فقه الجهاد: السلاح الذي نزعناه من أيدينا وسلّمناه لداعش
07-11-2026 04:00 PM
لكن ثمّة ملاحظة جوهرية غابت عن الطرحين معاً : المناهج الحالية خالية تقريباً من كل الموضوعات التي يستخدمها التنظيم المتطرف في دعايته : ( الجهاد وأحكامه، فقه الدولة والخلافة، العلاقات الدولية في الإسلام, فقه المجتمع والعقد بين الحاكم والمحكوم، أحكام أهل الذمة والمستأمن وحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفقه الولاء والبراء في العقيدة).
هذا الفراغ ليس بريئاً, فهو يترك الطالب أمام خطاب متطرف يقدّم "ديناً موازياً" كاملاً ومغلقاً، بينما تقدّم المناهج نسخة إسلامية سطحية لا تصمد أمامه.
النتيجة أجيال بعقول شرعية فارغة، جاهزة تماماً للحقن الداعشي ، إذ يسعى المسلم بطريقة لا شعورية إلى ملء ذلك الفراغ من أي مصدر يدعي الاسلام الصحيح , هذه فطرة لا بد من تلبية احتياجها رغم الانوف .
ما الذي يقدّمه داعش فعلاً؟
من الخطأ تصوير دعاية داعش على أنها مجرد شعارات عاطفية, التحليلات المتعددة لخطابه في مصناع اعلامه تكشف أنه يبني نظاماً معرفياً كاملاً: يحتكر التأويل ويدّعي أنه "المنبر الوحيد الذي يدعو إلى الحق"، ويلغي شرعية جميع المؤسسات الدينية الأخرى, ويستخدم آلية "التفخيخ المفاهيمي" ( أي إعادة تأطير مفاهيم يعرفها المسلم العادي أصلاً، وتحويلها إلى أدوات تكفير وتعبئة) , بل إن التنظيم يمتلك "ديوان تعليم" خاصاً به ، ويصدر مناهج دراسية كاملة بحيث يكوّن "جيلاً من المجاهدين الدواعش" عبر مناهج تشمل حتى الرياضيات المحشوّة بعدد المقاتلين والكفار والمرتدين .
بعبارة أخرى: داعش لا يملأ فراغاً بشعارات، بل يقدّم نسخة دينية بديلة كاملة ومنهجية ومغلقة, والمشكلة أن المناهج الرسمية الحالية لا تقدّم ما يوازيها عمقاً وتماسكاً.
- المفارقة الكبرى: مَن يحمي من التطرف؟!
غالباً ما يُفترض أن التحصين ضد التطرف يأتي من "المعرفة الدينية" ككمّ , لكن الواقع يكشف مفارقة لافتة : مَن يتتبع بدايات ظهور داعش يلاحظ أن الذين حذّروا منه أولاً، وفنّدوا دعاويه، وكشفوا ثغراته المنهجية، كانوا طلاب العلم الشرعي أنفسهم , ليس لأنهم "يعرفون معلومات أكثر"، بل لأنهم يملكون أدوات القراءة التي تمكنهم من رؤية ما لا يراه غيرهم.
فطالب أصول الفقه يدرك فوراً أن استخراج آية من سياقها يفسد الاستدلال, وطالب المقاصد يدرك أن إلغاء المقاصد يجعل النص أداة هدم لا بناء, بينما طالب فقه الواقع يدرك أن إعلان "الخلافة" دون شروطها المعتبرة عبث سياسي لا اجتهاد فقهي , وطالب الفرق وفلسفاتها يعرف أن "التكفير بالعموم" ليس جديداً، بل هو منهج الخوارج الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم.
بالمقابل، خريج الهندسة أو الطب أو العلوم ( رغم قدرته المعرفية العالية ) لا يملك هذه الأدوات, وحين يواجه خطاباً دينياً مغلقاً يقدم نفسه كـالحقيقة ، لا يجد في ترسانته ما يمكنه من تفكيكه, فيكون ردّه إما القبول الكامل أو الرفض الكامل، وكلا الموقفين لا يحمي من التطرف.
هذا يعني أن التحصين ضد التطرف لا يأتي من "كمّ المعلومات الدينية"، بل من نوع العلاقة التي يقيمها الطالب مع النص. الديني نفسه .
المشكلة الكبرى أن هذا النوع من العلاقة محصور اليوم في كليات الشريعة، بينما الطالب في كلية الهندسة أو الطب لا يحصل على أي منه.
فالدعوة إلى التعمق في تدريس الفقه السياسي والعلاقات الدولية في الإسلام والعقيدة الاسلامية ليست دعوة إلى تخريج فقهاء من كل كلية، بل إلى منح كل طالب الحد الأدنى من الأدوات النقدية التي تمكنه من رؤية الثغرة في أي خطاب ديني مغلق يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
- لماذا لا يكفي "ملء الفراغ"؟
المنطق السائد يقول: إذا كان المتطرف يملأ الفراغ، فلنملأه نحن بالمحتوى الصحيح.
هذا المنطق يفترض أن المحتوى "الصحيح" مجرد مادة محايدة يمكن للمتطرف أن يعيد تشكيلها, والحقيقة أن فقه الجهاد في الفقه المعتمد ( كما صاغه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على سبيل المثال لا الحصر ) ليس محتوى محايداً، بل هو فقه مضاد للخوارج في جوهره.
فابن تيمية رحمه الله تعالى يقرر أن الخوارج هم أول البدع ظهوراً، وأن الأحاديث مستفيضة بوصفهم وذمهم والأمر بقتالهم, بل إنه يذهب إلى أن قتالهم ثابت بالنصوص الصريحة وإجماع الصحابة والتابعين.
والأهم من ذلك , أن ابن تيمية رحمه الله تعالى يفرّق بين قتال الخوارج وقتال البغاة، وينتقد الفقهاء الذين خلطوا بينهما وأدخلوا قتال الخوارج تحت باب "قتال أهل البغي" الذي يشترط له الإمام والتأويل السائغ.
فالخارجي عند ابن تيمية رحمه الله ليس باغياً له تأويل سائغ، بل هو مارق من الدين، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتاله حيث لقيتموهم، وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم". وهذا القتال ليس من جهاد الطلب الذي يشترط له إذن الإمام أو الوالدين، بل هو دفع مفسدة واجب عند القدرة.
وهذا يعني أن تدريس هذا الفقه ليس "إضافة قد تُستغل"، بل هو نزع لأخطر سلاح فكري من يد التنظيم ( سلاح وعد الشهادة ) وتحويله إلى طرف يقاتَل لا يُقاتل معه.
الفراغ الذي يتركه منع هذا الفقه لا يملؤه "الخطاب المتطرف" فحسب، بل يملؤه خطاب متطرف بلا مضاد , الطالب الذي لا يعرف أن الخارجي قتاله جهاد، ولا يعرف الفرق بين قتال الخوارج وقتال البغاة عند ابن تيمية وغيره من علماء الشرع الحنيف ، ولا يعرف أن دماء المعاهد والمستأمن محرمة ، يكون أمام خطاب داعش عارياً من كل عدّة فقهية وعقدية .
المشكلة ليست في "أننا نعلّمه الحكم فيستغله المتطرف"، بل المشكلة الكبرى في أننا لا نعلّمه الحكم فيسبقنا المتطرف إليه.
- البُعد الذي تغفله المناهج: الاقتصاد والفراغ
حتى لو كانت المناهج مثالية، فإن السؤال يبقى: لماذا ينجح التنظيم في تجنيد شباب لم يعانوا من فقر مدقع بالضرورة؟!
الإجابة ليست في "الفقر" وحده كما يدندن الاغلب عند الحديث عن الارهاب , بل المشكلة الكبرى تكمن في الشعور بالاستبعاد ( ليس الاقتصادي فقط، بل من يشعر بأنه خارج اللعبة بلا صوت ولا مكان)
ي الأردن ربط وزير الداخلية نفسه بين التطرف والفراغ الشبابي، مؤكداً أن مواجهة الفكر التكفيري تتطلب العمل على مختلف المستويات، بدءاً من التعليم والمناهج والأنشطة الثقافية والاجتماعية، وصولاً إلى المساجد والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي، مع توفير أنشطة وبرامج تسهم في توجيه طاقات الشباب.
المناهج لا تستطيع أن تعطي شاباً عاطلاً عن العمل إحساساً بالمكانة، ولا أن تعوّض غياب الأفق, لهذا فإن استراتيجية تعتمد على "حشو العقول" بالمعلومات الدينية الصحيحة، دون معالجة البيئة التي تجعل الخطاب المتطرف جاذباً، تبقى ناقصة.
لماذا ندعو إلى التوسّع والتعمّق؟
هنا جوهر الدعوة: لا نريد "المزيد من المحتوى" فقط، بل التوسّع في تدريس الموضوعات التي يتجاهلها المنهج، والتعمّق فيها بدلاً من تسطيحها. والفرق بين الاثنين جوهري:
•التوسّع يعني عدم ترك الجهاد وأحكامه، وفقه الدولة والخلافة، والعلاقات الدولية في الإسلام، والعقد بين الحاكم والمحكوم، وأحكام أهل الذمة والمستأمن، وفقه الولاء والبراء, عدم ترك كل هذه الموضوعات غائبة عن المنهج, فغيابها ليس حياداً, بل هو تفريغ للعقل الشرعي للطالب، وتسليمه لمن يملأه بمنطق مغلق.
• التعمّق يعني تدريس هذه الموضوعات بطريقة مختلفة: لا "هذا هو الحكم الشرعي الصحيح للجهاد" فقط، بل "كيف يُستخدم مفهوم الجهاد في الخطاب المتطرف؟ ما الفرق بينه وبين الفهم الفقهي المعتمد؟ لماذا يختار المتطرف آيات بعينها ويغفل سياقها؟" هذا النوع من التعليم لا يملأ الفراغ بإجابات جاهزة، بل يعلّم الطالب أن الإجابات الجاهزة نفسها هي المشكلة.
الطالب الذي تعلّم فقه الجهاد بعلله ومقاصده وشروطه ومراتبه، لا بحفظ أحكامه مجردة عن سياقها، هو طالب أصعب اختراقاً من الطالب الذي حفظ "الجهاد" كحكمٍ مفردٍ لا يعرف علّته ولا مقصده ولا من يملك سلطة تنزيله, فالفقه الشرعي المنهجي لا يعلّم الطالب "ما حكم الجهاد" فحسب، بل يعلّمه لماذا شُرع الجهاد، وما المصالح التي جاء بتحقيقها ودرء المفاسد التي جاء بمنعها، وما الشروط التي لا يقوم بدونها، وما المراتب التي لا يُنتقل منها إلى غيرها، ومَن يملك سلطة إعلانه وتنزيله.
هذا التحليل العللي هو ما يجعل الطالب قادراً على كشف الخطاب المتطرف من داخله: فحين يعرض عليه "الجهاد" مغلفاً بمقطع فيديو مؤثر، لا يسأل فقط "هل هذا جهاد؟"، بل يسأل "ما علّة هذا الفعل؟ وهل تتحقق فيه مقاصد الجهاد أم تنتفي؟ وهل استوفى شروطه ومراتبه أم تجاوزها؟ ومَن أعلنه، وهل يملك صلاحية إعلانه؟".
هذه الأسئلة هي بالضبط ما يفتقده الطالب الذي تلقّى "الجهاد" من خارج المنهاج او من داخله كحكمٍ معزول عن علله ومقاصده وسياقه، فيكون أمام الخطاب المتطرف إما قابلاً أو رافضاً، وكلا الموقفين لا يحمي من الاختراق.
فالصورة الأكبر هي الفراغ الذي تعانيه مناهجنا حقيقي، لكنه ليس فراغاً معرفياً فحسب، بل فراغ في المناعة النقدية، وفراغ في الأفق الاجتماعي والاقتصادي والديني والعقدي، وفراغ في الثقة بالمؤسسات التي تقدم "الإسلام الرسمي".
الحل ليس في ملء الفراغ بمزيد من المحتوى الفقهي أو العقدي وحده, بل في التوسّع في تدريس الموضوعات الغائبة، والتعمّق فيها بروح نقدية تعلّم الطالب كيف يفكر فيمن يطلب منه الجهاد، وكيف يميّز بين النص وسياقه، وبين الحكم ومَن يستخدمه.
هذا لا يُدرَّس في فصل واحد، ولا يُصلَح بمنهج واحد , لكن غيابه هو ما يجعل الفراغ خطراً.
نقابة المهندسين تقر مشروع تعديل قانونها
موعد الترخيص المتنقل المسائي للمركبات ببلدية دير أبي سعيد
فقه الجهاد: السلاح الذي نزعناه من أيدينا وسلّمناه لداعش
الضريبة تؤكد ضرورة الالتزام ببيع المعسل ضمن عبوات
تعميم على البلديات بشأن الحالة الجوية
جميل براهمة: غياب الإنتاج يحدّ من حضور الفنان
الضمان يتيح منصة فرصتك عبر تطبيقه الهاتفي ومتجر هواوي
ضربة أمريكية جديدة لإيران في غضون دقائق
حين تصبح أيباك كلفة انتخابية في واشنطن
حبيب إليسا الغامض يثير التساؤلات .. من هو
الزاكي: النتائج هي الفيصل باستمرار التدريب أو مغادرته
المنتخب الوطني ت 17 يلتقي لاوس غدا
دعوة للمزارعين لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة الظروف الجوية
أصوات في رأسه تأمره بقتل ترامب .. اعتقال مشتبه به قرب البيت الأبيض
تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن
زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟
بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة
منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة
أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف
التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة
تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري
الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)
السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام
إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء
الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً
طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان
نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن
تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة
وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر