المهندس ونقلة الزبل

المهندس ونقلة الزبل

07-11-2026 04:36 AM

الزبل هو روث الحيوانات، ويستخدم سمادا عضويا للأشجار.

ثمة صورة متكررة في مجتمعاتنا، تختصر خللا عميقا في طريقة تعاملنا مع الكفاءات والقدرات الإنسانية؛ إذ كثيرا ما يغيب التقدير الحقيقي للإنسان، لا لافتقاره إلى العلم أو الخبرة أو المهارة، بل لأننا نحكم عليه من خلال المهنة التي يمارسها أو الموقع الاجتماعي الذي يشغله، متجاهلين ما يمتلكه من مؤهلات علمية وثقافية وخبرات عملية.
حدثني مهندس زراعي، متخصص في المبيدات والأسمدة وكل ما يتعلق بالزراعة من جوانبها العلمية والفنية، وهو صاحب خبرة ومهارة وقيمة مهنية كبيرة في مجاله.
قال لي: ذهبت للعمل في المملكة العربية السعودية، وعملت هناك فترة لم تكن طويلة، لكنني استطعت خلالها أن أحدث نقلة نوعية في الشركة التي كنت أعمل فيها، وهي شركة متخصصة في مختلف المجالات الزراعية. ولم يقتصر عملي على مهامي داخل الشركة، بل كنت أيضا مستشارا لعدد من المزارع، أقدم لها الاستشارات الفنية والعلمية، وغالبا ما كانت تتم هذه الاستشارات عبر الهاتف والرسائل الصوتية المسجلة.
وبسبب ظروف معينة، اضطررت إلى ترك عملي والعودة إلى الأردن، حيث أعمل حاليا معلما في إحدى المدارس. وكما هو معروف، فإن الرواتب في الأردن لم تعد تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، الأمر الذي يدفع كثيرا من الموظفين وأصحاب الشهادات والخبرات إلى البحث عن أعمال إضافية، أو قبول أي فرصة عمل متاحة، حتى يتمكنوا من تأمين احتياجاتهم الأساسية.
ويضيف المهندس: لم أجد عملا إضافيا يساعدني على مواجهة أعباء الحياة، سوى العمل عاملا في أي مهنة تتاح لي. وبما أن صحتي جيدة، لم أتردد في العمل بيدي، فليس في العمل الشريف ما يعيب الإنسان.
وفي أحد الأيام، كنت أعمل في أحد البساتين، أحمل أكياس الزبل وأوزعها على الأشجار لتسميدها. وكان بالقرب مني اثنان من أقاربي، وهما صاحبا البستان الذي أعمل فيه.
وأثناء انشغالي بالعمل، وصلتني رسالة صوتية من الشركة التي كنت أعمل فيها سابقا، يطلبون مني فيها تقديم استشارة فنية تتعلق بالأسمدة والأشجار وبعض المسائل الزراعية المتخصصة.

استمعت إلى الرسالة امامهما، ثم سجلت ردا صوتيا شرحت فيه، بصورة علمية دقيقة، الحل المناسب للمشكلة المطروحة، مستندا إلى خبرتي ومعرفتي في هذا المجال.
كان قريباي يستمعان إلى الرسالة، وقد بدا عليهما الذهول مما يسمعان. فالرجل الذي يقف أمامهما قبل لحظات حاملا أكياس الزبل وموزعا إياها على الأشجار، هو نفسه المهندس المتخصص الذي يقدم الاستشارات العلمية، وتعود إليه شركات ومزارع طلبا للخبرة والمعرفة.
لكن المفارقة التي تختصر الحكاية كلها جاءت بعد أن أنهيت ردي الصوتي.

نظر إلي الرجلان، وقالا معا وبصوت واحد، وبنبرة لا تخلو من التهكم والاستخفاف:

"قوم يا مهندس، وزع باقي الزبلات على الشجر!"

في تلك اللحظة، أدركت أن ما أثار دهشتهما لم يكن اكتشافهما لقيمة العلم والخبرة التي أمتلكها، بقدر ما كان استغرابهما من اجتماع صفة المهندس مع مهنة العامل الذي يحمل أكياس الزبل!
وكأن الإنسان لا يحق له أن يكون صاحب علم وخبرة ما دام يمارس عملا يراه الآخرون متواضعا، وكأن المهنة التي يمارسها الإنسان هي التي تحدد مقدار عقله وقيمته ومكانته.

لقد كشفت لي تلك العبارة جانبا مؤلما من نظرة بعض الناس إلى الآخرين؛ فهم لا يرون الإنسان كما هو، ولا يقيسون قيمته بما يمتلكه من علم وخبرة وقدرات، بل بما يرتديه من ثياب، أو بما يحمله من أدوات، أو بالمكان الذي يعمل فيه.
والحقيقة أن العمل الشريف لا ينتقص من قيمة صاحبه، كما أن الشهادة العلمية لا تجعل الإنسان أفضل من غيره، وإنما تكون قيمة الإنسان فيما يمتلكه من علم وأخلاق وعطاء، وفي احترامه لنفسه وللآخرين.
قد يحمل الإنسان أكياس الزبل بيديه، وفي عقله علم لا يملكه من ينظر إليه باستخفاف. وقد يكون عاملا في نظر البعض، لكنه في مهنته الأصلية خبير ومستشار وصاحب إنجازات.

أما المشكلة الحقيقية فليست في أن يعمل المهندس عاملا، وإنما في عقلية لا تستطيع أن ترى المهندس خلف مهنة العامل، ولا تدرك أن الظروف قد تغير موقع الإنسان، لكنها لا تمحو علمه ولا تنتزع خبرته.

عندها فهمت المعنى الذي تختصره العبارة الشهيرة:

لا كرامة لنبي في قومه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة

إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر