إستهداف الوطن يبدأ بمحاولة تفكيك وحدته

إستهداف الوطن يبدأ بمحاولة تفكيك وحدته

06-11-2026 06:33 AM

من الثابت أن الفكر التكفيري يمثل منهجاً فكرياً وعقدياً منحرفا يقوم على تكفير الآخرين وإخراجهم من دائرة الإسلام،أفراداً وحكاماً ومجتمعات،استناداً إلى تأويلات مغلوطة للنصوص الدينية،وصولاً إلى استباحة دمائهم وأموالهم،وتبرير الاعتداء عليهم تحت ذرائع دينية باطلة تتنافى مع جوهر الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده القائمة على حفظ النفس وصون الكرامة الإنسانية.

ولا يقف خطر هذا الفكر عند حدود تكفير المخالفين له،بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار مختلف فئات المجتمع،دون تمييز بين الجنس أو العرق أو الديانة أو الانتماء الاجتماعي أو طبيعة الوظيفة،أهدافاً محتملة لأتباعه،سواء كانوا مدنيين أم عسكريين.ومن هنا،فإن مواجهة هذا الفكر لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني وحده،بل هي معركة وعي وفكر وثقافة ومسؤولية وطنية مشتركة،تتطلب تضافر جهود المؤسسات والأفراد على حد سواء.

إن ما يتعرض له الأردن من محاولات إرهابية وتطرفية يستدعي قراءة متأنية لطبيعة الأهداف والغايات الكامنة وراء هذه الأعمال الإجرامية.فالمسألة،في تقديري،لا تتعلق باستهداف أشخاص أو مواقع بعينها فحسب،وإنما قد تتجاوز ذلك إلى محاولة النيل من تماسك المجتمع الأردني،وضرب وحدته الوطنية،وإضعاف جبهته الداخلية من خلال إثارة الفتن وإيجاد الشروخ بين مكوناته الاجتماعية والوطنية.

ولعل أخطر ما يمكن أن تسعى إليه هذه الجماعات هو تحويل الجريمة الإرهابية من اعتداء على أمن الوطن ومواطنيه إلى مدخل لإشعال خلافات داخلية،وإلباس الاعتداءات الإجرامية صبغة دينية أو عشائرية أو اجتماعية،بما يحقق لها أهدافاً عجزت عن تحقيقها بأعمالها الإرهابية ذاتها.

ففي الاعتداء الذي استهدف كنيسة الحمود في محافظة الكرك،برزت خطورة محاولة توظيف الجريمة للإساءة إلى حالة التآخي والتلاحم التاريخية الجامعة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن،وتصويرها وكأنها صراع ديني أو عقائدي،في حين أن الحقيقة الراسخة هي أن الأردنيين،بمختلف دياناتهم،يشكلون نسيجاً وطنياً واحداً،وأن الاعتداء على أي مكون منهم هو اعتداء على الوطن بأسره.

وفي العملية الأخرى التي استهدفت أحد أفراد مرتبات الأمن العام،تبرز ضرورة الحذر من أي محاولات لتوظيف الجريمة في إحداث شرخ بين أبناء العشائر الأردنية،أو الإساءة إلى علاقاتهم الأخوية،أو تحميل مكونات اجتماعية بعينها مسؤولية أفعال إجرامية فردية لا يجوز تعميمها أو اتخاذها ذريعة للنيل من أي فئة من فئات المجتمع.

ومن هذا المنطلق،فإنني لا أستبعد أن تكون من بين غايات هذه الجماعات محاولة استثمار أي حادثة إرهابية لإثارة خلافات بين مختلف المكونات الاجتماعية،سواء أكانت على أساس الأصول أو المناطق أو الإنتماءات العشائرية،كأن يُدفع الأردنيون إلى تصنيفات من قبيل أردني وفلسطيني،أو عربي وشركسي،أو شمالي وجنوبي،أو بدوي وفلاح،وغيرها من التقسيمات التي لا تخدم إلا أعداء الوطن والمتربصين بأمنه واستقراره.

وهنا تبرز مسؤوليتنا جميعاً في إدراك أن الخطر لا يكمن فقط في الرصاصة التي يطلقها الإرهابي،بل قد يكمن أيضاً في الكلمة غير المسؤولة التي قد تشعل فتيل الفتنة،أو في رأي متسرع يوجه الاتهامات جزافاً،أو في خطاب يُحمّل مكوناً اجتماعياً أو مؤسسة وطنية مسؤولية تصرفات فرد أو مجموعة.فليس من المقبول أن نمنح الإرهابيين،من حيث لا ندري،فرصة تحقيق أهدافهم بأقلامنا ومواقفنا،بعد أن عجزوا عن تحقيقها برصاصهم الغادر وأعمالهم الإجرامية.

إن الأردن،الذي استطاع عبر تاريخه تجاوز الكثير من التحديات والمؤامرات،يمتلك من الوعي الوطني والتماسك الاجتماعي ما يجعله قادراً على إفشال تلك المخططات.غير أن المحافظة على هذه المَنعة تتطلب منا جميعاً التحلي بالمسؤولية،وضبط الخطاب العام، والإبتعاد عن إطلاق الأحكام والتصنيفات،وعدم الإنجرار وراء الشائعات أو محاولات التشكيك بمؤسساتنا الوطنية أو النيل من علاقاتنا الإجتماعية الراسخة والمتجذرة.

وفي هذا السياق،أؤكد أنني لا أرى في مجتمعنا الأردني وجوداً لحواضن اجتماعية منظمة للفكر التكفيري وأتباعه،وإنما أرى أن ما قد يوجد من حالات أو بيئات حاضنة لهذه الأفكار لا يتجاوز الحواضن الفردية،وإن تعددت الظروف والبيئات التي قد تُسهم في إنتاجها أو إنتشارها وهذا يستوجب التعامل مع هذه الظاهرة بكل وعي ومهنية،وعدم التسرع في إطلاق الأحكام أو تعميم الإتهامات على أي مكون من مكونات مجتمعنا.

إننا على ثقة راسخة بقدرة مؤسساتنا الوطنية،وفي مقدمتها القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي،والأجهزة الأمنية،وسائر مؤسسات الدولة،على التصدي لهذا الفكر المنحرف وملاحقة مرتكبي الجرائم الإرهابية والقضاء على خطرهم.

كما أن مسؤوليتنا المجتمعية تقتضي مساندة هذه الجهود،وتعزيز ثقافة الإعتدال والانتماء، وترسيخ قيم المواطنة والتسامح،والوقوف صفاً واحداً في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن الأردن واستقراره.

وفي الختام،نستذكر بكل إجلال وإكبار فقيد الوطن،شهيد الواجب جواد السلايطة،سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته،وأن يمنّ على الملازم البطل فراس العنانزة بالشفاء التام والعاجل.

حفظ الله الأردن وطناً آمناً عزيزاً،وحفظ شعبه الوفي،وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، في ظل راية قيادته الهاشمية المظفرة،بقيادة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين،حفظه الله ورعاه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر