قبلة .. فاصلة

 قبلة  ..  فاصلة

14-05-2017 10:17 AM

على بعد همسة من الشوق، وبالقرب من لهفة الحنين، كانوا هنا، وغادروا كما غيم الربيع، لكن الفرق أن هاماتهم تركت آثارها، فنما الشوقُ على جدار اللغة، هذه هي تجليات القلب حين يعانق القلب، تصمت الشفاه عن الهمس، تاركةً بحراً مائجاً من الظلال الوارفة في سمائنا الملبدة بكل ما هو جميل .. وحزين.
 
بالأمس حط رحال وفد من الروائيين العرب من المشاركين في ملتقى الرواية العربية الأول، في ربوع قلقيلية، وهم قامات وأقلام لها صولاتها، تؤنس السطور كلما فاضت أحبارها، الوفد الذي صهر الحدود الفاصلة فأتى إلينا عربياً ( خالصاً ) ..!! زار محافظة قلقيلية، وعايش هموم حياة الموطن الفلسطيني الذي يتجذر في أرضه فيسقيها من فؤاده عرقاً باذخاً، عرقاً رقراقاً .. فتأبى ذرات التراب الحبلى بالحنين .. الا أن تطرح الليمون والجوافا .. وما اشتهت الأنفس .. وألفت الروح.
 
هنا حيثُ الحدود الفاصلة، قبلةٌ على جذع شجرة المشمش في أرض عبد السلام غرب المدينة..
 
 وهناك لمسة أنيقة على غصن زيتونة غرسها طفلٌ في مدرسة الصمود بعزون عتمة الباقية..
 
 أما في خيمة الأسرى، فقد تركوا دمعة حارقة، نعم هي دمعة الروائي السودني " حمور زيادة " .
 
كل هذه الأيقونات الفريدة .. معلقة في سماء قلقيلية على بعد قُبلة تحت الشمس بقليل، أو ما بعد الفضاء اللغوي الذي نعرفه، ربما تكون لغتنا ركيكة إذا ما حاولنا إعادة صياغة مدلولات تلك الزيارة بأبعادها المختلفة، وبتجلياتها الرقيقة، لأنها أكدت أن الملح والماء يصنعان نصراً حتى لو كان بأمعاء خاوية.
 
المثقف العربي عندما يعايش الحالة بعيدً عن جوهرها، ويلقي بذاته المبدعة بعيداً عن الشعارات الزائفة التي يتداولها الإعلام العربي في السجال الدائر بين ( الإسناد، والتطبيع ). هنا تسقط كلُ جمل الإنشاء، أمام حقيقة ساطعة، لأنه عندما تكون المواجهة حقيقية بين المحتل والشعب الفلسطيني تتجلى حقائق الوحدة بدلاً من زيف الانقسام.
 
في الحالة الفلسطينية .. هناك ثابتٌ وحيدٌ هو الوطن الممتد من عهد كنعان إلى عهد هذا الإنسان الصامد منذ ذلك التاريخ وحتى تسع وستين عاماً من الموت.
 
تسعٌ وستون عاماً من اللجوء لم تغيب الذاكرة الجمعية للشعب الذي أريد له أن يكون خارج المكان مشرداً خلف الحدود الفاصلة.
 
هذا المكان الممتلئ بقدسية التاريخ وحتمية الانتصار المؤجل .. الكتاب العرب رأوا حقائق شاسعة انتابها بعض الضبابية عندما كانوا هناك، لأنهم لامسوا الحقيقة عن قرب، وأنا على يقين بأن ما عاينوه ولامسوه من حقائق .. سيكون الرد الأمثل على أولئك الذين أبحروا  بعيداً عن مينائنا الأزلي، وذلك من خلال قلائد أدبية أبديه خالدة ، لأن حتمية الحقيقة أبقى من هوائية الشعارات.
 
ولأننا متيقنون من عدالة ما نصبوا إليه فإن مقولات التطبيع التي ستخرُ واقعة في ساحات السجال اليومي بين الإرادة الشعبية الجامعة، وبين مفردات السياسة التي تأتي بين قوسين ( ربح، وخسارة ).  وسط هذا السجال هناك حق راسخ وتسع وستون موتاً من النكبة، وأمعاء اقتربت من يومها الثلاثين من الجوع .. تنتظرُ من يمسح حزنها، ويطبب جرحاً أوغل المحتل فيها.
 
على بعد قبلة .. فاصلة رواية .. ليست رواية الفلسطيني وحده، وإنما هي رواية الكل العربي ضمن المسؤولية الجمعية وما يتبعها من مسؤوليات أخرى إنسانية.
 
على بعد قبلة .. فاصلة، دهاء يريد للشفاه إلا تلتحم مع الوردة، أنتم هناك في فضاءاتكم ضمن واقع لا يمكن تجاهله، لكنني على ثقة حتمية أن النصر نصنعه معاً رغم الحدود والأسلاك الفاصلة.
 
في هذه العجالة المستظلة بشذى أزهار الليمون في بيارات قلقيلية، والممزوجة مع مشاعر الأصالة للزائرين (الأهل)، لست أحاول استدرار عطف أحد... إنما هي الكلمات وحدها تنطلق من إحساس لا نعاينه كل يوم. زيارتكم تركت أثرا لا يمحى، وقبلتكم تركت أثارا أعظم من أن تنسى. فإلى اللقاء.
 
قبلة، وفاصلة .. 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر