عن رواية فوق الأرض للأديب محمد فتحي المقداد

عن رواية فوق الأرض للأديب محمد فتحي المقداد

19-02-2021 10:52 AM

 فطين الشخصية الرئيسة في رواية فوق الأرض ، هذه الشخصية المختفية خلف الكواليس ، يتقمص فطين شخصية المقداد كاتب الرواية لينوب عنه في سبكها ولكنه يتمرد ويأبى أن يكون السارد ليتوارى خلف شخوص الرواية ويتيح لهم أن يرووا حكاياتهم وينسجوا خيوطها من واقعهم المظلم ، المليء بالقصص والأحداث ، فنتذكر رواية ميرامار للأديب العالمي نجيب محفوظ، وراشومون للياباني ريونوسوكي آكوتا جاوا ففي الرائعتين يروي كل شخص من شخوص الرواية الحادثة من منظوره الشخصي فتختلف الروايات والتأويلات ، ولكن في رواية المقداد تتشابه الروايات وإن اختلفت بأحداثها، ولكنها جميعها تعبر عن مضمون واحد ألا وهو الظلم الذي يقع علينا يا من نعيش فوق الأرض ، ويرى فطين أن هناك حاجز وهمي يفصلنا عن هؤلاء الراقدين تحت الأرض إذ يقول: (ما يلاقيه الميت تحت الأرض في قبره من عذاب وحساب لا يقل عما يحدث فوق الأرض من ظلم وتظالم) والظلم يدل على أن هناك أناس يقع عليهم فعل الظلم فهم مظلومون، والظالم والمظلوم وجهان لعملة واحدة، وأعداء الأمس هم أصدقاء اليوم كما ورد في الرواية،

 
أبطال الرواية جميعهم يعانون من الظلم، منهم من استشهد مثل فادي الرائد بالجيش، ومنهم من آستشهد بيد النظام مثل نادر، وكلاهما شهيد بعرف الدولة والشعب، وأشخاص الرواية يروون حكاياتهم النابعة من معاناة الشعب السوري فمنهم من استشهد كما سبق وأشرت ، ومنهم من أصيب بعاهة جراء إصابته بشظية مثلا، ومنهم من اضطر ليهادن (من جعلت يده تمتد لمصافحة الأيادي السوداء اللابسة القفازات البيضاء الأنيقة سعيا للوصول إلى رغيف الخبز رمز البقاء الأعظم ص ٢٤٠) ، وهناك الرحالة القادم من ليبيا ، عند عودته يظهر الولاء عكس ما يضمر في قلبه من أحقاد (داخله المأزوم بصراع ما بين الذات والواقع المفترض أن يعيشه ص ٨٢ ، وعليه استخدام طاقاته الهائلة للتوفيق بين حالتيه الحقيقية والزائفة) ومنهم من فضل الهجرة والهرب مثل فاضل، وخير مثال لرفض الواقع والهروب منه هو هالة نجم الدين الفنانة التشكيلية المهاجرة إلى إيطاليا، وهالة تتميز بثقافتها العالية وطموحاتها الكبيرة إذ تسعى لإقامة معارض للوحاتها التشكيلية في بلاد الحرية ، وبذكاء الروائى يعلن أحد شخوص الرواية نصار عن تشابه كبير بين وجهي هالة وحبيبته حمدة، والتشابه هنا ضمني ، هو تشابه في القلب والوجدان حيث أن حمدة لا تختلف عن هالة في رفضها للظلم، ولكن طريقة التعبير عنه عند هالة يتخذ مظهرا مختلفا، تعبر عنه هالة بتعابيرها الواعية والتحليلية لواقع الحال مع آنها ترى الفرق شاسعا بين حياتنا وتقاليدنا العربية والإسلامية وبين التقاليد والحياة في الغرب ومع ذلك تسعى للانتشار في بلاد الغرب ، ويهيء لها فكرها أنها تستطيع أن تعبر هناك بحرية عن آرائها الرافضة للظلم ومع ذلك هي لا تختلف عن الأم الثكلى بولدها الشهيد التي تعبر عن حبها بفقد ولدها إذ تقول: (دموعي غير قابلة للدخول في مزادات المتسلقين على الواجهات الإعلامية وأرفض التفاوض عليها وستبقى لعنة للتاريخ ص ٢٣) . هذه المرأة البسيطة تعبر بشفافية عن وجعها ، وتعكس ثقافة آكسبتها إياها التجربة والمأساة والإحساس بالظلم ، والمعاناة، اكتسبت هذه المهارات بالفطرة عكس هالة التي نهلت ثقافتها من علمها وفنها ، ولكن فطين يفاجئنا في النهاية إذ يعلن اختفاء هالة الغامض لنستنتج أن القمع يمارس في بلاد الحرية تماما كما يُمارس في بلاد القمع، ولكنه يُمارس هناك بفنية عالية يُمارس بهدوء وصمت وسرية تعلن عن ذاتها بالتواء، فالظلم عام وشامل ، ويتخطى الحدود ليعم العالم إذ يعبر الكاتب بقوله (البؤس لا يستحي بالإعلان عن نفسه سواء كان في روما، أو الدنمارك ، أو باريس، أو دمشق، أو بغداد، أو صنعاء ص ١٣٩)
 
الرواية كتبت بآسلوب شائق، ينم عن خبرة ودراية بفن الرواية، وجاءت بمضمونها لدعم الإنسان أينما وُجد، والسعي لحياة حقيقية يحلم بها المواطن العربي ليعم السلام، وتنتهي الحروب، ولكن أبطال الرواية يقفون على شفا الهاوية بين السقوط والصمود، ويتوقف الكاتب عند هذا الحد ليترك للزمن والتاريخ رسم المستقبل المنشود.
 

 

 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

أضرار مادية ببرج "أرامكو" بالرياض جراء شظايا اعتراض صاروخي

محاكمة عن بعد وشهادات تفصيلية .. مجريات الجلسة الثانية لقضية اعتداء الكرك

إلهام شاهين تتقدم بشكوى ضد مرتضى منصور .. وتطالب بحجب حسابه

المخرج أزاح الغموض أخيراً .. 3 فنانات وراء توقف تصوير مسلسل محمد رمضان

مزارعو الحمضيات يطالبون الحكومة بتدخل عاجل لإنقاذ مزارعهم

وزارة الاستثمار تعلن عن وظائف شاغرة .. تفاصيل

رسميا .. إجراء قرعة خدمة العلم واختيار 9 آلاف مكلف من مواليد 2008

افتتاح نفق شطنا على طريق إربد الدائري أمام حركة السير

سوريا ولبنان بعيون آيزنكوت .. بين إعادة رسم الترتيبات الأمنية ومواصلة نهج الوجود العسكري

محاولة استهداف مبنى تابع لأرامكو في الرياض .. والكشف عن حجم الأضرار

ضبط كميات كبيرة من المخدرات وتوقيف 28 شخصاً في 15 قضية

الأمن العام يوجه رسالة الى الملازم العنانزة .. ماذا جاء فيها؟

التربية تعلن برنامج امتحانات التوجيهي التكميلي 2026

المومني: نتعامل مع وزراء إسرائيل المتطرفين كنكرات

استقرار أسعار الذهب في الأردن .. وعيار 21 يسجل 83 دينار للغرام

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء

أمطار وسيول .. تفاصيل الحالة الجوية في الأردن خلال الأيام القادمة

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة