واشنطن: الجمهوريون دفعوا فاتورة الحرب

واشنطن: الجمهوريون دفعوا فاتورة الحرب

06-11-2026 06:25 AM

فتحت العاصمة واشنطن عينيها صبيحة الأربعاء على مشهدٍ مزلزلٍ: الكونغرس بغرفتيه تحت سيطرة الديمقراطيين، ودونالد ترامب يطل عبر شاشات التلفزيون معترفاً بأن خصومه أنجزوا عملاً جيداً. لقد جاءت نتيجة النصفيّات الأمريكية استفتاءً قاسياً على عامين من حكم ترامب في رئاسته الثانية، التي شهدت فيها الولايات المتحدة حرباً خارجية ضد إيران، وما نتج عنها من ضغوط اقتصادية وتضخم متصاعد، وجرح عميق في ضمير أمريكيين كثر تجاه الإبادة في غزة، في تعبير شعبي واسع عن رفض منطق إدارة الدّولة وكأنها ملكية خاصة لنخبة مستفيدة، وتحميل تكلفة المغامرات الخارجية للإمبراطوريّة من جيوب الأمريكيين العاديين.
لقد منح النّاخبون الديمقراطيين أغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، تفويضاً لهم ليعيدوا ترتيب موازين القوى في العاصمة خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية.
ولعل الأهم من عمومية الأرقام دلالة بعض تفاصيلها: لقد اخترق الديمقراطيون ولايات كانت تُعد تقليدياً معاقل للجمهوريين من تكساس وكانساس إلى كارولينا الجنوبية، ما يشير إلى انزياح بنيوي في مزاج الناخب الأمريكي.

انتخابات حسمت على رفوف السّوبرماركت

ركّز الديمقراطيون في حملتهم الانتخابية على قضية الغلاء، التي لامست كل بيت أمريكي، وذلك بعدما تحولت أرقام التضخم إلى تجربة يومية قاسية للأكثرية في تسوقهم من محلات السوبرماركت أو عند تعبئة سياراتهم بالوقود، ناهيك عن اضطرار كثيرين إلى تأجيل شراء السلع المعمّرة.
قرأ الجمهوريوّن كما غيرهم استطلاعات الرأي التي أظهرت أن 78% من الناخبين اعتبروا ارتفاع تكاليف المعيشة القضية الأهم في تحديد تصويتهم، وربط أغلبهم هذا الغلاء مباشرة بسياسات الرئيس ومغامراته الخارجية الفاشلة في وقت بقيت فيه الأجور على حالها أو تباطأ نموّها، لكنّهم كانوا غير قادرين على تغيير اتجاه الموجة بالسرعة الكافية، ليستحقهم تسونامي الديمقراطيين.
إنها حالة عامة من الإحباط حولها الناخب الأمريكي الغاضب من مسألة اقتصادية إلى عقاب انتخابي للرئيس وحزبه.

لعنة الشرق الأوسط!

إذا كانت قضية تكلفة المعيشة مفتاح التسونامي الأزرق، فإن الحرب على إيران كانت المعدن الذي صنع منه ذلك المفتاح. ففي فبراير/شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عدواناً على إيران من دون إذن مسبق من الكونغرس، ردت طهران عليه بإغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة والكيمياويات العالمية، فقفزت أسعار المحروقات في محطات الوقود، وتعمق جرح التضخم، وفقد الأمريكيون الثقة بقدرة ترامب على تدارك الأمور لدرجة أن ما يقرب من ثلثي الناخبين – وفق استطلاع أسوشيتدبرس – اعتبروا قرار الحرب «خاطئاً، ورفضت نسبة مماثلة طريقة ترامب في إدارتها.
غزة الجريحة كانت هناك بقوة في خلفية هذه الانتخابات. فقد كشفت استطلاعات الرأي عما يشبه انقلاباً في المزاج داخل الحزب الديمقراطي، حيث قال 80% من منسوبيه أن لديهم نظرة سلبية لإسرائيل، فيما عارض ثلاثة أرباع ناخبيه استمرار الدعم العسكري والاقتصادي لها.
وفي ميشيغان، تحولت غزة إلى اختبار مركزي للناخبين، وأصبح الموقف من الإبادة الجماعية مقياساً لمصداقية المرشحين، بينما فقد المال السياسي لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل قدرته على تعويم المؤيدين للدولة العبرية، بل وأصبح ارتباطهم بها عبئاً انتخابياً، كما حدث مع عبد الرحمن السيد في ميشيغان، الذي ظفر بمقعد في مجلس الشيوخ رغم إنفاق ما يقارب 30 مليون دولار ضده.
لقد ربط الناخبون بين حرب إيران وإبادة غزة في إطار أوسع: مناهضة أغلبية الشعب الأمريكي لمنطق الحرب في فرض إرادة خارجية على الشعوب، ورفض تدفيع المواطن الأمريكي العادي أثمان تلك الحروب. وهكذا حمّلت فاتورة الحملة على إيران للجمهوريين الذين شهدوا واحدة من أسوأ لحظاتهم الانتخابية في التاريخ القريب.

واشنطن: أنت منذ اليوم

مع غلبة الديمقراطيين على الكونغرس يطرح التساؤل عما ستعنيه تلك السيطرة في سياسة واشنطن تالياً: فهل سينجح الزرق في تقييد ترامب، أم سيواصل الرئيس سياساته متجاهلاً إرادة الناخبين؟
يمتلك الديمقراطيون الآن أدوات فعلية للضغط على أعصاب الإدارة الجمهوريّة: سلطة الميزانية، وصلاحية عقد جلسات استماع، وإمكانية ربط تمرير مشاريع قوانين حيوية مثل قانون تفويض الدفاع الوطني بقيود على سلطة الرئيس في شن الحروب.
كذلك يمكنهم قطع التمويل عن العمليات العسكرية في إيران، أو منع صفقات الأسلحة إلى إسرائيل، أو إجبار مسؤولي الإدارة على الشهادة علناً. ومع ذلك تظل هذه الأدوات محدودة الفاعلية، فالكونغرس يحتاج إلى أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهو أمر مستبعد في ظل الانقسام الحالي.
لقد حاول الديمقراطيون تقييد ترامب بشأن حرب اليمن في 2019، فاستخدم الفيتو وأبطل قراراتهم، ولذلك ربما يكرر الأمر نفسه في ما يتعلق بإيران، خاصة أنه أعلن صراحة تمسكه بالحرب، وقال إنه سيفعل الشيء نفسه لو عاد للوراء.
وهكذا إذا أطلقت الإدارة الحالية تصعيداً جديداً ضد إيران، فقد يجد الكونغرس نفسه عاجزاً أمام استخدام الرئيس صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة. وللمفارقة فإن من قد يكبح جماح ترامب في تلك الحالة سيكون الجمهوريين لأن مزيداً من التصعيد والمواجهات المستمرة قد يعمق الغضب الشعبي قبل رئاسيات 2028، ويتوج هزيمة النصفيات بانتقال الرئاسة إلى الديمقراطيين.
ترامب قال لصحيفة «فايننشال تايمز» إنه لا توجد خطط آنيّة لضرب إيران. وبعيداً عن الشاشات ثمة مؤشرات على بحث طهران وواشنطن عن مخرج تفاوضي، وهناك أيضاً حديث عن مقترح إيرانية من سبع خطوات لوقف إطلاق النار يشمل إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المحادثات النووية.
في هذا السيناريو، قد يجد الديمقراطيون في الكونغرس أنفسهم في موقف صعب: الضغط من أجل إنهاء فوريّ للحرب، أو منح الرئيس مساحة للتفاوض وتمديد العقوبات والحصار بما يعنيه ذلك من استمرار الضغوط التضخمية. وإذا نجح ترامب في إبرام اتفاق، فقد يعلن انتصاره ويستعيد بعضاً من شعبيته، لكنه اتفاق سيعكس تغيراً في موازين القوى: ضغط داخلي من كونغرس معاد، وتعنت تفاوضي من إيران، التي تتابع الأخبار دون شك وتفترض أنها الآن في موقف أفضل سياسياً.

الامتحان الأصعب للديمقراطيين أكثر من الجمهوريين

بانتهاء النصفيات، تحرّر ترامب من ضغط الانتخابات التي ظلّت تلاحق قراراته طوال العامين الماضيين. وقد يمضي ما تبقّى من ولايته مطلقاً العنان لنزعاته الناريّة، من تصعيد في الخارج إلى مواجهة مفتوحة مع الكونغرس في الداخل، أو يجد نفسه في قفص يصنعه له الجمهوريون أنفسهم، إذا رأوا أن كل مغامرة جديدة للرئيس تضيّق فرص حزبهم في الاحتفاظ بالبيت الأبيض عام 2028. ولعلّ أكثر ما سيقلقهم أن يضطر مرشّحهم للرئاسيات المقبلة إلى الدفاع عن قرارات لم يتّخذها، أمام ناخبين دفعوا كلفتها.
لكن الضغط الأكبر انتقل الآن إلى الديمقراطيين. فلديهم عامان كي يقدّموا للناخبين ما وعدوهم به، من تخفيف وطأة ارتفاع تكلفة المعيشة إلى استخدام صلاحيات الكونغرس لكبح الحرب ومحاسبة الإدارة. وفي غزة تحديداً، سيترقّب ناخبو الحزب كيف سيصوّت ممثلوهم حين تُطرح أمامهم قرارات تمويل وتسليح إسرائيل.
لقد منح الغضب من الجمهوريين الديمقراطيين أغلبية في الكونغرس. أما في 2028، فسيكون عليهم إقناع الناخبين بأنهم أحسنوا استخدامها. وإذا انقضى العامان وبقيت وعودهم محض ظاهرة انتخابية، فقد يخسرون فرصة العودة إلى البيت الأبيض على يد الناخبين أنفسهم الذين سلّموهم مفاتيح الكونغرس.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر