حين تصبح أيباك كلفة انتخابية في واشنطن

حين تصبح أيباك كلفة انتخابية في واشنطن

07-11-2026 03:12 PM

يمكن قراءة التحولات التي تعكسها نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة بوصفها مؤشرا إلى صراع على (الإجماع) الذي أحاط طويلا بالدعم الأمريكي لإسرائيل، لا مجرد منافسة دورية بين الديمقراطيين والجمهوريين.

أحد أكثر الأخطاء إضرارا بفهم السياسة الأمريكية هو اختزالها في إرادة سياسية موحدة؛ فوجود مصالح راسخة ومؤسسات تدافع عن إسرائيل لا يعني غياب الخلاف حول تعريف تلك المصالح أو حول الثمن الذي يجوز دفعه لحمايتها.

وحتى عندما تتشابه مواقف قيادات الحزبين، فلا يصح افتراض تطابق مواقف ناخبيهما وتياراتهما ومرشحيهما؛ فهناك فرق بين سياسي يعتبر دعم إسرائيل التزاما غير قابل للنقاش، وآخر يقبل التعاون معها لكنه يطالب بشروط، وثالث يرى أن استمرار مساندتها رغم الانتهاكات، يناقض المبادئ التي يعلنها حزبه.

إهمال هذه الفروق لا ينتج موقفا أكثر صلابة تجاه واشنطن، بل قراءة أقل قدرة على اكتشاف فرص التأثير فيها؛ ومن يساوي بين جميع الخصوم والحلفاء المحتملين يتنازل مسبقا عن أدوات السياسة ومكتفيا بإدانة مشهد لا يحاول فهم تفاصيله.

إن صعود مرشحين يعترضون على الدعم غير المشروط لإسرائيل، إذا تُرجم إلى انتصارات انتخابية ثابتة وموثقة، لا يعني مجرد إضافة أصوات مختلفة إلى المؤسسة التشريعية الأمريكية، بل يختبر قاعدة أعمق: هل يستطيع المرشح مخالفة التوجه التقليدي في هذا الملف، ثم الاحتفاظ بفرصه الانتخابية؟

إذا أصبحت الإجابة نعم، تتغير حسابات آخرين؛ فما كان يبدو مخاطرة قد تنهي المسيرة السياسية للمرشح، يمكن أن يتحول إلى موقف قابل للدفاع عنه أمام الناخبين. وهنا لا تنحسر قوة "أيباك" بالضرورة دفعة واحدة، لكن قدرتها على ردع المعارضين تصبح موضع اختبار؛ ولذلك لا يكفي عدّ الفائزين والخاسرين؛ فالأهم هو معرفة ما إذا كانت الانتخابات توسّع المجال السياسي المتاح لانتقاد إسرائيل، أم تُبقي هذا النقد محصورا في استثناءات محدودة.

تكتسب الاعتراضات على السياسات الإسرائيلية وزنا مختلفا عندما تتجاوز الاحتجاج الأخلاقي وتدخل في صلب قرار التصويت. فالسياسي الأمريكي قد يحتمل مظاهرة ضده لكنه يعيد حساباته عندما يقتنع بأن موقفه من حرب، أو من مساعدات عسكرية، يمكن أن يهدد مقعده. عندئذ تصبح معاناة الفلسطينيين، والحروب في غزة ولبنان واليمن وإيران، قضايا متصلة بالمساءلة الداخلية، لا ملفات خارجية بعيدة عن حياة الناخب.

لكن هذا لا يعني أن كل ناخب معترض يتبنى تصورا واحدا للعدالة في القضية الفلسطينية؛ فقد تتقاطع الدوافع الإنسانية مع رفض الحروب، أو الاعتراض على الإنفاق والتدخل الخارجي. وهذا التباين لا يلغي الأثر السياسي المحتمل، لكنه يمنع المبالغة في تفسيره باعتباره تحولا أيديولوجيا متكاملا.

وإذا كان التغيير الانتخابي سيكتسب معنى عمليا، فلا بد أن يظهر في السلوك التشريعي: في التصويت على المساعدات، ووضع شروط لنقل السلاح، والرقابة على الإدارة، والاستعداد لمساءلة الحكومة الإسرائيلية؛ فوجود أصوات ناقدة مهم لكنه لا يساوي امتلاك أغلبية قادرة على تغيير السياسة برمتها؛ كما أن الفوز بمقعد لا يضمن وفاء صاحبه بكل مواقفه بعد دخوله المؤسسة؛ لذلك ينبغي قياس التحول بما ينتجه من قرارات، لا بما يثيره من آمال وحدها.

ومع ذلك، فإن كسر الحصانة السياسية المحيطة بالعلاقة مع إسرائيل، وتراجع قدرة "أيباك" على التأثير في فرص المرشحين، يمكن أن يشكّلا بداية ذات شأن؛ فالتغيير المؤسسي الجوهري يتشكل تدريجيا، وقد يبدأ بسقوط الاعتقاد بأن اتخاذ موقف مخالف أمر مستحيل.

وإذا اتسعت المسافة بين أولويات الناخب الأمريكي وسياسات الحكومة الإسرائيلية، فقد تواجه العلاقة بين البلدين ضغوطا أشد؛ لكن الانتقال من هذا الاحتمال إلى إعلان انهيار التحالف أو الحديث عن تهديد وجودي محسوم لإسرائيل، يظل استنتاجا سابقا لأوانه.

الأجدى فلسطينيا وعربيا هو التعامل مع أي انفتاح سياسي داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية أو الإدارة بوصفه فرصة للعمل المستمر، من خلال فهم الدوائر الانتخابية وبناء التحالفات وصياغة مطالب واضحة، ومحاسبة المسؤولين على أفعالهم لا على خطابهم.

فالتحول الأهم ليس أن تصبح واشنطن مؤيدة للفلسطينيين بين ليلة وضحاها، بل أن تفقد مساندة إسرائيل صفتها كخيار بلا كلفة؛ وعند تلك النقطة لا يعود تجاهل الحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية الطريق الأسهل للسياسي الأمريكي، وتبدأ معادلة مختلفة في التشكل.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر