الصهيونية… خطاب جديد ونهج قديم

الصهيونية… خطاب جديد ونهج قديم

07-11-2026 04:53 AM

مرفق بالمقال صورتان تختزلان رحلة السردية الصهيونية. الصورة إلى اليسار هي اللقطة الشهيرة لجنود إسرائيليين، بعد احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة عام 1967، يقفون عند حائط البراق ويرفعون أنظارهم نحو السماء، وكأنهم يشكرون الله على فضله عليهم واصطفائه لهم. أما الصورة الأخرى، فتُظهر جندياً ومستوطناً إسرائيلياً، كأنّه خرج من فيلم صُمّم له الدور على المقاس، يستفزّ امرأة فلسطينية ويتشفّى بها.
رحلة تبدأ بالأسطورة وتنتهي حيث كان مكانها منذ البداية، هنا في العالم الحقيقي.
«بإمكان بقية العالم إمّا أن يعترف بأن إسرائيل هي هذا البلد الصغير جداً الذي يقف اليوم مدافعاً عن الحضارة كما نعرفها، وإمّا فليذهبوا إلى الجحيم». هذا هو المرسوم الصهيوني الجديد. وقد صدر أخيراً بحقّ «بقية العالم» على لسان أحد أشدّ المدافعين عن إسرائيل، بريت ستيفنز الكاتب الحالي في صحيفة «نيويورك تايمز» ورئيس التحرير السابق لصحيفة «جيروزاليم بوست».
وبما أن كلّ عاقل يشعر بالفزع من «الحضارة كما نعرفها اليوم»، فلا عجب أن يختار ستيفنز إسرائيل، دون سواها، للدفاع عنها، ما دام كلّ عاقل يشعر بالفزع نفسه من إسرائيل. ثم إنّ ستيفنز لا بدّ أن يدرك أنّ أمره هذا ينذر بإغراق أبواب الجحيم بالوافدين، إذ إنّ غالبية كبيرة من البشرية، بمن فيهم يهود في ريعان العمر، لا ترى هي أيضاً في إسرائيل ذلك البلد الصغير جداً، الذي ينهض دفاعاً عن أيّ تعريف للحضارة يمكن اعتباره مألوفاً، ولو من بعيد.
ومع ذلك، أرى أنّ الكاتب أجاد كثيراً في ابتكار الشعار الصهيوني الجديد، فمنذ زمن ليس ببعيد، كان الشعار أسمى بما لا يُقاس: «نوراً للأمم». لكن ذلك كان يوم كانت «بقية العالم» تُصدّق السردية الصهيونية. أمّا اليوم، فلم تعد تُصدّقها، ولذلك لم يبقَ أمام ستيفنز وإسرائيل سوى أن يسايرا تقلّبات الزمن. فلكلّ عصر شعاراته.
أمّا كيف تتخيّل الدولة اليهودية وأصدقاؤها أنّ بوسعهم استمالة القلوب والعقول من جديد بهذا الشعار المتبجّح، فأمرٌ يعجز عقلي عن استيعابه، وهذا ما يدفعني إلى التساؤل عمّا إذا كان ذلك هو المقصود أصلاً: لعلّهم لم يعودوا يرغبون في ذلك. فالأزمنة تتغيّر، والحبكة انفرط عقدها، والسردية القديمة باتت تتخبّط، وحلّت وجوه جديدة محلّ الوجوه القديمة. وهكذا، لا بدّ أن يحلّ التهديد الفجّ محلّ الرسالة النبيلة. يبدو الأمر وكأنّ ألف عام قد انقضت، لكنّ لا يفصل بنيامين نتنياهو عن غولدا مائير ودافيد بن غوريون، أو يسرائيل كاتس وإيتمار بن غفير عن موشيه ديان وإسحاق رابين، أو بتسلئيل سموتريتش عن يسرائيل غاليلي، أو جدعون ساعر عن أبا إيبان، سوى بضعة عقود، وكذلك الحال بالنسبة للصورة المرفقة للجنود الإسرائيليين عام 1967، مقارنة بصورة الجندي المستوطن عام 2025. ولكلّ عصر نجومه أيضاً..
ولكن، إنصافاً لنتنياهو، بل للطبقة السياسية الإسرائيلية برمّتها، التي قد تختلف في الأسلوب، لكنها تتفق في الجوهر، فهو لم ينحرف عن مسار الصهيونية، بل ظلّ أميناً له. ليس هو الابن الضالّ لهذه الأيديولوجيا، بل تجسيدها بعينه. فإسرائيل التي يقودها اليوم هي إسرائيل غولدا مائير وبن غوريون، بعد محطّتين أو ثلاث على مسار التاريخ. صحيح أنّهم كانوا أكثر مهارة في سرد الروايات، لكن ذلك لأنّ المادة التي كانت بين أيديهم أصلح للرواية. كان بوسعك أن تروّج لمقولة «منارة للأمم» في أعقاب أهوال المحرقة النازية؛ أمّا في ظلّ الغزو والفصل العنصري والقتل الجماعي والتطهير العرقي، فلم يعد بوسعك تسويقها. في الواقع، كنت تستطيع تسويقها في الأيام الخوالي، حين كنت أقدر على إسكات المعترضين، وإخراس الضحايا، ودفن الأدلة عميقاً، واحتكار المنابر الإعلامية.
لكنّك تصبح حكواتياً رديئاً حين ينبش مؤرّخوك التصحيحيون أرشيفاتك ويعيدون الأمور إلى نصابها التاريخي؛ وحين يصبح لضحاياك صوت، ويوثّق سينمائيوك ضبّاطك وهم يعترفون بارتكاب «إبادة جماعية»، وتُفرز أيديولوجيتك مستوطنين وجنوداً يعيثون فساداً، ويتحدّون الكاميرا وهم يرتكبون المذابح، وينهبون ويدنّسون، ويعتدون بالضرب على صحافيين أمريكيين ودبلوماسيين أوروبيين فوق أرضٍ سرقتها. في عام 1947، قبيل قيام دولة إسرائيل، صرّح بن غوريون بأنّه «لا يمكن أن تقوم دولة يهودية قوية ومستقرّة ما دامت الأغلبية اليهودية فيها لا تتجاوز 60 في المئة». أظنّ أنّ بوسعنا القول بثقة إنّه كان أيضاً بعيد النظر في استشراف المستقبل. فمن حيث الأعداد وحدها، فإنّ الأرض الممتدّة بين النهر والبحر، حيث تفرض إسرائيل سيطرتها المطلقة، فلسطينية بقدر ما هي يهودية. أمّا الفلسطينيون، فهم يتوزعون بين رعايا يعيشون تحت وطأة الترهيب، وبين مواطنين يتعرّضون للملاحقة والتنكيل؛ أمّا الإسرائيليون اليهود، فينقسمون إجمالاً إلى فئتين: أولئك الذين يكرهون نتنياهو لكنّهم يعشقون النتنياهوية، وأولئك الذين لا يملّون منه أبداً. في انتخابات الكنيست الأخيرة، حصدت الفئة الأولى 48 مقعداً، والثانية 53 مقعداً. مهما فعلوا، لا يقدرون على هزيمة الرجل! إلّا إذا، وهنا تكمن المفارقة اللاذعة، تحالفوا مع الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل، التي انتزعت 19 مقعداً في إنجاز تاريخي، رغم الترهيب العنيف وحملات الشيطنة المعادية للفلسطينيين، أو ربّما بفضلهما. ولكن كيف يتحالفون معها ويبقون عنصريين في الوقت نفسه؟ أو كما قال الموسيقي الإسرائيلي يالي سوبول معبّراً ببراعة عن مأزق ما يُسمّى بالمعارضة: «إذا توقّفتم عن كونكم عنصريين، فسيحدث لكم أمران مذهلان. أوّلاً، ستتوقّفون عن كونكم عنصريين. وثانياً، ستكتشفون أنّكم قد فزتم».
سأل صديق أمريكي يزور لبنان (خلال مأدبة غداء جمعتنا نحن مجموعةً من اللبنانيين) «إذن، ماذا على غادي آيزنكوت، الزعيم المفترض للمعارضة المزعومة، أن يفعل؟». قلتُ إنّ عليه الأخذ بنصيحة سوبول، ثم أطلقت العنان لخيالي «ولكي يتجنّب أن تصبح إسرائيل دولة منبوذة، سيتعيّن عليه أن يسارع إلى إعادة نشر الضبّاط والجنود المتطرّفين دينياً والإرهابيين خلف الخط الأخضر، وحلّ ميليشيات بن غفير المسلّحة، ونزع سلاح جميع المستوطنين». وهنا توقّفت، وقلت ضاحكة «يا لها من مصادفة سعيدة! على آيزنكوت، في الواقع، أن يفعل في إسرائيل ما تطالب إسرائيل الدولة اللبنانية بفعله».
ثم عدنا جميعاً إلى بيوتنا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة

إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر