس التركيب،في مهماته وحروبه , فهو متجانس من أبناء العشائر ويعتبر النكوص أو الهزيمة عارا على المنهزم وعلى أهله وإخوانه وأولاده وبناته، وبذلك شكلت العادات الأردنية ضابطاً لهم في الحرب والصمود يفوق الأوامر الصادرة إليهم من قياداتهم.بل ان قياداتهم تعلمت منهم الانضباط والفروسية

كما أن الخيانة ليست في ثقافة الأردنيين لأن ذلك عيب، حيث المثل الأردني يقول:

أهل البوق ما تنتهض فوق

whom he betrays the others will never be ahead or above people.

من هنا فإن الأيوبيين والمماليك أدركوا هذه الصفة في الأردنيين وهي أن الغدر أمر مشين ومعيب في ثقافتهم وعاداتهم، وقد جذب هذا الأمر سائر الملوك والسلاطين والأمراء الباحثين عن الأمن والأمان لانه لاتوجد خيانة عند الاردنيين ، وأيضاً كان ذلك عامل طرد للخونة الذين لا يجدون في أهل الأردن من يأخذ بأيديهم نحو الخيانة، ورغم أن الأردن استخدمت من قبل بعض ملوك الأيوبيين وسلاطين وأمراء المماليك مركزاً للتآمر، إلا أن ذلك كان على المستوى السياسي والملوك والقيادات ولم يكن على مستوى الشعب الأردني الذي يرفض ذلك رفضاً باتّاً.

ازداد الاستقرار والازدهار زمن المماليك، وأكثر ما كان زمن الظاهر بيبرس الذي عرف البلاد وهو يخدم في بلاط الملك الأيوبي المغيث . وكان (بيبرس) قائد القوات الأردنية في حرب عين جالوت ثم صار قائد القوات العربية في تلك المعركة، وكان على علاقة حسنة مع العشائر، ومعرفة شخصية من خلال وجودهم بالجيش، وجولاته في مضاربهم للصيد والتعبئة والتجنيد، والعلاقات العامة، لذلك نجد أن بيبرس غدر بقطز خارج الساحة الأردنية ـ في مصر، ولو فعلها في الأردن لكانت نهايته , وهو يدرك ذلك لأن الأردنيين يكرهون الغدر والبوق. ولو قتله في الاردن لقتله الاردنيون ( اي لقتلوا بيبرس )

عندما آلت الأمور إلى الظاهر بيبرس وقتل الملك المغيث في مصر عن طريق الصرامي، حتى سمي: قتيل الصرامي، كان أول اهتمام لبيبرس خارج القاهرة بعد أن استقرت له الأمور أن ذهب الى الاردن , الى الكرك . لم يستطع بيبرس ان يقتل المغيث في الاردن لان ذلك سيعتبر خيانة منه ضد الملك في ديار شعب لايعرف الخيانة , وهو الشعب الاردني , ولكنه استدعاه الى القاهرة وهناك قتله بطريقة مضحكة كما قلنا

لقد كان غدر بيبرس بالسلطان قطز ثم بالملك المغيث قد أثار الأردنيين عليه ( على بيبرس ) رغم أنه لم يقع على الأرض الأردنية، وقد حسب بيبرس لغضب الأردنيين ألف حساب، وهو يعرف أنه لازال هناك في الشام ملك ايوبي عرش دمشق، وبالتالي فإن انضمام الأردن إلى الشام ستؤدي إلى فقدان بيبرس لسلطانه في مصر، حيث لا زال موضع كره لدى نسبة عالية من قطعان المماليك والذين كانوا يحملون اسم الامراء ( امراء المماليك ) .

تحرك بيبرس لاحتواء الموقف في الأردن وكان تحركه على ثلاثة محاور :

الأول: إرسال مندوبيه إلى قلعة الكرك والالتقاء بحاميتها وغالبيتهم من الجيش الأردني واللقاء بعربان الكرك، يحذرهم عواقب العصيان، ويتحدث إليهم بلغة هي مزيج من الحلم والحزم، واللين والشدة والترغيب والترهيب، وحمل المندوبون الأموال والكسوة والخلع والنفقات لتوزيعها على ذوي الشان في العشائر الاردنية , وذلك لاستمالة القلوب الحاقدة، وتطبيب النفوس الغاضبة ووقف وتطويق اية نشاطات معادية لبيبرس وسلطاته .

والثاني: أنه أطلق سراح جنود الملك المغيث الذين جاءوا معه إلى مصر قبل وفاته، وجلهم من الأردنيين وخلع عليهم وأعطاهم المال وطيب خواطرهم، وسمح لهم بالعودة إلى ديارهم وأهليهم بالأردن محملين بالأموال والهدايا، وصرف لهم الرواتب السابقة كلها رغم أنهم لن يكونوا على رأس عملهم لفترة طويلة ـ معتبرا اياها إجازة براتب.

أما الثالث : فكان تحركه شخصيا إلى الديار الأردنية، ترافقه قوة عسكرية قوامها: من المماليك والمصريين والأردنيين الذين رغبوا الالتحاق به وكان حريصا ان يكونوا معه , وذهب إلى القدس وزار الأماكن الإسلامية المقدسة وأمر بإعمارها وترتيبها، وإنفاق الأموال التي تحتاج إليها، وكان ذلك لتحسين صورته لدى أهل الأردن وفلسطين أنه مهتم بالقدس التي حررها الجيش الأردني على يد الملك الأيوبي الناصر داود كما سبق وذكرنا.

وبعد ذلك ذهب إلى الأغوار الأردنية والتقى عشائر الشمال بناء على طلب مسبق منه عند مقام ابي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه , وقد وفدت شيوخ ووجهاء عشائر شمال الاردن الذين اشتركوا في معركتي حطين وعين جالوت واستقروا مرابطين هنا للدفاع عن جبهة الاردن ضمن مايمكن ان نسميه جيشا مقاتلا ولكن بدون رواتب , وهم منظمون على اساس عشائري يقوم زعماء العشائر عندهم بوظيفة القائد العسكري , ولا داعي لتكرار اسماء هذه العشائر الكريمة وسوف نتطرق اليها بالتفصيل فيما بعد ايضا ان شاء الله .

, ثم ذهب إلى عمان والتقى عند عين عمان ( موقع امانة العاصمة حاليا ) بعدد من عشائر جذام ( العبابيد ( بني عباد وكانت زعامتهم في الجرمي / الجروم ) وبني حميدة وبني عجرمة والدعجة , وعشائر البلقاوية ( بلقين سابقا / قبل الاضطهاد العباسي ) وقضاعة وبني سليح وبني عاملة وابو حمور باعتبار ان عمان جزءا من مقاسمهم العشائرية من جهة , ولتوفر الماء على راس سيل عمان , وتوفر المراعي في سهول عمان الغربية من جهة اخرى . وفي نبع حسبان التقى العجارمة وبني حميدة وبني كلب ( العوازم ) والازد ( الازايدة ) ولخم ( ابو الغنم / بضم الغين وسكون النون ) , ثم توجه الى قلعة حسبان وعززها ودعمها لتكون محصنة , ثم توجه إلى بركة زيزياء حيث التقى مع القسم الاخر من جذام وهم بني صخر وكانت زعامتهم انذاك في بني زهير ( احفاده ابن زهير / وفيهم مشيخة الجبور من بني صخر الان ) هناك وخلع عليهم وعلى بني صخر شيوخا وافرادا ، وبذلك طاب خاطر قبائل البلقاء من نهر الزرقاء إلى الموجب الذين توافدوا عليه في الأغوار وأريحا وعمان وحسبان وزيزياء، وكانت هذه الرحلة أثناء شهر شباط ونيسان لأنه وصل الكرك قادماً من زيزياء في 4/5/1263م.

كان ربيع الأغوار في شباط وجبال البلقاء في نيسان رائعاً، يسرّ الناظرين، وكانت رحلة جميلة ومريحة للسلطان، وقد تجمع العربان، ونحروا وذبحوا وقدموا الأطعمة إكراماً للضيوف والسلطان، وقدموا له هدايا الأنعام المسماة قوايد، مفردها قوادة qawaid – single quadah.

A head of animal given as present to other party for slaughtering as sacrifice.

بعد زيزياء مرّ باللجون في الكرك والتقى عدداً من العشائر هناك : التقى بني عقية والغساسنة ونصارى الكرك والانباط ( الحويكات واللياثنة وبني عطية ) ، وأحسن إليهم، وقدموا له الشكر أنه أرسل مندوبية بالمال والكسوة والعطايا والهدايا، وصار الحديث أن الدنيا دول وتداول، وأن لكل زمان دولة ورجال، وأنه لا داعي للبكاء على الأطلال فقد ولّى عصر الجاهلية والايوبيون إلى غير رجعة. واتفق الجميع على ذلك .

لا بد من القول أن مندوبي بيبرس أقنعوا الناس بالحسنى والتهديد في ان واحد , وأن الدنيا تغيِّرت وأن ما مضى من أيام وملوك لن يعود منها أحد، وبالتالي عليهم أن يخضعوا للأمر الواقع وان يرحبوا بالسلطان بدل الثورة عليه . وبعد مداولات قام بها مسبقا مندوبو السلطان شملت زعامات العشائر، وأخذهم من الأموال والكسوة ما أرضاهم، اتفقوا على تشكيل وفد منهم للالتقاء بالسلطان في وادي الموجب باللجون، وعلى رأسهم أولاد الملك المغيث وهو الملك العزيز فخر الدين الذي استنابه والده المغيث عند خروجه إلى مصر في سفره الذي انتهى بقتله بالصرامي/ مفردها (صرماية)، كما صحبهم قاضي مدينة الكرك الشرعي وخطيبها.

سار هذا الوفد من شيوخ العشائر الأردنية في ديار الكرك ومن بقايا سلطة الأيوبيين، ودخلوا على سرادق السلطان الذي كان منصوباً على نبع ماء اللجون في أعلى الموجب، وطلبوا الأمان والصفح، حينها أدرك بيبرس أن مندوبيه قد ادواوالمهمات وحققوا الأهداف بكفاءة عالية. وكان الأمر على الطريقة الأردنية في المصالحة بين المتخاصمين وبوس اللحى , أن يطلب المخطئ الصفح ممن وقع عليه الأذى، والأمر هنا أن الأردنيين وأبناء المغيث في موقف المعتدي (؟!) والظاهر بيبرس في موقف المعتدى عليه ؟؟؟؟ . والحقيقة هي العكس . انها موازين القوة والمال والسلطان .

ولا شك أن الزمن الذي قضاه بيبرس في الكرك قد علّمه عادات الأردنيين في حلّ الإشكالات عن طريق الجاهات وطلب الصفح، وإعلان العفو والمسامحة، ومبدأ ( هاللحى من هاللحى نظاف ) وكذلك كان منه ذلك إذ أجاب الظاهر بيبرس طلب شيوخ العشائر وأولاد المغيث وأعطاهم الأمان وخلع عليهم، وصرف لهم الأموال الكثيرة حتى طابت نفوسهم، وكأنه يدفع دية الملك المغيث سلفا ولكن ليس لولديه فحسب، بل ولرعية عربان الكرك قاطبة .

كان شيوخ الشمال والبلقاء والأغوار يرافقون الملك الظاهر إلى الكرك حيث تدفقوا للتدخل لإصلاح ذات البين، بين السلطان وبقية الاردنيين , ولكي يحضروا قرارات السلطان الهامة في اعادة توزيع الامارات زالشيخة بين العشائر وبذلك كان الجو احتفاليّاً ومبايعة أردنية للسلطان الجديد (بيبرس)، وبقي السلطان في اللجون واستضاف أبناء المغيث وشيوخ العربان، وأخذ مفاتيح مدينة الكرك وقلعتها وأعطاه لمندوبيه لفتحها والإيعاز لحاميتها وأهلها أن يرفعوا الزينة ويدقوا الطبول فرحاً بمقدم السلطان عند دخوله في الأيام القادمة، وقد تسلمها المندوبون يوم الخميس وأرسلوا البشائر للسلطان أن يتقدم ومعه زعماء الأردن من اليرموك إلى العلا حيث حضروا جميعاً للمبايعة والمباركة والمشاهدة، ومعه أبناء المغيث والجنود الأردنيين، والجنود المماليك.

من الواضح أن الظاهر بيبرس أراد الدخول يوم الجمعة لأنه يوم مقدس عند المسلمين وله الأفضلية على سائر الأيام، ولكي يصل الجمعة في مسجد القلعة ، ويسمع الدعاء له على منابر الكرك لأول مرة وهو يستعرض ذكرياته عندما كان هائماً في الكرك لا وزن له ولا قيمة، ثم في حاشية الملك المغيث، ثم قائداً لجيشه ثم صديقاً للعربان من حوله، إنه شريط لا بد وقد صعد إلى ذهن السلطان الظاهر بيبرس الذي جاء طفلاً مملوكاً من وراء بحر قزوين إلى مصر، ثم تربى في بلاط الملوك الأيوبيين خادماً لهم وحارساً لهم ثم صار سلطاناً عليهم وصار بإمكانه قتل ملك من ملوكهم بالصرامي.

لا بد أنه قرأ في نفسه الآية القرآنية الكريمة: ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير ) فسبحان الله رب العالمين. وبالفعل دخل السلطان صبيحة الجمعة إلى أسوار المدينة، ووقف عليها والناس من حوله يهتفون ويكبرون "الله أكبر" ولا شك أنها كانت لحظات مؤثرة وهو بذلك متفهم تماماً للأمثال الأردني: صابح القوم ولا تماسيهم sabih il-quum wala itmasiehum.

It in more better to start with others in the morning (openning of the day) not at night (i.e. after sunset).

والمثل الأردني: خذ النهار من أوله start your day right from the beginning.

وارتفعت الأعلام والزينات على الأسوار، وسار السلطان إلى القلعة حيث جلس في قاعة العرش الناصرية التي أنشأها الملك الناصر داود الأيوبي، والتي كان بيبرس مملوكا فيها يقدم الخدمة للملك الايوبي المغيث , وسجد الظاهر بيبرس شكرا لله. لقد كان واحداً من العساكر في هذه القلعة، وكاد الاعتقال أن يناله ليؤخذ إلى دمشق مع مجموعة المماليك الذين سلمهم المغيث إلى الملك الناصر يوسف ملك الشام، ولكن الله أنجاه، ولا شك أنه تذكر ما في يده من كتلة دهنية بارزة كالخرزة الكبيرة، وكانت تعتبر علامة تشويه في يده، وسخر منه الملك المغيث ملك الكرك بسببها وهم على مائدة الطعام في هذه القاعة ذات يوم عندما كان المغيث ملكا وبيبرس مملوكا عنده ، فسأله المغيث عن هذا التشويه في يده ؟، فقال بيبرس مازحا : إنها خرزة الملك، مما نبّ?Zه المغيث إليه، وشعر أن هذا الظاهر بيبرس يحمل في صدره ورأسه مطامع للوصول إلى العرش، فكان ما كان من المغيث تجاه بيبرس وزوجة بيبرس ، وكانت ردود الفعل والحيل والخدع حتى قبض على المغيث وقتله شرّ قتلة وأسوأها بعد سنوات طوال .

إن هذه الذكريات لا بد وأنها تثير المشاعر، ومن حول الظاهر زعامات الأردن التي كانت تجلس في هذه القاعة تقدم الموالاة للمغيث دون أن يلقوا بالاً للظاهر بيبرس وهو مملوك بين يدي المغيث ، وهم الآن يبايعونه ويقدمون له الموالاة والطاعة وينسون الملك النغيث ولا يتحدثون عنه بكلمة واحدة طيبة , والكل يعرف ماذا صنع مع بيبرس : إنه الملك يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء.

أراد بيبرس أن يظهر للأردنيين بعامة وأهل الكرك بخاصة أنه منهم ويحبهم فأمر بإعمار القلعة واستدعى النجارين وأهل الصنائع من الشام وعجلون، وذلك لمزيد من التحصينات، وفتح مصنعا للسلاح في هذه القلعة لتتوفر الأسلحة للناس، لأنه كان يعدّ العدة لأشياء أخرى، ولا شك أنه يريد استرضاء الأردنيين بأية طريقة ليكونوا عوناً له ولأولاده من بعده، وهذا ما كان.

وأما الأمر الآخر الذي أصدره، فهو العفو العام عن جميع الأردنيين، وصرف الرواتب للجنود بعد حرمانهم منها لعدة أشهر، وأعطاهم الخيل والجمال والبغال وأعلافها، وحوّ?Zل الجيش من مشاة إلى فرسان وهجّانة، حيث أنه عمل كما عمل ملوك مديان الذين شكلوا أول سلاح هجانة في تاريخ الأردن قبل الميلاد بمئات السنين، واستفاد مما فعله الصليبيون الذين استغلوا الفرسان الأردنيين في تدريب جنود الفرنجة والقتال على جبهات أخرى، كما فعل الرومان أيضاً إذ كان هناك جيش أردني من الفرسان والهجانة في سائر المراحل الرومانية وما قبلها ، وقد كان قوام هذا الجيش العربي الأردني في معركة مؤتة مائة ألف فارس أردني من العشائر الأردنية، وكانوا في تلك المعركة (مؤتة) يضعون الجنود الرومان وعددهم أيضاً مائة ألف، دروعاً بشرية بينهم وبين المسلمين. اذن نحن امام تاليف سلاح للهجانة للصحرا والبادية وسلاح للفرسان والقرى ومشاة داخل القرى والبلدات ومعهم خيولهم ايضا . انه يوس لادارة حقيقة بمفهوم ذلك العصر . وقد تجاوب معه الاردنيون كثيرا على مبدا ( اللي ياخذ امي هو عمي ) فمن اخذ امهم وهي تاللسطة هو الظاهر بيبرس الان , وبالتالي هو العم / اي ولي الامر والذي يمكن الانتفاع منه .

نحن نرى أن الظاهر بيبرس استفاد من سائر تجارب الأمم والدول في التعامل مع الأردنيين والذي لا يكون إلا من خلال ثلاث خصال: المال، السيف، اللطف. فهو قد بذل المال أولاً، بعد التهديد والوعيد، فصار الخيار أمامهم إما السيف والانتقام والموت، أو المال والحياة والطاعة، كما جاء اللطف منه على شكل عفو عام وهدايا وأعطيات حتى دانت له الأردن باللطف والمال وليس بالسيف والموت .

وبناء عليه استفاد من فروسيتهم فشكل سلاحاً اردنيا للفرسان، واستغل إتقانهم لركوب الإبل وتربيتهم لها، فشكل سلاحا اردنيا للهجانة، ولم يعد عنده مشاة بدون رواحل ، وكان ذلك أعظم استمالة لقلوبهم . فالاردني يبح الخيل والابل والسلاح وهذا ماوفره لهم السلطان بيبرس . فالجندي المشاة صار يركب فرساً أصيلاً أو هجيناً مدرّباً، ويتقاضى راتبا شهريا , وصار يتفوق على الآخرين، وصار في القلعة مصنع سلاح يتزوّ?Zد منه في أي وقت وعند الحاجة بما يريده، وصار صرف الرواتب , فضلا عن المكافئات ثمناً للعليق والسروج والأشدّة (مفردها شداد ـ وهو ما يوضع على ظهور الإبل عند الركوب، وتسمى الأكوار ومفردها كور)، وزاد في ذلك أن أعطاهم رواتب ثلاثة أشهر سلفاً، وبذلك كانت أول سلفة تعطى من سلطان أيوبي او مملوكي للجنود الأردنيين بخاصة عن سائر الجنود الاخرين ، وقد زاد هذا في حبهم وموالاتهم له.

الملفت للنظر أن بيبرس أمر بأن تبقى الممتلكات السابقة بأيدي أصحابها من العشائر ، وهو امر يجب التوقف عنده لانه يعني عودة الكثير من العشائر التي شاركت في حطين وعين جالوت , ومنهم من عاد بعد انتهاء الاضطهاد العباسي و فضلا عما حدث من قتال وقتل بين انصار الايوبيين الذين افل نجمهم وبين من فرح للخلاص منهم ورحب بدولة المماليك . لذا فقد تعامل مع الدماء بالحفار والدفان ( عادة اردنية قديمة اشرنا اليها في الحلقة السابقة ) , كما اقام الصلح بين الخصماء ودفع الديات من قبل السلطان , واما الاراضي فاعاداها الى اصحابها , وأعاد أموال أبناء الملك المغيث وأحسن إليهم وأخرجهم من القلعة إلى عين سارة في وادي الكرك بانتظار أوامره، وبذلك ارتاح منهم، وأبعدهم عن أنظار أتباعهم الأردنيين . ثم استدعى الزعامات الرئيسة والفرعية من عربان الكرك وبلغ عددهم أكثر من ثلاثمائة، وتحدث إليهم إذ أعطاهم المال والسلاح، وخاطبهم قائلاً: "إنكم قد أسأتم إليّ?Z وعفوت عنكم لكونكم ما خامرتم على صاحبكم وقد ازددتم بذلك محبة عندي".

وبذلك نجد أن بيبرس كان مدركا تماماً لصعوبة الغدر عند الأردنيين , وما قام به من غدره لقطز والملك المغيث ملك الاردن الايوبي , فهم ( الاردنيون ) لم يغدروا الملك المغيث (ما خامرتم على صاحبكم ـ أي لم تغدروه ولم تغشوه) وهذا ما زاده حباً فيهم واحتراماً لهم. وفي رأيي أنه لم يكن لديه خيار آخر أصلاً، وأنه إنما قال ذلك فقط لاستمالتهم، وهم مدركون لذلك تماما فالادرنيون يتظاهرون بعدم فهم الحقيقة وهم يعرفونها موجزا وتفصيلا .

لقد احسن صنعا أنه أجرى الصلح العشائري بين الغرماء الذين وقع بينهم ثأر من ابناء العشائر الاردنية ، ولا شك أن القتل كان بسبب اختلاف الموالاة بين الأيوبيين والمماليك كما قلنا توا ، بين من استغل ذهاب دولة المغيث ونهب حلال وأرض من كان مخلصاً له، وبين من كان يتربص الدوائر بالأيوبيين .وبذلك حدث زمن الظاهر وبحضوره ما يسمى في عرف الأردنيين، حفار ودفان digging and burying على ما غبا وبان، وكان اول حفار ودفان اردني عشائري في الاردن . وقد وقع حفار ودفان أيضاً في الكرك ما بين الحويطات وزعيمهم الشيخ حمد بن جازي شيخ مشايخ الحويطات في حينه ، وبني صخر وزعيمهم مثقال بن فايز شيخ مشايخ الصخور في حينه عام 1924 في بداية تأسيس الإدارة بالأردن زمن الانتداب البريطاني . وان بيبرس بعمله هذا قد اعاد التحام والتئام العشائر الاردنية معا

إن هذه العادة الأردنية بالعفو العام لا بد وأن يرتبط بها حفار ودفان digging and burying بين الخصماء، وهذا ما أدركه الظاهر بيبرس الذي بدى متمرّساً بالعادات الأردنية بشكل واضح وجهز نفسه لمثل هذا الموقف منذ كان مملوكا عند المغيث الايوبي في قلعة الكرك . وكما انتهى الأمر بالصلح والوئام زمن الظاهر بيبرس كذلك حلّ الوئام بين أقوى قبيلتين أردنيتين حتى منتصف القرن العشرين عام 1924، وهما الصخور، الحويطات من خلال مؤتمر عشائري حضره شيوخ الصخور والحويطات وشيوخ الكرك، وهو نسخة واضحة لما حدث بالكرك نفسها عام 1263 أي قبل ستمائة وواحد وستين سنة من الصلح العام الحويطي الصخري.

واتخذ الظاهر بيبرس خطوة أخرى، إذ ملأ شواغر الوظائف في إمارة الكرك من أهل الكرك وسائر الأردنيين، فيما يشبه الحكم الذاتي، وأبقى القرار الأعلى في القلعة لنائبه فيها، وأبقى الحامية خليطاً من الأردنيين والمماليك والمصريين , ليكون التوازن وحتى لا يطغى عنصر على الآخر ويقوم بانقلاب عليه، وليكون كل طرف عيناً على الأطراف الأخرى، وسيّر سلاحي الهجانة والفرسان لحفظ الأمن في البلاد في جبالها وباديتها وقراها ، مرتبطين بنائبه في قلعة الكرك، ولم يفرق بين النصارى والمسلمين منسجماً بذلك مع ثقافتنا الأردنية التي لا تعرف العنصرية والتفرقة بين الفئتين لأنهم أصلاً أقارب ومن قبائل واحدة من حيث الدم .

وأكرم العلماء والموظفين أيضاً، بحيث زاد كرمه وسماحته على سائر من سبق من الملوك والأمراء، وأرسل إلى دمشق وحلب وحماه أن يرسلوا فائض إنتاجهم من الميرة والذخائر والأسلحة لتخزينه في الكرك، في حركة واضحة أنه وضعها الملاذ الامن والخيار الأول بعد القاهرة إذا شعر بالخطر هناك والمنطلق الذي يشنّ منه حملاته لاستعادة سلطته اذا فقدها في دمشق او مصر او فلسطين ، وأن تكون الأردن قوية عسكرياً واقتصادياً وتماسكاً اجتماعياً بحيث يضرب بهم أي تمرد شامي أو تمرد مصري او فلسطيني .

وبذلك صارت الأردن مركز قوة الردع السلطاني، ومخزن المال والغلال والسلاح والذخيرة، والصناع ثم جمع أهالي الكرك وحلف المسلمون على القرآن والنصارى على الإنجيل بالإخلاص له، بعد أن أشبعهم مالاً ولطفاً وكسوة وكل شيء، وحقق طلباتهم وأراحهم من الدماء والثارات، وضبط أمور البلاد وصرف الأرزاق للناس والرواتب، ثم طلب من نائبه في الكرك أن يحلف يمين الإخلاص للظاهر بيبرس ثم لولي عهده وابنه (ابن بيبرس/ الملك السعيد ) من بعده. وأمر بكتابة الوثائق بذلك مع التواقيع والشهود. ولم يفعل ذلك الا في الاردن امام شيوخ عشائر الاردن جميعا من هضبة الجولان الى العلا ومدائن صالح , لانه يعرف صدقهم ولانه اكرمهم على سائر ابناء الرعية , ولان الكرك والاردن منيعة وهي متداخلة مع الشام ومصر وبلاد الحرمين الشريفين . لذا بدا بمبايعة ابنه من الاردن وبالذات من عاصمتها وهي الكرك المحروسة . وبذلك نرى ان كل مافعله انما كان ضمن مخطط واضح في ذهنه مسبقا .

وهكذا برزت نوايا الظاهر بيبرس أن تكون الكرك والأردن وأهلها ملاذاً له ولأولاده، يجدون الاخلاص والمال والسلاح والغلال والجيش الكافي لتحقيق الأهداف المرجوة بالحفاظ على العرش أو استعادته إن فقدوه. كما أضاف الشوبك وبلادها إلى الكرك أيضاً وأصبحت إمارة الكرك تضم البلاد من اليرموك شمالاً إلى العلا جنوباً، وإن كانت عجلون ذات حكم ذاتي يتبع الكرك تارةً والسلطان تارة أخرى حسبما هي غايات السلطان وما يخدمه، ولكنها ضمن إمارة الكرك على كل حال.

وبعد أن رتّب الأمور العامة خطا خطوة في منتهى الذكاء وهي إيجاد السلطة الموازية، وبمعنى آخر صار وضع السلطة في الأردن معقّداً، بحيث لا يحل عقده إلا السلطان وأولاده. فنائب السلطان من المماليك، وطاقم الموظفين من أهل البلاد، والجيش من ثلاث عناصر: أردنية ومصرية ومماليك، وسلاح الهجانة وسلاح الفرسان كلهم أردنيون، يتبعون الوالي، ثم كان شيوخ العشائر ولهم رواتب وكسوة واحترام وتقدير ولهم رجالهم المقاتلون فيما يسمى في عصرنا مليشيا لكل شيخ يمكن ان يساعدوا السلطان اذا احتاج اليهم لانه ولي نعمتهم ونعمة شيخهم .

وبعد هذه الخطوات الهامة بقيت الخطوة الأخيرة وهي : عمل الانقلاب العشائري من داخل العشائر ( مايسمى بسياسة الانفجار من الداخل ) وإيجاد سلطة موازية تتحكم بالعشائر وقادرة على قهر الوالي إذا ثار على السلطان، لأنه جعل موالاة هؤلاء العشائر للسلطان مباشرة وليس لنائبه في الكرك. اي دولة داخل دولة / ان جاز هذا التعبير

كانت الزعامات العشائرية بين فئتين، فئة تربت مع الأيوبيين ولقيت منهم الدعم، فأخلصوا إليهم، وأن الظاهر بيبرس كان يعرفهم أثناء خدمته في البلاد هائماً مشرّداً، وضابطاً وقائداً للجيش الأردني، ووجد أن هؤلاء الذين انتفعوا من بني أيوب على مدى سبعين عاماً، لن يكون بمقدورهم تغيير موالاتهم برمشة عين أو بين يوم وليلة، وأن إصلاحهم أو إخراجهم من حظيرة الأيوبيين إلى حظيرة المماليك يحتاج وقتاً طويلاً، كما أن بقايا الأيوبيين لا زالت في الشام وأطماعهم لا تنقطع بالكرك، وبالتالي سيتصلون بهؤلاء ويقومون بالثورة، ويزوّدونهم بالمال والسلاح والغلال والرجال اللازم لذلك. وفئة لقيت الاضطهاد والتشريد على ايدي الايوبيين , وااكثر المتضررين من الايوبيين كانت عشائر عباد وبعض عشائر جذام مثل ابن مهدي والصخور والحمايدة وبني حماد وبعض الغساسنة .

من هنا وجد الظاهر بيبرس أن الأنسب والأفضل هو إيجاد رجالات له ومشيخات جديدة من صنائعه ويكونوا من القبائل نفسها ، ويختار ممن لم يكن للايوبيين عليهم يد الاحسان , وانما اراد بيبرس ان يقدمهم على من كان مواليا للايوبيين ,وبالتالي يعينهم ويدعمهم ويوكل إليهم المهمات اللازمة، فاختار بني مهدي من بطن طريف من جذام، حيث أمر بإحضار الشيخ سابق الدين عتبة ابن مهدي، وأعطاه لقب أمير جذام في سائر انحاء الاردن وكانوا ينتشرون من العلا جنوبا الى الجولان شمالا ، واستدعى أمراء بني عقبة وهم من بطن عقبة من جذام ( ومن اتباع الايوبيين والمخلصين للبيت الايوبي ) أيضاً ( لانتزاع الامارة منهم امام الناس وأمام الشيوخ وأركان الدولة في الكرك خاطب السلطان الظاهر بيبرس ,اقول خاطب الشيخ سابق بن مهدي وعينه أميراً، وقال له: (( إنه إنما يسبغ عليه بالإحسان والإكرام، ويغفر له زلاته من أجل الكرك وأهل الكرك (وهو في الحقيقة لم يفعل ذلك إلا من أجل تثبيت ملكه))، وقد أمر أن تكون العشائر تحت سلطان الأمير سابق بن مهدي ، وانتزاع الإمارة من بني عقبة المعروفين بموالاتهم للأيوبيين

وقال الظاهر بيبرس مخاطباً الأمير الجديد : (( أنت مسؤول عن كل صغيرة وكبيرة تحدث عند العشائر، بالقبض على القتلة واللصوص واكتشافهم وتسليمهم لسلطات الكرك )) ، وأقسم الظاهر بيبرس أنه لو فُقِد خيط من الكرك فإن الأمير سابق سيكون مطالباً به ويدفعه هو إذا لم يدل على سارقه أو يلقي القبض عليه ويسلمه للدولة. وبمعنى اخر صار الامير سابق بن مهدي عميلا للدولة ومخبرا لها وصاحب سطوة على العربان وانه الجدار الحاجز بين الدولة والناس .

وزاد الظاهر بيبرس بأوامره للأمير سابق بن مهدي الذي حلّ محلّ الأمراء من بني عقبة، وجميعهم من جذام، أقول أمر سابق : ( بأن يمنع العربان من استخدام صهاريج مياه القلعة والمدينة وآبارها لأنها للحامية وموظفي الدولة، حيث بإمكان العربان جلب الماء من عين سارة بالكرك ولكن أهل المدينة والقلعة لا يستطيعون الذهاب إلى بطن الوادي لجلب الماء لحاجتهم إلى الدواب لهذه الغاية، مما يستوجب منهم استئجار هذه الدواب من العربان، وبالتالي يخضعون لتسلّط العشائر )) . وقد تهدد الظاهر بيبرس بشنق كل واحد من العربان يستخدم مياه المدينة أو القلعة.

بعد ذلك أوكل مهمة حماية طرق التجارة والحج عبر الديار الأردنية إلى الأمير سابق بن مهدي الجذامي ، وذلك ليكون الأردن آمناً في شؤون الحج والتجارة لأنه نقطة تجمع العصب الحقيقي لهذين الأمرين، وبذلك ضمن الظاهر بيبرس من خلال العطايا والمال واستمالة القلوب وحامية القلعة وسلاح الهجانة للصحراء، وسلاح الفرسان للقرى والضياع (مفردها ضيعة) ثم من خلال إعطاء الإمارة على العربان لواحد من زعماء جذام، أقول ضمن أمن إمارة شرق الأردن، وولدت هذه الإمارة ( امارة شرق الاردن ) مرة أخرى زمن المماليك في يوم الجمعة 5/5/1263، وصارت الوريث الشرعي لإمارة شرق الأردن الأيوبية التي تأسست زمن الملك الناصر داود في 6/9/1229 أي قبل حوالي نصف قرن، وبالتحديد قبل أربعة وأربعين عاماً، وإن كانت قبل ذلك أو إن كان إعلانها جاء بعد نضوح واكتمال تكوينها، بل أنها كانت وريثة إمارة الكرك اللاتينية أي قبل مائة عام من الناصر داود، وبذلك يكون عمر إمارة شرق الأردن عندما أعلنها الظاهر بيبرس حوالي مائة وخمسين عاماً قبل ذلك.

طلب السلطان الظاهر بيبرس من امير جذام سابق بن مهدي أن يحلف اليمين بالإخلاص للسلطان وأدارة المهمات الموكولة إليه بأمانة وإخلاص، وخصص السلطان له الأموال التي تعينه على القيام بواجبه بشكل قوي وفعال، وبذلك حلّ بنو مهدي محلّ بني عقبة (العمرو الذين لا زالوا بالكرك إلى الآن 2008)، وهو تغيير سياسي من الموالاة للأيوبيين عند بني عقبة (العمرو) إلى الموالاة للظاهر بيبرس والمماليك عند بني مهدي، وكلا الاميرين من بني جذام.كما ان كلا الفئتين من الحكام ليسوا من الاردن ولا من العرب .

شهد هذا التكليف زعامات العشائر الأردنية (الأنباط ـ الحويطات وبني عطية ـ وبني ليث ـ الآن اللياثنة في وادي موسى وقراها)، وبني جذام من الصخور والعبابيد وبني حميدة وبني حماد ( وزعامتهم في الشريدة فيما بعد ) وبني عجرمة حيث كانت امارة جذام والبلقاء فيهم زمن الايوبيين ( نوفل ونافع العجرمي ) والدعجة والحجوي ( الحجايا فيما بعد ) , وبني عتمة ( العتوم ) والغساونة او الغصاونة ( الخصاونة فيما بعد ) وبني كلب ( السرحان والعوازم والعزام وشرارات الاردن والجوابرة من الطفيلة ) وبني كندة (السردية والمقدادية ) والغساسنة من مسلمين ونصارى والادوميون ( بني حسن والشوابكة والسعوديين والثوابية والمحيسن / الكلالدة ) , وبني عوف ( من الغزاوية والرشدان والفريحات والعنانبة والبواعنة والقضاة ) والصمادية والمومنية والعمرية والخطايبة( الذين هم جزء من العمرية وغيروا اسمهم بعد اشتراكهم في معركة حطين ) والجرارحة ( الجراح) والشرمان ( وكلاهما من بقايا جيش ابي عبيدة او من نسله ), وعشائر الثموديين / الصفاويين وفيما بعد اسمهم اهل الجبل وكانوا غيروا اسماءهم من الثموديين والصفاويين الى اهل الجبل هروبا من البطش العباسي ) وحضرت عشائر معان ايضا . لقد اجتمعت العشائر من سائر انحاء الاردن للالتقاء بالسلطان وكلهم حصلوا منه على التكريم والمال والاحترام والدعم لامارتهم الاردنية

. وهنا نقف قليلاً، لنذكر ونتذكر مرة اخرى أن الشيخ سليمان العبادي ( الجد الاعلى زمن صلاح الدين ) الذي كان شيخ مشايخ عباد زمن الصليبيين قد عقد هدنة مع الفرنجة تنص على عدم الاعتداء من أي طرف تجاه الآخر، مما حافظ على ممتلكات القبيلة وأعراضها وأموالها. وكان العبابيد من قبائل الكرك في حينه، حيث أنهم كانوا لقوا الهزيمة على يد الإمبراطور الآشوري شلمناصر عام 715 ق.م في معارك أخذت مكانها من مدائن صالح إلى معان، ثم تحركوا إلى الكرك، حتى جاء صلاح الدين. وقد انتبه الظاهر بيبرس الى ذلك واراد مكافأة العبابيد على ماعانوه زمن صلاح الدين والايوبيين , فاقر بامارة عبادية ولكن من الدرجة الثانية بعد ابن مهدي وهي امارة الجرمي . ولا زال اسم الجرمي، أو الجروم، أو الجرمية، أو الجرومي متداولاً عند العبابيد وتشمل الجرومية في عباد منذ ذلك الحين إلى الآن: الختالين وفيهم مشيخة عباد (شيخ مشايخ عباد) والمناصير، والنعيمات والرماضنة ، والياصجين والحوارات والحجاحجة والصنابرة والمعادات والغنانيم. والاغلب عندي ان امارة الجرمي كانت اما في الختالين او في عشيرة المعادات / وكلاهما من الجروم / عباد حيث حضروا اجتماع الملك الظاهر بيبرس والله اعلم .

ونعود بالذاكرة الى غضب صلاح الدين على بني عباد وشيخ مشايخهم سليمان العبادي بسبب رفضهم الانضمام إلى صلاح الدين، مع تعهدهم بعدم الاعتداء عليه أو الإخبار عنه لانهم غير واثقين من قدرته على تحرير البلاد من الصليبيين ، فدمّر قرى العبابيد في الكرك واحرق غلالهم ونهب حلالهم، كما سبق وذكرنا، ومعهم العديد من قبائل الغساسنة وبني عاملة وقضاعة (بلي ومنهم برارشة الكرك الحاليين)، ولكنه كان أكثر غضباً على بني عباد وحاول ان يسوقهم قسرا الى مصر فرفضوا مغادرة وطن الاباء والاجداد , وصارت الصفقة برحيلهم الى البلقاء بعد مشاركتهم في معركة حطين . ثم شاركوا فيما بعد زمن قطز وبيبرس في معركة عين جالوت كما سبق وقلنا فاستقروا فيها إلى الآن، ومنهم بنو رحمن (أجداد عشيرة الرحامنة الحالية من عباد الذين نهبوا قافلة الملك الايوبي عيسى المعظم ) . ان العداوة بين الايوبيين والعبابيد لم تتوقف ولكنها لم تمنع عباد من شرف المشاركة الفعالة في معركة حطين وتحرير الاقصى مرتين وتحرير فلسطين ولا زال منهم بقايا في فلسطين شاهدين على تاريخ وجهاد هذه القبيلة في التاريخ الاسلامي . ومن اكثر الهجاء العبادي لبني ايوب المثل العبادي في وصف ملوك الايوبيين ( حكم عجيان وهداد جديان ) وهذا من اقذع الهجاء لمن يعرف المعنى البدوي لهذا القول . وقد ذكرناه سابقا .

واستقرت عباد حول السلط ووادي السير ووادي الشتاء وعراق الأمير، وسيل عمان وسهول عمان الغربية التي تسمى الآن تلاع العلي وأم السماق والجندويل والبيادر والمنطقة الصناعية والصويفية وعبدون ودير غبار وما حولها جميعاً وصارت اراضيها في البلقاء من زرقاء شبيب الى زرقاء ماعين . ولا زال المثل الى الان ان عباد من الزرقاء الى الزرقاء , او من السيل الى السيل . اي من سيل نهر الزرقاء شمالا الى سيل ماء زرقاء ماعينن جنوبا,. وكانت هذه ديارهم بعد ترحيلهم زمن صلاح الدين ثم تقلصت على يد المهداوي كما سياتي لاحقا ان شاء الله , الى ماهي عليه الان , وان بقيت الامثال القديمة سارية الى الان والتي لم تعد تتفق مع الواقع , لكنها تحكي مرحلة من مراحل تاريخ هذه القبيلة وتوكد مساحات الاراضي الشاسعة التي اقطعها لهم صلاح الدين في البلقاء , بعد ان ابلوا بلاء حسنا في حطين .

ولا بد هنا من القول انني اعرف تفاصيلا اكثر وادق ولكنني اتجنب الحديث عنها حتى لايقال انني مؤرخ منحاز لقبيلتي وانا منحاز لوطني ولسائر الاردنيين فكلهم اهلي وانا اردني اعتز بحمل اسم اية عشيرة اردنية مثلما احمل اسم د . احمد عويدي العبادي . فانا ايضا صخري وعدواني وعجرمي ودعجي وحويطي وعطوي وحجوي ( الحجايا ) وبلقاوي وحسني وسردي وسرحاني وحميدي وطفيلي ومعاني وكركي وعجلوني ومن المفرق ورمثاوي وسردي وروسان وبطاينة ومن التل ومن بني هاني ومن العيسى وانا سلطي ومومني وصمادي ومن بني عوف ومن مادبا ومن سائر العشائر الاردنية . اتشرف انني ابن كل عشيرة اردنية فقد تجاوزت مرحلة التشرنق التي يعيشها البعض للاسف الشديد .

كانت جذام أكبر القبائل الأردنية، كما سبق وقلنا، لذا كانت إمارة العربان في الأردن موكولة إليهم زمن الأيوبيين في بني عقبة (العمرو الحاليين) وفي نوفل العجرمي ( العجارمة في البلقاء ) ثم بني مهدي الجذامي ( زمن الظاهر بيبرس ) الذي انتقل ( بن مهدي ) فيما بعد إلى البلقاء ليصبح أميرها بدلاً من ابن نافع العجرمي، كما سيأتي إن شاء الله، وكان نافع العجرمي الجذامي أمير عشائر البلقاء فيما بين الموجب والزرقاء زمن الايوبيين ، ثم صار يشاركه الأمير الجرمي العبادي في البلقاء بعد رحيل العبابيد الى البلقاء أيضاً، وبذلك صارت إمارة العربان الثلاثة لشيوخ جذام زمن المماليك. امارة نوفل العجرمي واولاده من بعده التي قضى عليها المماليك ( الظاهر بيبرس ), امارة الجرمي العبادي ( حاليا اسمهم الجروم في عباد ) , وبن مهدي ( زمن المماليك )

وشهد الاتفاق أيضاً عشائر الأدوميين وعلى رأسهم وأكثرهم شيوخ بني حسن الذين جاءوا من الطفيلة ومن سائر مناطق الاردن من الشمال والوسط بعد تفرقهم فيها بعد جهادهم في معركة حطين ومشاركتهم في تحرير القدس وفلسطين مع سائر العشائر الاردنية . اقول حضروا لهذه الغاية ونصب عليهم شيخا منهم ( لم اتوصل الى اسمه بعد ) وكان الجميع تابع لامارة ابن مهدي ، كما حضرت زعامات بني صخر التي ذكرها القلقشندي (المؤرخ المعاصر للأحداث آنذاك) باسم صخر فقط. ولا زال هذا اللفط يقال إلى الآن كما يقال: بني عباد، ويقال عباد، والعبابيد (جمع) ويقال بني صخر، وصخر أيضاً، والصخور (للجمع)، وكان شيخ بني صخر انذاك هو ابن زهير من بني محمد من بني صخر من جذام ( الان ابن زهير هو شيخ الجبور اكبر عشيرة في بني صخر ) كما ذكر القلقشندي بني حسن بالاسم من عشائر ديار الكرك والتي كما قلنا تشمل الأراضي (آنذاك) من العلا إلى اليرموك. وحضرها شيوخ من القطارنة الذين هم من جذام أيضاً كما أن صخر (أو بنو صخر) من جذام أيضاً. وحضرت طي ممثلة بأولاد حيار ( جد الحيارات / فيما بعد بالسلط والعيسى في بدو الشمال وكلاهما أولاد حيار الطائي ) ، حيث أسند لهم المماليك فيما بعد إمارة البادية من حلب إلى جبل الدروز إلى وادي السرحان إلى تبوك، موازية للمهمات الموكولة لابن مهدي الجذامي، والجرمي العبادي

كان آخر أمير من بني عقبة الموالين للأيوبيين هو شطي بن عتبة بن عقبة ( العمرو ) ، مثلما كان سابق بن مهدي أول أمراء آل مهدي الموالين للمماليك، وبذلك نجد أن الأردنيين يتقنون تبادل الأدوار والمهمات في صراعهم من أجل البقاء . فالإمارة بقيت في جذام في ديار الكرك والبلقاء، واستطاع العجارمة أن يستمروا في الإمارة زمن المماليك ردحاً من الزمن بعد أن كانوا أمراء البلقاء زمن الأيوبيين. وورد اسم ابن زهير (وكان شيخ بني صخر انذاك ) قد حضر هذا اللقاء، وورد اسم الحمارنة وهم من نصارى الأردن وجاءت تسميتهم نسبة إلى حمير لأنهم من حمير اليمنية، والتي ينتمي اليها أولاد عمهم أبو حمور في السلط (مسلمين) ، وجاءوا إلى الأردن في عصور متقدمة، وورد اسم شيوخ بني عطية (العطويون)، وورد اسم بني عطا وهم من اللياثنة من الأنباط من وادي موسى ولا زالوا هناك إلى الآن، وورد اسم العجارمة حيث حضر شيوخهم هذا الاتفاق ( نوفل العجرمي ) ، كما ورد اسم بني خالد وهم هنا الخوالدة من بني حسن الآن (ومن سكان القادسية الطفيلة الآن والجزء الاكبر منهم في محافظات المفرق وجرش والزرقاء حاليا ) وليسوا قبيلة بني خالد المعروفة من قبائل الشام , ونزح بطن منها الى الاردن حديثا في اواخر القرن التاسع عشر حسبما ذكر فريدرك بيك في كتابه : تاريخ شرق الارن وقبائلها . واذا كانت زعامة بني صخر زمن الظاهر بيبرس بايدي ال زهير ( ابن زهير ) فان زعامة بني صخر كانت قبل ابن زهير في الباسلي ( خضير ) وقبله كانت في العصرين الاموي وصدر العباسي في الدهامشة ولكن اغلب الدهامشة نزح من بطش العباسيين الى عنزة وانضموا اليها وصاروا احد بطونها ضمن اساليب الاردنيين في تغيير الاسماء والتحالفات العشائرية بحثا عن البقاء والسلامة , ثم عاد منهم الكثير الى بني صخر ثانية في العصر الايوبي فحسب الناس ان الدهامشة من عنزة وهم في الحقيقة قاعدة بني صخر وهم جذاميون وكما يقول عنهم الصخور : الدهامشة ابو صخر / اي انهم القاعدة التاريخية الاساس لهذه القبيلة , والحقيقة انهم ليسوا من عنزة وانما دهامشة عنزة هم من دهامشة بني صخر , وقد ذهب فرع من الدهامشة الى السلط وشكل عشيرة سلطية كبيرة هي عشيرة ابو رمان / الرمامنة .وبعد ابن زهير صارت زعامة بني صخر في الخريشة واستمرت طويلا الى منتصف القرن التاسع عشر حيث انتقلت زعامة بني صخر في ال سطام بن فندي الفايز ولا زالت بهم الى الان .

كما وردت ( في اجتماع الظاهر بيبرس بالعشائر الاردنية بالكرك المشار اليه ) أسماء بني عذرة من قضاعة، وورد اسم الشباطات وهم من عشائر الطفيلة الآن، وعشيرة الرويم وقد سميت باسمهم قرية في الطفيلة تسمى الرويم إلى الآن، وورد اسم شبيلات الطفيلة باسم آل شبل، حيث هاجر منهم جزء من الطفيلة إلى ذيبان وصاروا جزءاً من بني حميدة، لأن آل شبل (الشبيلات) من جذام والتحاقهم ببني حميدة هو التحاق بعشيرة من عشائر جذام. وورد اسم المعاودة وهم المعادات من عباد لا زالوا من عباد إلى الآن، وورد اسم بنو عباد، وهم عباد الذين حضروا مع سائر العشائر رغم انهم في البلقاء بعد ترحيلهم من قبل صلاح الدين كما سبق وقلنا ، ولكن شيوخهم حضروا البيعة والاتفاق مع السلطان بيبرس وحصلوا من الكعكة على امارة الجرمي العبادي , في اطار تطييب خواطرهم من الظاهر بيبرس , وكانه يقول لهم انني لست صلاح الدين واعيد اليكم مافقدتكوه بسبب صراعكم مع الايوبيين وعلى راسهم صلاح الدين نفسه . وبذلك استمالهم بيبرس بذكاء من خلال الاعتراف بهم انهم على الخارطة الجغرافية والسياسية والعشائرية وان اراضيهم تمتد من السيل الى السيل كما سبق وشرحنا .

فقد تحولت الكرك إلى مركز سلطة الإمارة الأردنية وبالتالي فإنهم عرضة للغزوات والاحتلال والقتال وتجنيد الرجال أكثر من العربان البعيدة . رحل بنو مهدي بعد ذلك من الكرك واستقروا في عمان وحسبان والغور وعراق الأمير، وصارت إمارتهم تشمل الديار الممتدة من نهر الزرقاء إلى نهر الموجب بعد أن قضوا على إمارة العجرمي في زعامته البلقاء وقلصوا ثم قضوا على زعامة ابناء عمهم العبابيد / الجرمي , رغم ان بن مهدي والعبادي والعجرمي جميعهم من بطن طريف /من جذام . وقد ادت هذه العنجهية من ابن مهدي ضد العجرمي والجرمي العبادي ان وقف اتباع احفاد العجرمي الى دعم ابن عدوان في حربه مع بن مهدي فيما في القرن الثامن عشر الميلادي , كما وقف العبابيد متفرجين وهم يرون ابن مهدي الجذامي يتلقى الضربات من العدوان واتباعهم , وذلك لان ماصار يفعله العدوان بابن مهدي انما كان في نظر العبابيد امرا مفضلا ومريحا لانه كان انتقاما للعبابيد من المهدي لانه اخذ امارتهم الجرمية منهم واخذ اراضيهم بقرار من الدولة المملوكية , وصارت اراضيه من السيل الى السيل ومن الزرقاء الى الزرقاء وصارت اراي عباد لاتشمل الا جزءا يسيرا من مساحة اراضيهم التي صارت لهم عند رحيلهم / او ترحيلهم اليها من الكرك . فقد اخذ بن مهدي وبدعم المماليك ارض عباد وامارتهم لذا لم يقفوامعه وكان سروسرهم بالغا فيما كان يفعله به وضده ابن عدوان , وذلك ماسناتي عليه بالتفاصيل ان شاء الله فيما بعد .

الملفت للنظر ان الجذاميين الذين تسلموا الامارة العشائرية بالاردن تجبروا وطغوا وظلموا وهذا ماكان من ابن مهدي ( البلقاء ) وبن عقبة ( العمرو/ الكرك ) من قبل بيبرس ومن بعده, وكانوا ينظرون للناس باحتقار الى درجة ان قصصهم تتحدث عن اجبار الرجال على الدوس على الشوك اليابس حفاة ( يدرسوا الشوك حفاة ) , وايضا ان ان ابن مهدي امر بوضع النير على عنق فلاح عنده ليحرث عليه طيلة اليوم لانه لم يتمكن من جلب ثور اخر للحراثة . وقد ادى هذا الطغيان عند العمرو وابن مهدي وكلاهما جذاميون الى الحقد العشائري عليهم , وتم تشريدهم تشريدا وتشتيتا ابديا . كما ان كلا منهما اراد الزواج من نصرانية عنوة مما ادى الى مذبحة هؤلاء بدعم المسلمين . وكل ذلك سناتي عليه عند الحديث عن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ان شاء الله .

اما بنو مهدي فهم من بطن طريف الذي منه العبابيد والعجارمة الا ان بني مهدي تكبروا وتجبروا وظلموا وتخلوا عن ابناء عمهم العبابيد والعجارمة وقضوا على الامير الجرمي العبادي والامير نوفل العجرمي ايضا بدعم المماليك , بينما بدات تظهر امارة بني عقبة للوجود مرة اخرى في وقت ممتاخر بعد بيبرس بعد ان توددوا لسلطان المماليك واقنعوه بهدم قلعة الشوبك حجرا حجرا كما سياتي ان شاء الله , واستغلوا رحيل بني مهدي الى البلقاء ليسيطر العمرو على الكرك وبقوا كذلك الى ان تم القضاء على زعامتهم في القرت الثامن عشر كما سياتي ان شاء الله

كما حضر اللقاء مع بيبرس الغساسنة بشقيهم الإسلامي والنصراني مراسم إعطاء الإمارة للأمير سابق بن مهدي الجذامي ، وبذلك عيّ?Zن الظاهر بيبرس أميراً للعربان يتعامل معهم حسب العرف والعادة التي كان تعلمها وهو يخدم مملوكا في قلعة الكرك ومن ثم قائدا للجيش الاردني ، ويضمن موالاتهم للسلطان والدولة، وعدم إيوائهم للأعداء، وعدم اعتدائهم على الدولة أو الثورة ضدها. وقال ابن خلدون في ذكر الظاهر بيبرس في الكرك : " .

..(( ووفد على الظاهر بيبرس عرب الضاحية من بني عقبة وغيرهم فاعطوه طاعتهم وفشا الخبر في النواحي فتساقط إليه مماليكه من كل جهة " ( تاريخ ابن خلدون ج5 ص572 )

ــ وقال المقريزي في ذكر حوادث ربيع الأول سنة 661هــ في ذكر الظاهر بيبرس : " ثم سار السلطان إلى الكرك فنزله يوم الخميس ثالث عشرينه بعساكره ....... واحضر الأمير عبية وغيره من عرب بني مهدي وألزمهم أدراك البلاد وخفرهم إلى أرض الحجاز " ( السلوك ج1 ص55 وبذلك صارت لهم واجبات الحراسة والامارة علىسائر شرق الاردن الحالي الى تبوك والعلا والعقبة .

قال المقريزي ( ت854هــ ) في ذكر بني عقبة ( العمرو ) : " والى هذا الفخذ يرجع كل عقبي ببلاد الشام وبحوف مصر وما بين أيلة وحوف مصر ولبني عقبة من عقبة أيلة إلى داما قرب عينونة " البيان والإعراب ص19 و 72 )ــ( قال ابن شداد في ذكر الوافدين على الظاهر بيبرس : " ووفد عليه عرب الكرك .... ووفد عليه :سابق الدين عقبة < وناصر الدين غنام بن جوذر

وهما أمراء بني عقبة

ووفد عليه لما فتح الشوبك :

1ــ جمال الدين بن نجاد أمير بني عقبة الذين بالبلقاء

2ــ وأخوه وهيبة بن نجاد )) .

ونحن نرى ان هذا خطأ واضح اذ ان ابن نجاد من شيوخ الحويطات / الانباط وليس من بني عقبة , لذا فاننا يجب ان ننظر بعين الحذر الى جميع الاسماء الواردة في كتب المؤرخين لتلك الحقبة . فهم ليسوا من ابناء العشائر الاردنية ولا من الاردن , ولا تجوز الثقة المطلقة فيما يقولون مما يضطر معه كل مؤرخ ان يدرس بعناية وتمحيص اي كلام يقولونه فيما يخص العشائر تحديدا . فابن نجاد كما ورد عند السمعاني في كتاب الانساب هو من الحويطت , واما النجادا في ماعين والنجداوي في السلط فانهم سكنوا ماعين والسلط على التوالي بعد هذا التاريخ بكثير ( عد زمن الظاهر بيبرس ) .

وما دام الشيء بالشيء يذكر فان من غساسنةالكرك الذين لازالوا فيها الى الان من مسلمين ونصارى العشائر التالية : وهم : ( مسلمون ونصارى )

الضمور, البوالده , عيال ربيع , عيال عودة الله , الجراجرة , المبيضين , العضايلة , السحيمات.

,من الغساسنة

الحدادين , العزيزات < ,.

اامعايعة.

الكرادشة والقواقشة والنويصر والفلوح والحداد - العجيلات - السلايطة - العويمرين - السماعين - المدني - المصو – الصناع_ البواليز و البنوين المخامره, الدود, الجريسات, الطعيمات, الفرارحه, الزيادات السميرات, الصويصات, السماوي,الدبابنه ,المدانات وغيرهم من الفروع والعشائر الاردنية من مسلمة ونصرانية وكذ اربعة عشر قرنا , وهذا وحده دليل على سماحة الاسلام والنصرانية وسماحة العادات الاردنية واعرافنا الاجتماعية ومدى توادنا وتراحمنا ووطنيتنا الاردنية .

يظهر لنا بوضوح أن الظاهر بيبرس جاء ومعه برنامج متكامل للاستمرار في بقاء واستمرار نفسه واولاده وإمارة شرق الأردن، وتغيير بنية الدولة والإدارة فيها وبنية العربان أيضاً في ربوعها من ايوبية الى مملوكية مرتبطة ومتعلقة به هو وليس اي سلطان اخر ، والتخلص من جميع الموالين للأيوبيين من الموظفين وشيوخ العربان على حدٍّ سواء من ان يكونوا ف مواقعهم المؤثرة السابقة , على الطريقة الاردنية الخالية من العنف والتشفي والاهانة واعواد المشانق وجز الرؤؤس بالسيوف , وانما بابعادهم عن مواقع القرار وليس بقتلهم او حرق ونهب اموالهم وممتلكاتهم كما فعل صلاح الدين .

اراد بيبرس إيجاد طبقة موالية له في جميع القطاعات الرسمية والشعبية والعسكرية والامنية في آن واحد ليكونوا صنائعه هو من الناحية السياسية . وقد وردت أسماء بنو عياض ( وربما يكونوا العوضات وهم من عشائر الجنوب ) ، والمحاربة ( وربما يكونوا عشيرة الحروب من البرارشة من الكرك وهو الارجح عندي ) والسلمان ( وربما يكونوا السليمانيين من الحويطات / الانباط وهو الارجح عندي ) , ووردت اسماء عشائر من الواضح ان هناك اخطاء في الكتابةوالتهجئة وحاولنا الاجتهاد وبيان من تكون هذه العشائر ونسال الله السداد , وهذه العشائر التي وردت في ميثاق الظاهر بيبرس مع الاردنيين في الكرك فضلا عمن ذكرناهم سابقا هم : النثرات ( والاغلب انهم النصيرات من جذام الذين رحلوا فيما بعد الى شمال الاردن ويطلق عليهم اسم نصير بالمفرد والنصيرات بالجمع وهو الارجح عندي ) واليعاقبة ( والارجح عندي انهم ال قباعة وهم من نسل ابو فروة الجذامي وهم من معان ولا زالو يحملون هذا الاسم الى الان : قباعة ) والعفير ( والارجح انهم العفيشات من العجارمة من جذام ) والعناترة ( والارجح انهم العناقرة ونزحوا الى شمال الاردن فيما بعد ) والمساهرة، وآل عجبون ( والاغلب عندي ان كليهما من بني عطية / الانباط ) ، والصونيون ( والارجح انهم ابن صوان من الحويطات / الانباط ) .

ويقول ابن يطوطة في رحلته عن ذكر البلقاء والعجارمة : (( وكان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة، أميرهم محمد بن رافع كبير القدر في الأمراء وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تعرف بالصنمين عظيمة ثم ارتحلنا منها إلى بلدة زرعة وهي صغيرة من بلاد حوران نزلنا بالقرب منها ثم ارتحلنا إلى مدينة بصرى، وهي صغيرة ومن عادة الركب أن يقيم بها أربعاً ليلحق بهم من تخلف بدمشق لقضاء مآربه - وإلى بصرى وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعث في تجارة خديجة، وبها مبرك ناقته قد بني عليه مسجد عظيم، ويجتمع أهل حوران بهذه المدينة، ويتزود الحاج منها ثم يرحلون إلى بركة زيزة " زيزا / اي زيزياء ا " ، ويقيمون عليها يوماً، ثم يرحلون إلى اللجون، وبها الماء الجاري ثم يرحلون إلى حصن الكرك في الأردن، وهو من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها ويسمى بحصن الغراب ))( حوالي 1350 ميلادي/ رحلة ابن بطوطة ) اي بعد بيرس بعشرات السنوات .

ومن خلال اسماء العشائر يظهر لنا أن مشايخ هذه العربان قد حضروا تنصيب الأمير سابق بن مهدي أميراً عربانياً عليهم اي على مايعرف الان بوسط وجنوب الاردن ، وأن يسمعوا له ويطيعون، دون أن تتأثر امتيازاتهم وممتلكاتهم وعلاقاتهم بالدولة، وأنه عبارة عن رديف حليف للإدارة لتعزيز السيطرة على العشائر، وأن يكون عينا للسلطان عليهم , واميرهم جميعا , وتابع للدولة في الان نفسه .

وهنا لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء إذ أن إمارة العشائر الأردنية زمن الرومان كانت في قضاعة، اذ بدأت بالتنوخيين ثم انتقلت إلى الضجاعمة، ثم صارت في الغساسنة حيث الإمارة في آل عمرو بن ماء السماء (بن ميزيقياء)، وسبق أن ذكرنا ذلك بالتفصيل. وكان الجذاميون يأتون بالدرجة الثانية ومنهم أبو فروة الجذامي، أما زمن العصر الراشدي والأموي فقد برزت قبيلة بني كلب إلى الواجهة إكراماً لسيدنا زيد بن أسامة الكلبي، ودحية الكلبي، ثم لمصاهرتهم لمعاوية بن أبي سفيان، وجاءت جذام بالدرجة الثانية بعدهم، أما زمن العباسيين فقد غابت العشائر الأردنية عن مسرح الأحداث في الأردن وخارجه , ثم عادت زمن الأيوبيين مرة أخرى , كما سبق وشرحنا . وقد برزت جذام مرة أخرى في زمن المماليك , انها القبيلة الاقوى والاكثر والاقدم والاهم والاوسع انتشارا ر الاردنية منذ زمن سيدنا شعيب الى يومنا هذا في مطلع القرن الحادي والعشرين : اذ كانت تنتشر من العلا والوجه الى هضبة الجولان وعلى ضفتي نهر الاردن وفي البادية والحضر واستمرت في إمارة العربان في الكرك والبلقاء إلى أن تقلصت هيمنتهم على البلقاء على يد ابن عدوان في مطلع القرن الثامن عشر وذلك عندما تم انهاء امارة ابن مهدي الجذامي على يد العدوان كما سياتي ان شاء الله .

كان هذا التكليف من السلطان الظاهر بيبرس للأمير سابق بن مهدي بحضور زعماء العشائر في الديار الأردنية، مهما لتحقيق أكثر من غرض في آن واحد:

== أن يعرفوا أن هذه الامرة والإمارة هي بقرار من السلطان، وبالتالي لا يجوز رفضها أو التطاول عليها أو عصيانها، حينها تنضبط أمور العشائر، ويتحول الشيوخ إلى مخبرين للدولة عن أي نشاط معادٍ للسلطة الشرعية في القاهرة والتي يجلس الظاهر بيبرس على راسها .

== وأيضاً أن يكون شيوخ العشائر شهداء على ما أوكله السلطان للأمير الجديد ( بن مهدي ) أن يقوم بواجبه، فإن قصّ?Zر أوقع عليه العقوبة، ونقل الإمارة إلى عائلة أخرى، وان قصر احد معه او تمرد عليه فان الدولة كفيلة بالدفاع عنه ومعاقبة العصاة , وبالتالي فان توصيته خيرا او شرا تؤخذ على محمل الجد والاهمية القصوى , وهذا يجعل له هيبة هي من هيبة الدولة .

== وأيضاً لإيجاد عنصر التنافس بين شيوخ العشائر، وكل يرغب أن يصل تلك المرتبة , من خلال الاخلاص للدولة واطاعتها والتقرب من مندوبيها في القلعة والتعاون مع موظفيها . انها حوافز مهمة للناس في سبيل استقرار الدولة واستمرارها واعمارها وازدهارها .

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر،فان زعامة بني صخر توكدت ايضا على يد الظاهر بيبرس في ابن زهير 1263 م , اي توكيد هذه الزعامة التي صارت فيهم قبل ذلك بوقت اطول منذ زمن الايوبيين . جاء ذكر ابن زهير ( حالياً شيخ الجبور من بني صخر ) في الاتفاق الذي اجراه الظاهر بيبرس ليدل لنا ايضا ان بني صخر كانت مرتحلة في الشوبك انذاك ,ولا يعني ذلك انهم كانوا من عربان الشوبك في حينه عندما وصل الظاهر بيبرس الى الكرك وانما منازلهم كانت هناك في تلك الفترة دون لن نجد اشارة اخرى على ذلك .

وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين هما

== : أن هذه العربان كانت تنتقل في أرجاء الأردن لانه وطنها وان مفهومه كان واضحا عندهم ، وأن هذا شهر نيسان ومطلع شهر أيار من عام 1263م، وهو وقت الربيع في بلاد الشراة والسلسلة الجبلية الأردنية، وبالتالي فإن الكثير من العربان يتنقلون لهذه الغاية في سائر ربوع الأردن، والشيء الذي نستطيع توكيده أن منازلهم كانت في ذلك الوقت من السنة في ديار الشوبك وهي الأقرب لديار بني صخر في البلقاء حول زيزياء والأيسر للوصول إليها عبر سهول البادية المحاذية شرقاً للسلسلة الجبلية.

== النقطة الأخرى أن الزهير (بنو زهير) والذي يلفظه الأردنيون (وبخاصة بني صخر) ابن زهير بالمفرد، وليس بالجمع، وابن تايه وابن جازي وابن عدوان وابن فايز وابن ختلان..الخ. فهي عند الأردنيين تلفظ بالمفرد وليس بالجمع لان وضع ابن قبلها تعني الجمع وان كانت تلفظ بالمفرد ، وأن لفظها بالجمع لا يجرِّدها من حقيقتها ولا يدل ابدا على أنها تعني أناساً آخرين من العشائر، ، لأن من حضر كان شيخاً أساساً، وليس وليد لحظة وصول الملك الظاهر بيبرس، ولكن هؤلاء الشيوخ لم يكونوا ضد المماليك، ولم يسكبوا دموعا كثيرة على الأيوبيين بل مدركون لتداول السلطة والملك بين الناس.

إن المهم عند السلطات الجديدة هو تغيير الإمارة العامة للعربان فانتقلت من بني عقبة (جذام، وهم العمرو الآن المخلصين للايوبيين ) إلى بني مهدي (وهم جذام أيضاً المخلصون للماليك )، وعاد بنو عقبة من إمارة العربان، إلى مواقعهم السابقة شيوخ كأي شيوخ لهم ميزة محدودة عند عربانهم , وليست ميزة عند جذام او اهل الكرك بشكل عام ، وارتقى بنو مهدي من شيوخ عاديين إلى أمراء مع حفاظهم على مشيختهم أيضاً. ولم تقم الدولة بمنح الإمارة لأراذل الناس، بل لكرامهم وزعاماتهم الحقيقية ,. وهذا يسجل للظاهر بيبرس انه جاء بسنام القوم وافاضلهم ولم ياتي باراذلهم ونكراتهم .

من هنا فإن استمرار الشيخ في مشيخته لعشيرته أمر لا يستطيع المماليك أو الدولة الجديدة العبث به، لأن ما يهمهم هو وجود أسرة شيوخ بالعشيرة متوارثة تضبط هذه العشيرة،وتحافظ على تورثها للشيخة من خلال اخلاصها للدولة , وتكون العائلة نقطة استقطاب العشيرة ايضا وتوازنها . وكذلك تكون الامارة متوارثة في اسرة الشيوخ الذين حولهم السلطان الى امراء , حيث ان نظام الوراثة اساس عند العشائر لاستقرار العشيرة , وان الحكام استعاروا نظام الوراثة من النظام العشائري . أما وأنه لا يوجد خطر من هؤلاء الشيوخ، وأنهم أعلنوا الموالاة للدولة والسلطان كما أعلنوها للدولة السابقة، فلا غبار ولا حرج في بقائهم كل على رأس عشيرته.اما الامارات فان الدولة توجدها ليكون الامراء الجدد صنيعة السلطان وليس صنيعة من سبقه , ولان من يحصل على هذا الموقع يبقى يشعر انه صنعية ذلك السلطان ويخلص اليه ويدافع عنه , ويعتقد انه سيفقد الامتيازات اذا فقد هذا السلطان .

وهذا شيء طبيعي، فلا يُنْتقص من طرف من كان زعيماً وفقد الزعامة، ولا من لم يكن زعيماً وصار زعيماً، لأن لكل زمان دولة ورجال، ولأن الله سبحانه وتعالى يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء،وان الايام دول وتداول , فهذه العائلات جميعهم عائلات كريمة، وعائلات زعامة، ولكن لا بد من القول أن الزعامة لا تعني التخلي عن المشيخة، بل تجمعهما معاً، وأن ذهاب الزعامة لا يعني ذهاب المشيخة بل العودة إلى القاعدة الأساس وهي المشيخة نفسها، فجميعهم شيوخ أما الزعامة والملك في القبيلة فهو متداول، ولا ندري لمن تؤول الزعامة في الأجيال القادمة، الله وحده يعلم، ولكن الشيء المؤكد أنها لن تستمر في أية عائلة إلى الابد .

ولا بد من التحدث عن نقطة هامة أخرى، وهي أن عشائر الأدوميين (ومنهم بنو حسن) بقيت في جنوب الأردن على مدى عشرات القرون ( باسم بني حدد كما قلنا وغيروا الاسم للتخلص من بطش العباسيين اقول غيروا الاسم من بني حدد الى بني حسن ) , وتفرقوا في شمال الحجاز وجزيرة العرب , ومنهم من التحق بعشائر العراق وغير اسمه هناك خشية بطش العباسيين , ثم عادوا وقيل ان هؤلاء القادمين من العراق او من غيرها , وفي الحقيقة انهم اصلا من بني حسن من جنوب الاردن من بقايا الادوميين , وانهم اخذوا اسماء جديدة في المواقع الجديدة ,ضمن صراعهم من اجل البقاء كما هو شان العشائر الاردنية جميعا .

وبعد التئامهم ضمن التحضير لمعركة حطين ومجيئهم من كل حدب وصوب كانوا نزحوا اليه , تفرقوا في الاردن وفلسطين بعد حطين وعين جالوت كما هو الامر في العشائر الاردنية الاخرى , واما من بقي منهم في الجنوب , فقد رحل فيما بعد إلى البلقاء على أثر القحط الذي أصاب ديارهم في الجنوب، وأخذوا معهم اسم ومقام رمزهم وما كانوا يعتبرونه جدهم الأول وهو الملك حدد ملك الأدوميين الذي قاد الحركة الوطنية الأردنية منذ 1330 ق.م ثم تكرر الأمر نفسه مع حدد الثاني، وحدد الثالث من احفاده ، فترسّخ الاسم ( اي حدد ) ، وأقاموا له ضريحاً وهميّاً في رأس تلة إلى الجنوب من مجرى نهر الزرقاء وقد وقفت بالمكان وعاينته بنفسي عام 2006.

الملفت للنظر أيضاً أن العشائر الأردنية برمتها تقريبا ذات الجذور العميقة العريقة في البلاد , ظهرت وقت الفتوحات الإسلامية، والعصر الأموي، ثم اختفت من الذكر زمن العباسيين، ولكن ذلك الإهمال من قبل المؤرخين لا يعني غيابهم عن الوجود وانما غيابهم عن مناطق الخطر العباسي ، وأن ظهورهم في هذا الوقت بعد ستة قرون من التهميش العباسي، أقول ظهورهم بهذه القوة والكثرة والتنظيم والمنعة، بحيث حضر السلطان نفسه والتقى معهم، وهو ما لم يعمله في أية عشائر أخرى في الديار الشامية والمصرية والفلسطينية، أقول كل هذا يدل على قوة وأهمية وشراسة هذه العشائرالاردنية التي استطاعت ان تبتدع لانفسها وسائل الصراع من اجل البقاء , وان تتجنب حروب الابادة العباسية والصليبية. لقد استطاعت العشائر الاردنية أن تتجنب التعرض للحقد والقمع العباسي , وان تستوعب الاحتلال الصليبي، وأن تتجاوز الحقد الأيوبي، وأن تتنحى من وجه الانتقام من اذناب الحكم العباسي، يا لها من قبائل، أن عناصر البقاء والصراع من أجل البقاء لديها قوية أيّ?Zما قوة. تتقن التخفي والغيبة عن المسرح وهي في المسرح , وتتظاهر انها لاتعرف وهي تعرف , وتبدو انها غير موجودة واذا بها طاقة كامنة تظهر كالبراكين فجأة وبدون سابق انذار . انها عشائر لديها من عناصر البقاء ماتتفوق به على عناصر الفناء وعلى الاخرين , واستطاعت ان تضحك على جميع الدول والاحتلال , وان كانت هذه الدول المتعاقية كانت تحسب انهاهي التي تضحك على العشائر الاردنية .

سبق وذكرنا أن الظاهر بيبرس جاء إلى الأردن ولديه برنامجه الكامل بترتيب الواقع الاردني حماية لهذا الواقع، واستعداداً لما هو في عالم الغيب والتوقعات، حيث اعتنى بالشيوخ والعربان وسائر السكان، ولم يفرق بين مسلم ونصراني لمعرفته بوشائج القربى بين الطرفين في الاردن ودفاعهم عن بعضهم بعضاً في جبهة واحدة. واهتم بالجيش كما قلنا وجعله قوة احتياطية استراتيجية قادرة على حماية إمارة شرق الأردن من جهة، والتغلب من جهة اخرى , على جيش مصر أو الشام إن تمرّد اي منهم ضد السلطان الذي يثق بإخلاص الجيش الأردني واخلاص الاردنيين , فقد عرفهم عن قرب من قبل ، ولكنه على غير ثقة بالجيوش الأخرى . ثم امر بتحصيّن القلعة وحفر حولها الخنادق وتنظيف الخنادق القديمة من الركام والأوحال والحجارة، وجلب الصناع اليها من الشام وعجلون للبدء بتحصينها وزيادتها وتقوية أسوارها وأبراجها، ثم أمر بحمل جميع الأسلحة التي كانت برفقته لإيداعها في قلعة الكرك ، وإيداع أمواله أيضاً وسائر البضائع والميرة والأقمشة والمواشي. كانت الكرك بيته , والاردنيون اهله , والاردن وطنه , واما سلطنته فمقرها القاهرة

ولكي يثبت حبه للعرب والمسلمين أمر بإعمار مزارات الشهداء القادة الثلاثة في مؤتة رضي الله عنهم، وخصص لها أوقاتاً لتقديم الطعام والشراب مجاناً للزائرين , حتى إذا ما أتمّ ذلك ضمن برنامج يبدو أنه أعدّه سلفاً منذ كان ضابطاً لدى الملك المغيث في الكرك , حتى نزل إلى مخيمه في سيل الكرك/ باتجاه الغور، ثم غادر إلى القاهرة ومعه أبناء المغيث حيث أكرمهم واحترمهم هناك، وعاشوا في رغد من العيش حتى تم اعتقال ابن الملك المغيث في زمن الملك السعيد بن الظاهر بيبرس ومكث في السجن واحداً وعشرين عاماً، حتى أفرج عنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون.

بعد أن استقر الظاهر بيبرس في القاهرة، صار ينقل الأموال والخزائن كلها إلى الكرك، فصارت قلعتها هي البنك المركزي والخزانة العامة لدولة الظاهر بيبرس، ونقل إليها الذخائر والمؤن والمنجنيقات، هادفاً إلى جعلها مقرّ?Zاً له ولأولاده من بعده،وبخاصّة في أوقات الشدة.

من الواضح أيضاً أن الظاهر بيبرس كان مدركاً للمقولة التاريخية المصرية ( ديروا بالكم من رياح الاردن ) , وهي أن رياح الأردن الغاضبة هي التي تؤذي حكام مصر،وهذه مقولة متكررة منذ زمن الفراعنة والادوميين ومن بعدهم الى العصر الحديث , لذا اهتم االفراعنة وحكام مصر عبر التاريح بالجبهة الاردنية . كما ان الظاهر بيبرس تعامل جيداً وبذكاء وكفاءة واقتدار مع هذه الرياح الاردنية , لادراكه انه اذا أغلقها عاش في هناءة ملكه هناك، ولكنه اراد الرياح الاردنية أن تكون معه وليس ضده، وأن ينتقل إليها بسهولة إذا ما داهمه الخطب أو الخطر في عاصمة ملكه في القاهرة.

لم يكن الظاهر بيبرس لينتقم من إمارة الاردن ( الكرك ) أرضا وقلعة وشعباً وشيوخاً بسبب موقفها مع الملك المغيث والناصر داود وملوك الأيوبيين فيما سبق، وإنما استطاع تجبير هذا الإخلاص لصالحه، فأخذ مبدأ الإخلاص للحاكم وهو موجود في ثقافة الأردنيين، والتفافهم عادة حول الشيخ أو السلطان، وتجاوز عما سواه , وأحسن إليهم ليتحول حبهم وموالاتهم إليه، وقد نجح في ذلك أيما نجاح.

وبانتهاء الملك المغيث الايوبي ( عاثر الحظ ) من الكرك، انتهت الدولة الأيوبية من بلاد الشام برمتها , فالذي ينتهي من الاردن ينتهي من بلاد الشام والتاريخ شاهد على ذلك عبر القرون , انه قانون التاريخ ، وصارت الدولة الايوبية وملوكها بالنسبة للأردنيين من ذكريات الماضي، وصار عليهم التعامل مع دولة جديدة خرجت من رحم الدولة السابقة، وحيث أن الأردنيين يهمهم البقاء، والاستمرار والاستقرار والحفاظ على مصالحهم، فإن الظاهر بيبرس قد حقق لهم ذلك أضعاف ما كانوا حققوه أو كسبوه من الملك المغيث ومن سائر الدول التي سبقته.

ورغم ماعند الاردنيين من عقدة الانفة من العبد ( بما فيه المملوك ) ، فان ذلك يعني ان سيادة العبد مرفوضة عند الأردنيين إلا في ظل سيده، مثلاً إذا كان للشيخ أو أمير القوم او السلطان عبد من العبيد ، وكلفه سيده بالقيام بأعمال ومهمات، فإن العشائر لا ترى حرجاً ولا غياراً في اطاعته، لأنهم إنما يطيعون سيده الذي أوكله أو أوعز إليه القيام بالمهمة، الى درجة ان بعض الشيوخ اذا ارسلوا عبيدهم لشن غزو او رد غزو او هجوم على مواكب الحجيج او قوافل التجارة , او جمع الخاوة , تباهى احفاد ذلك العبد مثلا انهم شيوخ على احفاد الشيوخ الحقيقيين أما إذا مات الشيخ وانتهت أسرته (كما حدث للأيوبيين) فإنه لا مكان للعبد في مركز السيادة والقيادة، وعليه أن يكون وراء سيِّده حتى ولو كان هذا السيِّد طفلاً لم يبلغ الحلم بعد. ولكن الامور في السلطنة حيث القوة والمال والسلطان امر مختلف تماما

ومن اسباب الكرم الذي ابداه بيبرس ماوجده من إخلاص الاردنيين للملك المغيث وتمسّكهم به قد ازداد وصار علنياً لأنهم يفضلونه على العبد المملوك، كما ينظرون إليه أنه أردني منهم، وعربي منهم، وأنه ملك ابن ملك ابن ملك، أما الظاهر فهو مملوك للمغيث، وبالتالي فهم يقبلونه تحت مظلة المغيث، ولكنهم لا يقبلونه بديلاً عنه. إن ذلك متعلق بثقافة الأردنيين وكرامتهم، وليس فقط بحبهم للمغيث. من هنا وجد الظاهر ان اخطر جبهة واخطر شعب واصدق عشيرة هم الاردنيين , وانهم وإن أحبوا الظاهر بيبرس، فإن ذلك لا يرقى إلى موافقتهم عليه أن يكون سلطاناً على العرب وهو عجمي وعلى الأحرار وهو عبد، وعلى الأسياد وهو مملوك، ولا يجوز في عرفهم أن يرقى إلى درجة خادم الحرمين الشريفين وهو خادم لأسياده.لذلك مكث في الاردن طويلا لحل هذه المعضلة , لان الاردن هي مفتاح السلطة وغلاقها , وبدونها يبقى السلطان غير مكتمل , وتبقى السيادة منتقصة .

أدرك الظاهر بيبرس هذه الخاصيّة عند الأردنيين وتميّزوا بها عن المصريين وأهل الشام، حيث لم يفعل الظاهر بيبرس ما فعله من تطييب الخواطر والتودد للناس وإكرامهم والأغداق عليهم إلا مع الأردنيين فقط للأسباب المذكورة، ولأنه، وبدون هذه فإن احتمالية قيامهم بالثورة أمر وارد، وهو لا يريد أن يتحول هذا الشعب الوادع إلى شعب ثائر متمرد لأن إخضاعه سيكون مكلفاً كثيراً، وقد يودي بعرشه , او لنقل لايضمن استمرار عرشه .

من هنا تصرف الظاهر بيبرس بأسلوب دقيق صحيح ذكي كما ذكرت بالتفصيل أعلاه، ونجح في مهمته وتحقيق غاياته، وطالما أن الأردن صارت مستقرة داعمة له، واقفة معه، فإن ذلك يعني استقراره في السلطة وإحكام قبضته عليها في مصر والشام.

وإذا ما استعرضنا الأوضاع العامة في الخارج ـ بعد هذا الإسهاب عن الداخل ـ نجد أن الدولة الجديدة برئاسة السلطان بيبرس كانت محاطة بعدوّين خطيرين، هما : التتار شرقاً، والفرنجة غرباً، وكان وضع مصر والشام غير مستقر بسبب وجود أتباع الأيوبيين، ولوجود المماليك وأمرائهم الذين لم يكونوا راضين عن اغتيال بيبرس لقائده المجاهد قطز، كما أن الناس في مصر لا يحبون المماليك البحرية (ومنهم بيبرس) لما اتصفوا فيه من التعسف والظلم والطغيان.

أمام هذا لم يجد بيبرس ملاذاّ آمناً كالأردن،ولا اهل ثقة كالاردنيين , وأراد تقوية الجبهة الأردنية، ثم الجبهة الداخلية في مصر والشام.

أما الفرنجة فكانوا كما قلنا سابقاً قد أركنوا إلى الدعة والاستقرار، وذهبت الأجيال الحاقدة المحاربة، وحلت محلها اجيال تحب الراحة والمتعة والمال وتكره الحروب , وبالتالي فإنهم لا يشكلون خطراً حقيقياً إلا إذا تم رفدهم بحملات صليبية جديدة. وبمعنى آخر كانوا فلولاً من الفلول السابقة وبقايا حملات وأجيال فشلت في تحقيق أهدافها، كما فشلت في الاستمرار بما كان في أيديها من الأراضي والقلاع الأردنية والفلسطينية.

أما التتار، فكانت هزيمتهم أمام العشائر الأردنية الجذامية ( بني صخر وعباد وبني عجرمة وبني حميدة وبلقين ( البلقاء ) , كما سبق وقلنا , في البلقاء ـ زيزياء، ثم في معركة حطين، ثم تطهير دمشق والأردن من فلولهم، وكسر شوكتهم، واستئصال الفخار بالنصر من أعماقهم، حتى أنهم ( التتار ) لقوا هزيمة ثالثة على أيدي قوات حلب وحماة بالقرب من حمص، في أوائل محرم 659هـ/ كانون الأول 1260 أي بعد سنتين أو ثلاثة من إسقاطهم للخلافة في بغداد، وأن جيشاً بهذا العنف والزخم يتحول خلال سنتين من أسطورة جيش لا يقهر، إلى مهزلة جيش لا ينتصر، ليدل على أن التتار لم يكونوا إلا قطعاناً ضالة من الوحوش الضارية المسعورة التي تحطمت على الصخرة الاردنية وارادة العشائر الاردنية وبقية جيوش العرب والمسلمين ، فوجدت من يقتلع أنيابها ويقتص من براثنها (مخالبها).

من هنا، كان لا بد من التحالف بين هاتين القوتين العجفاوين ( مفردها عجفاء )/ التتار والصليبيون ، واتفقوا على أن يشن كل منهم غارة من عنده، فكان نصيب التتار ما ذكرنا أعلاه من هزيمتهم في حمص، وكان نصيب الفرنجة هزيمتهم على أيدي العرب التركمان في منطقة الجولان الذين استطاعوا هزيمة الصليبيين، وأسروا جنودهم ودفع الفرنجة المال الوفير لعربان التركمان لمفاداة الأسرى من اعداء المسيح .

إذن التتار وما أدراك ما التتار ينهزمون أمام اثنين من ولاة الدولة الإسلامية في حلب وحماة، والفرنجة وما أدراك ما الفرنجة ينهزمون أمام عرب التركمان، ولم تدخل الدولة بعد، ولم تحارب جيوش السلطنة بعد، إذن إن الخطر هو في تحالف هذه القوى الغريبة من جهة، وتفكك الجبهة الداخلية العربية الإسلامية من جهة أخرى، لذا عمل الظاهر بيبرس على توطيد الداخل وتقويته مبتدئاً بالأردن وقلاع الكرك والسلط وعجلون، ومن ثم توطيد سلطته في دمشق والقاهرة، وكانت وحدة الدولة في نظره هي الخطوة الأولى لقوتها، والخطوة الأولى لكسر شوكة الأعداء في الداخل والخارج , وان توحيد الجبهة الاردنية هي الخطوة الاساس قبل الخطوة الاولى , وقبل كل خطوة , وهذا ماكان .

ثم نقف عند محطة مهمة وهي علاقة الملك الظاهر بيبرس بقلعة بني عوف في عجلون , وبمعنى آخر بالجزء الشمالي من الأردن الممتد من نهر اليرموك إلى نهر الزرقاء والذي يشمل البادية الشرقية والأغوار وطبرية وبيسان واريحا , وتبدأ قصته من الخطوة الأولى عندما اقتطع عجلون من التبعية لدمشق بسبب ثورة عامله هناك، وأتباعها لإمارة الكرك معيداً توحيد أجزاء الأردن الجغرافية، ومستغلاً غضب بني عوف (أهل عجلون آنذاك) على الأيوبيين عندما قام أحد قادة صلاح الدين بجمع شيوخ بني عوف وزجهم بالسجن، وقتل بعضهم، وأخذ جبل القلعة منهم، والاستيلاء على أراضي واسعة من اراضيهم تبعاً لذلك.

كان الظاهر بيبرس يرى في عجلون أنها تأتي بالدرجة الثانية بالأهمية بعد الكرك، ثم تأتي قلعة السلط بعدهما، أي بالدرجة الثالثة، وأن سياسة القفز من فوق الحواجز وتجاوز القلاع يجب أن تتحقق بالسيطرة , وقد كانت الفرصة مواتية للظاهر بيبرس، إذ أن قاضي عجلون وصاحب النفوذ الأول فيها آنذاك أحمد بن عبد الصمد بن عبد الله كان صاحب الكلمة المسموعة في تلك الديار، وكان على معرفة وصداقة وثيقة بالظاهر بيبرس أثناء تجواله بالأردن هائماً وقائداً يعرض خدماته (الظاهر بيبرس) على صاحب مصر والشام فلم يقبل به أحد منهم , ثم قبله المغيث ملك الكرك كما سبق وذكرنا.

وجد بنو عوف ان الفرصة مواتية لرد الاعتبار والانفصال عن الشام والانتقام من الايوبيين الذين قتلوا العديد من زعاماتهم , ووجد بنو عوف ان توحيدهم مع بقية اجزاء الاردن الاخرى من السلط والكرك والعلا , هو الاجراء الصحيح والمطلب الوطني الذي كانوا يتوقون اليه منذ امد بعيد .وقد ادركه الظاهر بيببرس ايما ادراك , واستغله افضل استغلال , مدعوما من قاضي عجلون الشرعي الذي كانت تربطه بالظاهر بيبرس علاقة شخصية وطيدة منذ زمن بعيد كما قلنا.

تمكن القاضي من تسليم قلعة بني عوف في عجلون، وحاميتها لقوات الظاهر بيبرس بسلام , وبالتالي صارت وما حولها وتبعها من البلاد تابعاً لإمارة الكرك، ثم تحركت قوات الظاهر بيبرس وامتلكت قلعة السلط، ,حيث رحب السلطيون باعادة توحيد الاردن واهتمام السلطان بالاردن ومنها السلط , وبذلك أعيد توحيد الأراضي الأردنية منفصلة عن الشام ومصر وفلسطين، وصارت ملاذاً وطموحاً للظاهر بيبرس أن تكون إمارته ومملكته، هو وأولاده من بعده، إذا ما داهم خطب أو خطر في القاهرة او دمشق .

استفاد الظاهر بيبرس مما كان فعله اليونان والرومان بإقامة المدن العشرة على طول سلسلة الجبال الأردنية الشرقية، فأقام القلاع بدلاً من ذلك وبنى الحصون، وتوسّع في ذلك حتى بلغ حمص شمالاً، وحتى الشوبك ومعان والعقبة جنوباً، لتكون هذه خطاً دفاعياً أمام أي تقدم للتتار نحو البلاد، وحوّل صلاحياته في إدارة الإمارة الى نائبه في الكرك . وقد كانت الكرك مركز أسرى السلطان الذين قبض عليهم في أرسوف على الساحل الفلسطيني حيث أسر أهلها من الصليبيين وأرسلهم بالأغلال إلى الكرك . وزاد السلطان على ذلك أن اتخذ عجلون معقلاً للسجناء من خصومه السياسيين، وذلك لأنها موجودة في مكان بعيد عن الأنظار يصعب الوصول إليه، والسيطرة عليه , ولان بني عوف كانوا مخلصين له ومتعاونين معه , وهم ايضا قوم اشداء شجعان وتدعمهم بقية العشائر الاردنية الاخرى مثل الازد ( الزيادنة في قرى جرش ) وبني عتمة ( العتوم ) والمومنية والصمادية وبقية عشائر خيط اللبن ( وهم اغلبهم من بني عوف ) , حيث قراهم الى الشرق والشمال والشمال الشرقي من عجلون .

التعقى بيبرس بشيوخ هذه العشائر واتفق معه على الطريقة ذاتها التي اتفق فيها مع العشائر الاردنية في الكرك , وبذلك صارت الجبهة الاردنية من شمالها الى جنوبها ضمن دائرة الاخلاص للسلطان بيبرس

بعد هذا الترتيب الداخلي، وجد بيبرس أن بقاء الفرنجة غرباً في فلسطين واتصالهم عبر البحر مع عمقهم الاستراتيجي الاوروبي قد يؤدي إلى تزويدهم بحملات جديدة من قطعان الصليبيين، لذلك اعتمد الجيش الأردني لتطهير الساحل من الفرنجة وتحرير بقية فلسطين من الصليبيين مركزاً تلو الآخر.

كان يهمه الاعتماد على القوات الأردنية لعدة أسباب:

1. منها لكي يشعرون أنهم هم الوحيدون موضع ثقته ومحبته، فلا يخامرهم حينها أي شعور بالثورة ضده بل قمع اية ثورة ضده قد تظهر في مصر او الشام او فلسطين .

2. وأيضاً: لكي يدربهم على القتال استعداداً لأية مهمات أخرى قد تحتاج لقتال جيش مصر أو جيش الشام إذا تمرد أي منهما عليه , ولكي يشعران لديه جيشا عربيا اردنيا مدربا تدريبا اعلى مايكون في عرف ذلك الزمن .

3. لكي يلفت أنظار أهل مصر والشام إلى الأردنيين، وأن بيبرس عندما دعمهم واعتنى بهم إنما فعل ذلك استعداداً لهذه المعركة، وبالتالي فهم موضع الثقة،بل ويستحقون هذه الثقة والدعم والاهتمام , وبرهان على ان نظر السلطان كان ثاقبا جدّاً في تقييم الشعوب والجيوش.

4. لكي يسجِّل للتاريخ أن الأردنيين انهم حاربوا في حطين ودعموا صلاح الدين من اجل الدين والوطن , وانهم حرروا الاقصى وفلسطين زمن صلاح الدين من الفرنجة , وانهم حرروا القدس للمرة الثانية من الاحتلال الصليبي زمن الملك الاردني الناصر داود الأيوبي ، بعد ان سلمها الملك الايوبي الملك الكامل ( الهامل ) على طبق من ذهب كما سبق وذكرنا , وان الاردنيين قادرون مرة اخرى على تحرير بقية فلسطين من الفرنجة. وبالتالي فإن سياسة صلاح الدين في معاقبتهم بدل استمالتهم كانت سياسة عباسية مبنية على الحقد التاريخي الذي لا مبرر له، ولإثبات أن سياسية الظاهر بيبرس أكثر حكمة وعقلانية , وان المماليك افضل للاردن من الايوبيين .

5. وأيضاً لكي يأخذ ما يكسبه من أموال وسبايا ويرسله للكرك ولا يعرف ذلك إلا الجيش الأردني، ولو كان جيش مصر أو الشام هو الذي على جبهة القتال لرفض إرسال هذه الثروات إلى الأردن، ولطلب الجنود إرسالها إلى بلادهم.

6. أن الأردنيين يحاربون مع قائدهم عبر التاريخ بكل شجاعة وإخلاص، وكذلك فعلوا مع ميشع وحرروا الأردن من الاحتلال اليهودي في حينه، والآن يريدون تحرير فلسطين من الاحتلال الصليبي، إنه تداخل التاريخ مع فلسفة الحكم، مع ظروف الواقع والنتيجة هي الفوز واستثمار الفوز.

تعلم الظاهر بيبرس درساً مما فعله صلاح الدين، حيث أن ماسمي انه سموّ أخلاق صلاح الدين بالعفو عن الفرنجة قد أخر خروجهم أكثر من مائة عام، وكان اجراءه مخالفا لنصيحة الاردنيين الذين نصحوا بيبرس بابادة للفرنجة , وهذا ماعمل به الظاهر بيبرس بإبادة الفرنجة إبادة شاملة عن آخرهم، مما دبّ الذعر فيمن لم يلحقه السيف منهم وغادروا هاربين إلى أوروبا إلى غير رجعة إلى بلادنا . وبعد انتصاره بالجيش الاردني على الصليبيين في فلسطين , واحتلال قلعة صفد وإبادة من فيها عن بكرة ابيهم , عاد إلى الأردن ليقدم الشكر لأهلها على دعمهم له , وموقفهم معه في ضرب الفرنجة .

وقد التقى العربان الاردن بمؤتمر عام في زيزياء في ضيافة بني جذام ( بني صخر ) وقدم لهم الشكر وعبر لهم عن حبه لهم وكذلك هم عبروا له المشاعر ذاتها وتبادلوا التهاني بالنصر وتحرير فلسطين من الفرنجة تحريرا كاملا على ايدي الجيش الاردني الباسل , واراد اخذ قسط من الراحة والاستجمام في زيزياء , وراح يتصيد فكبا به فرسه وانكسرت رجله مما اضطره أن يخيم هناك حتى تماثل للشفاء ، تحرك بعدها إلى الكرك. واثناء انتظاره للشفاء توافد اليه شيوخ عربان الاردن من اليرموك الى العلا وتبادلوا معه تهاني النصر ايضا بتحرير فلسطين من قوات الغزو الصليبي.

كان الظاهر بيبرس يفضل لبس أهل الكرك والعباءة العربية الاردنية ، وزار الإمارة الأردنية خمس مرات كان في كل مرة يزيد من إحسانه لأهلها، وكان يخشى من قيام ثورة فيها رغم كل ما قدمه لأهلها لمعرفته مدى الترابط والمحبة بين الأيوبيين والأردنيين.

وبالفعل وقع المحذور، إذ أن ثورة ظهرت بالكرك عام 674هـ/ 1276م كانت جزءاً من مؤامرة كبيرة بقيام ثورات ضد بيبرس والمماليك في كل من القاهرة ودمشق، وقد قاد هذه الثورة بالكرك جنود أكراد قدموا مع الظاهر بيبرس نفسه وليس من الاردنيين ، ونادوا بأحد الأمراء الأيوبيين ملكاً على الكرك وكان الاتفاق مع التتار أن يقوموا ( التتار ) باجتياح سوريا والأردن ومصر أثناء قيام ثورات فيها ويتم القضاء على الظاهر بيبرس والمماليك وسلطانهم، واستعادة سلطة الأيوبيين. كان الايوبيون جاهزون لتسليم بلاد العرب واعراض العرب واموال العرب وكرامة العرب وقلاع العرب وقتل العرب لقاء العودة الى السلطة , وتحولوا الى مطايا عفنة للتتار لكي يصلوا الى الملك . لقد كان الايوبيون عبيدا لكراسي الحكم لاكرامة عندهم امام السعي لكراسي الحكم ,

ومن حسن الطالع ان الظاهر بيبرس تنبه لهذه الخيانة الايوبية وعرف بها قبل تنفيذها , واعتقل رؤوس الفتنة في القاهرة وهم من أمراء المماليك الذين لا زال دم العبودية للأيوبيين يجري في عروقهم، ثم توجه سرّاً إلى الأردن وهو يرتدي اللباس الاردني من الثوب والعباءة بحيث بدا انه بدوي اردني عابر سبيل مما ساعده على الامن والحماية ، فدخل البتراء ثم توجه إلى قلعة الشوبك، وافصح عن شخصيته واستدعى امراء العربان الذين كان اغدق عليهم المال والخلع والهدايا والالقاب .

وهنا حضر إليه أمراء بني عقبة الذين كانوا هدفاً للإبادة كونهم من الموالين للأيوبيين، وأعلنوا أنهم لا علاقة لهم بالمؤامرة، وقدموا له الطاعة والموالاة والخيول، وأنهم تحت تصرفه وفي خدمته، ثم واصل سيره إلى الكرك ودخلها فجأة وبدون سابق إنذار وقبض على ستمائة من جنود الاكراد المتمردين وأمر بشنقهم جميعاً، لكن أهل الكرك تشفعوا بهم , فاكتفى بطردهم إلى الديار المصرية واستبدلهم بحامية كانت سبقته من القاهرة إلى غزة، ووضعهم بدلاً من هؤلاء الأكراد، واعتنى بالأردن حيث أقام الأبنية حول مزارات الصحابة الكرام، وخصص لها وقفاً للإنفاق عليها، وحصّن القلاع، ومهّ?Zد لإقامة حكم ملكي وراثي في ذريته، وذلك لضمان استقرار الدولة بدل أن تبقى خاضعة للصراعات واعتلاء الأقوى من الأمراء أو أكثرهم دموية. وقد أمر بمبايعة ولده الملك السعيد ولياً للعهد، وأخذ بيعة الأمراء ورجال الدولة بالقاهرة.

إلا أن هاجس الخوف من أسياده الأيوبيين بقي كابوساً على كاهله ورأى أن يرتاح من آخر ملك من ملوكهم وهو الملك القاهر عبد الملك بن الناصر داود الأيوبي، ابن ملك الكرك الناصر داود، والتقيا في قصر الأبلق في دمشق، وأمر الظاهر بتقديم السمّ القاتل مع العصير للملك القاهر فلما شربه أحسّ بالسمّ وغادر إلى بيته ومات. وتنفس الظاهر بيبرس الصعداء، وأمر الساقي أن يقدم له ( الى بيبرس ) عصيراً فرحة بما تحقق من قتل الملك الأيوبي، إلا أن الساقي أخطأ ( وربما لم يخطيء ) وقدم العصير المسموم للظاهر بيبرس بنفس الكأس التي قدمها للملك الأيوبي، وهنا شعر الظاهر بيبرس أن المكر السيئ قد أحاق بأهله، ولقي حتفه مسموماً بنفس السم ونفس الكأس ونفس اليوم . فسبحان الله رب العرش العظيم .

ولا نريد النقاش فيما إذا كان الساقي قد أخطأ أو تعمّد رغم انه امر يستحق النقاش , ولا نريد ان نناقش الفجوة الامنية القاتلة التي اودت بحياة السلطان بيبرس , فهذا ليس مجالنا ، ولكن ما يهمنا هي النتيجة وحدها، وهي أن الظاهر بيبرس قد غدر بقائده قطز وقتله وتولى العرش بعده، وغدر بسيّده الملك المغيث ملك الكرك وقتله شر قتلة بالصرامي ، وغدر بابن المغيث وسجنه وبقي في السجن اثنان وعشرون سنة ونيف، كل ذلك من أجل بقائه في السلطة وتوريثها لأولاده، ولكن نهايته كانت مفاجئة له، وقبل أن يحقق ما يريد تحقيقاً نهائياً لقي حتفه بالسم الذي اعده لاخر ملك ايوبي ، وتم دفنه سرّاً في قلعة دمشق، وتمت مبايعة ولده الملك السعيد في القاهرة، وقد أعلمه والده أن الملاذ الآمن للسعيد وإخوته وأسرتهم هي الاردن / هي الكرك، وهذا مااعده لهم من قبل ,وأن الأهل الذين يستحقون الثقة هم أهل الأردن، وان الوطن الذي يجب ان يكون الملاذ الامن هو الاردن , وأن الظاهر بيبرس قدّم من الإحسان إليهم ما سيجعل الأردنيين يردّون لأولاده الإحسان مضاعفاً لأن ذلك طبع الأردنيين ان يردوا الاحسان احسانا ( هل جزاء الاحسان الا الاحسان ؟) .

وبموت الملك الظاهر بيبرس ، وكان أوصى بمبايعة ولده الملك السعيد بن الظاهر بيبرس ، شارعا في اعتماد النظام الوراثي في انتقال السلطة ، وهو أمر لم يألفه المماليك بينهم من قبل، وإنما كان السلطان محصّلة لاختيار أمرائهم، وكان أعلاهم وأقواهم بعد موت بيبرس هو الأمير سيف الدين قلاوون الذي تظاهر بعدم رغبته في السلطة، إلا أنه قاد تمرّداً ضد الملك السعيد (وكان كلاهما في الشام في تلك الفترة ) ، فقام الملك السعيد بإرسال أمواله وأولاده ونسائه إلى الكرك، وبالتالي كانت ملاذاً آمناً مثلما اوصاه والده من قبل ، وحرص السعيد على وصية والده أن وطنه الحقيقي الآمن هو الكرك والأردن وليس مصر أو الشام.وان الشعب الوفي الابي الشجاع هو الشعب الاردني .

حدث ما كان متوقعاً، إذ أنه وعلى أثر عودة الملك السعيد إلى مصر، تخلّى عنه جيشه الشامي والمصري، فاضطر للاعتصام في القلعة بالقاهرة , مما اضطر الملك السعيد ان يتنازل عن الملك للسلطان الناصر قلاوون مقابل أن تكون الكرك وأعمالها للملك السعيد ، وأن تكون الشوبك لأخيه الخضر بن بيبرس ، واتفق أمراء المماليك على عدم إيذائه، مقابل ألا يقود ثورة ضدهم لا في مصر ولا في الاردن , وغادروا إلى الكرك، ليجد قلاوون نفسه في ثنايا عواصف هوجاء ضده في الداخل والخارج، إذ صارت الكرك مركزاً لثورة حقيقية يقودها أبناء الظاهر بيبرس ويدعمها الأردنيون، فضلاً عن ثورة والي الشام واتصال الثائرين بعضهم مع بعض لخلع السلطان الجديد قلاوون لصالح الملك السعيد بن االظاهر بيبرس .

وبذلك دخلت الكرك والأردن ضمن المعادلة السياسية , وصارت معادلة للشام ومصر ومكافئة لهما . وصارت المعادلات ثلاثة هي : الاردن , مصر , الشام . اما الاردن فكانت الاقوى في المعادلة في هذه الفترة لانها كانت تشتمل على الشرعية الأساس وهي وجود أبناء الظاهر بيبرس الذين يفترض أن يؤول إليهم العرش حسبما كانت البيعة اساسا , وان قلاوون مغتصب للسلطة ، كما أن أهل الأردن يقفون وراء ابناء بيبرس دعماً وإخلاصاً، فضلاً عن الإمكانات الهائلة، حيث تخزين الأموال والميرة والغلال والأدوات الحربية في الكرك بحيث تستطيع الصمود أمام أي حصار أو جيش يحاول احتلالها.وتستطيع ان تكون مركز انطلاق لاحتلال مصر او الشام .

لم يكن أمام السلطان قلاوون إلا العمل بهدوء أمام هذه الأمواج العاتية من الثورات والقلاقل، وبخاصة أن الوصول إلى العرش قد يكون سهلاً، لكن استمرار الجلوس عليه أمر لا يتأتى لأي شخص، كما أنه أمر في غاية الصعوبة، وكما يقول شكسبير الإنجليزي: uneasy lies the head( إن الرأس الذي يضع التاج لا يعرف الراحة )، وشرع السلطان قلاوون وأبناء الظاهر بيبرس كل في بناء نفسه وتوطيد قدميه وعرشه وشرعيته ، ذاك في مصر، وهؤلاء في الأردن.

أما أولاد الظاهر بيبرس الذين اتخذوا من الكرك عاصمة لهم، ومن قلعتها حصناً ومعقلاً، ومن أهل الأردن شعباً وعزوة، وأهل الكرك عشيرة وعصبة، فقد قام الملك السعيد بن الظاهر بيبرس باتخاذ إجراءات هامة لاستمالة الناس، وضمان التفافهم من حوله، والحيلولة دون اختراق السلطان قلاوون ورجاله لهؤلاء الناس، فاتخذ الملك السعيد عدة إجراءات كانت كما يلي:

1. رفع كثيراً من المظالم التي كانت كابوساً على الناس، وتراكمت واستمرت منذ عهد الملك الناصر داود الأيوبي، وتكرّست زمن الملك المغيث والسلطان بيبرس.

2. ألغى جميع الضرائب التي يدفعها الناس، فصارت إمارة أردنية بلا ضرائب للدولة على الناس وأموالهم، وكان غالبية هذه الضرائب قد فرضها الظاهر بيبرس وهو في السلطة، وقد عوّ?Zض وغطّى حاجة النفقات من الأموال الكثيرة الوفيرة التي كان والده بيبرس أودعها الكرك لمثل هذه الظروف الصعبة وجاء بها من الشام ومن مصر اصلا .

3. ترتب على ذلك حب الناس للملك السعيد ودعمهم له، والتفافهم حوله، واستقطب الناس من كل حدب وصوب، كما توافد إليه المماليك من مصر، فأكثر من استخدامهم حوله في القلعة أيضاً، وبذلك ازداد أتباعه بين شعبه وجيشه.

4. تنبهت الإدارة المملوكية / إدارة السلطان قلاوون إلى هذه الإجراءات وأدركوا الخطر الذي بات يشكله أبناء الظاهر بيبرس في الأردن على عرش السلطان في القاهرة.

5. كان الإجراء الأول أن قرر السلطان انتزاع الشوبك وما حولها من سيطرة وأملاك السعيد بن بيبرس، لتقل وارداته، وتتقلص مساحة إمارته، وتنفصل عنه عشائر الشوبك الادومية المعروفة بشجاعتها وشدتها . وبناء على هذا الإجراء انتقل الملك خضر بن بيبرس إلى عند أخيه في الكرك ، وصار احتمال الحرب والاستعداد للمواجهة واضحاً للعيان.

كان الصراع بين سلطان اغتصب السلطة وهو قلاوون يريد تثبيت عرشه وسلطته بالقوة ، وسلطان تم انتزاع شرعيته منه ويريد استعادة عرشه وهو الملك السعيد بن الظاهر بيبرس، ذاك في مصر حاضرة البلاد الغنية، وهذا في الكرك المنيعة بأهلها وقلعتها الشحيحة بمواردها مقارنة بما هي عليه مصر والقاهرة.

كان رد فعل الملك السعيد على انتزاع الشوبك، أنه خشي من الخطوة التي تليها وهي انتزاع الكرك وبقية الأردن من يديه، ومن ثم طرده إلى الخارج أو سجنه أو قتله. لذا وجد نفسه مضطراً للهروب إلى الأمام، وذلك أن كاتب ( كتب الى / راسل ) نواب الشام طالباً منهم التصرف لاستعادة عرش والده، باعتباره الوريث الشرعي بالوصية من والده، والبيعة من أمراء المماليك وأهل الحل والعقد.

أما الناصر قلاوون فوجد أن استخدام القوة مع الأردن وملكها السعيد بن بيبرس هي السبيل لتثبيت عرش السلطنة بيده، حيث أرسل قوة عسكرية إلى عربان الشوبك وضايقهم وأهانهم وطاردهم وخيّرهم بين الموت أو تسليم القلعة لجنود قلاوون، وحيث أن الناس اعتادت على تداول السلطة بين هؤلاء الغرباء الوافدين للبلاد، فقد أسلموا القلعة لحماية أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وكان ذلك في العاشر من ذي القعدة عام 678هـ/ 14 آذار 1280.

وحيث أدرك قلاوون أن الملك السعيد بن بيبرس هو رأس الفتنة لأنه رأس الشرعية الأساس، فإن بقاءه حياً سيعني ضياع السلطة من يد قلاوون عاجلاً أم آجلاً، ورغم أن الملك السعيد كان زوجاً لابنة الناصر قلاوون نفسه وتعيش في كنف زوجها في قلعة الكرك إلا أن المُلْك?Z عقيم، ولم يمنع ذلك قلاوون من إرسال من دسّ السّم للملك السعيد ( زوج ابنة قلاوون ) فتوفي رحمه الله في 11 ذي القعدة 678، 15 آذار 1280م، أي في اليوم التالي من الاستيلاء على الكرك ، وقد أدى هذا إلى حقد زوجة السعيد على أبيها قلاوون، وحزنت على زوجها وماتت بعد أشهر كمداً وحزناً عليه، ورغم دفنه في مقبرة الشهيد جعفر الطيار في مؤتة الى الجنوب من مدينة الكرك ، إلا أنه تم نقل جثمانه فيما بعد لدفنه إلى جانب والده في دمشق.

وبهذه المؤامرة بالقوة والسم استطاع قلاوون أن يرتاح من الملك السعيد بن الظاهر بيبرس محبوب الأردنيين الذين حزنوا عليه كثيراً، وحقدوا على قلاوون حقداً لم يسبق له مثيل. ولكن السلطان قلاوون، وجد طريقة لإشغال أهل الكرك والأردن بالجهاد في ديار خارج بلادهم، وكسب قلوبهم وترضيتهم، ولا شك أن الناس والرعية مهما حزنوا أو غضبوا، فإنهم في النهاية لا حول لهم ولا طول. أما جنود الكرك فقد بايعوا الملك خضر بن بيبرس بدلاً من أخيه، وسموه الملك المسعود الذي قاد ثورة للانتقام لعرشه ولأخيه وأسرته وأبيه.

بدأ الملك المسعود بالتوسع في منطقة شرق الأردن، والاتصال بنائب دمشق الثائر ضد قلاوون، لتكوين جبهة أردنية سورية ضد قلاوون وجبهته المصرية، ثم قام بحملة تجنيد للأردنيين وأنفق الأموال وأرضى العربان واستولى على مدينة السلط وقلعتها وعلى ديار البلقاء حيث وجد كل المحبة والدعم من أهلها، بينما بقي الجزء الشمالي (عجلون وما بعدها) تحت أمرة حاكم دمشق الثائر ضد قلاوون والمؤازر للملك مسعود بن بيبرس، أما الشوبك فقد بقيت في يد السلطان قلاوون ورجاله.

أما زعيم الثوار في دمشق فقد وسع الحركة الشامية الأردنية، بأن أرسله رسله إلى المدن والقرى السورية يأخذ من الناس البيعة له ضد قلاوون ثم اتصل رجاله بأمير العربان الطائي وهو الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا الطائي أمير العربان من حلب إلى وادي السرحان إلى تبوك، وهنا يظهر اسمه لأول مرة، لتكون له مكانته في الخارطة السياسية زمن المماليك، وكان الأمير عيسى بن مهنا شيخ عربان البلاد الشرقية، بدلاً من أمراء بني أيوب الذين كانوا من قبل ملوكاً للديار الشرقية، وكان آخرهم الناصر داود ملك الكرك الذي كان أميراً للأردن والبلاد الشرقية مدار البحث .
 
* التعليقات محجوبة بناء على رغبة المؤلف .


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد