عمان – السوسنة - هلا محمد النقرش - تتفاقم أزمة شح المياه في الأردن ، يوما بعد يوم ، وهي ليست وليدة اللحظة فمنذ سنوات عديدة تعيش المملكة في أزمة مياه مستعصية، باعتبارها ثاني أفقر دولة عالمياً في مصادر المياه، وباتت الازمة في وضع مقلق، ونتج عنها مؤخرا جفاف أغلب السدود، الامر الذي يستدعى وضع استراتيجية مائية مستعجلة لحل الأزمة بالسرعة القصوى وإلا العطش سيدق أبواب المواطنين.
وقال أستاذ علم الجيولوجيا والمياه والبيئة في جامعة الحسين بن طلال الأستاذ الدكتور محمد الفرجات ، "إن المملكة تعاني من شح المياه منذ الأزل"،وكانت سمة حياة أجدادنا الأنباط التعايش مع الشح المائي ويتمثل ذلك ببقايا وآثار منشآت الهندسة المائية القائمة في البترا ومحيطها لغاية اليوم، مضيفاً، أن جلالة الملك قام بتشكيل لجنة ملكية لوضع استراتيجية مائية آخرها قبل حوالي ثلاثة عشر عاما تقريباً، والتي انبثق عنها "إستراتيجيات جيدة" للتغلب على الأزمة المائية في المملكة، بيد أن العجز المالي ومناقلات البنود المالية المفاجئة جراء تبعات التغيرات السياسية في الإقليم تلقي بظلالها على تنفيذ الكثير من إستراتيجياتنا وخططنا التنموية، وأهمها المائية.
وأشار إلى أن أهم أسباب تفاقم هذه الازمة وظهور بوادر الشح المائي يعود إلى الزيادة المفاجئة وغير الطبيعية في عدد السكان الناتجة عن الهجرات القسرية المتتالية وموجات اللجوء بعد الربيع العربي خاصة ،لافتا إلى انه توجه الكثير من المواطنين نحو العمل في قطاع الزراعة والتوسع به كبديل لعدم توفر وظائف لهم مما أدى إلى زيادة الطلب على المياه لغايات الري وعلى حساب مصادر مياه الشرب ، وأدى ذلك عبر عشرات السنوات الماضية إلى نضوب - استنفاذ - خزانات جوفية كثيرة مثل : خزان عمان الزرقاء، خزان الظليل، خزان الأزرق، خزان الجفر، وغيرها التي استنزفت بسبب الزراعة والصناعة ، كل ذلك بجانب الفاقد الفني والإداري من شبكات المياه من تسرب وسرقات وإعتداءات.
وتابع حديثه للسوسنة :"أن التغير المناخي"، في المنطقة أثر على كميات الأمطار السنوية حيث ترى تحاليل كميات محطات الأمطار المختلفة في المملكة تناقصاً واضحاً عبر الزمن ، كما وأن المناطق الرطبة تتحول إلى جافة والجافة تصبح أكثر جفافا، ويتساقط على المملكة سنوياً بمعدل ما مجموعه (٧ مليار متر مكعب)، و لكن ٩٠ ٪ من هذه الكميات تتبخر لأن منطقتنا حارة وذات مناخ جاف ويبقى منها بحدود (٧٠٠ - ٩٠٠مليون متر مكعب) ، يذهب منها إلى الأرض كتغذية جوفية حوالي( ٢٠٠ إلى ٣٠٠ مليون متر مكعب) وجزء يذهب إلى السدود كجريان سطحي، وجزء في التربة، فيصبح لدينا عجز .
وبين ان الاردن يحتاج سنويا من المياه بحدود "مليار ونصف متر مكعب في السنة الواحدة "، للقطاعات المنزلية والشرب وهي الأهم، و كذلك للصناعة والزراعة والسياحة، و غايات الإعمار والإسكان والإنشاءات والأشغال العامة التي تستهلك كميات مياه عالية،فيكون بذلك هنالك إستنزاف حقيقي وخطير للخزين الجوفي غير المتجدد خاصة لتعويض النقص. "إذن نحن سنويا يوجد لدينا عجز مائي بحدود (٥٠٠ مليون متر مكعب)" .
ويرى الفرجات أنه لا يوجد حل الان سوى التفكير في محطة تحلية مياه عملاقة في العقبة بجانب الحاجة إلى ناقل مائي وطني يمتد من العقبة إلى محافظات الوسط والجنوب و الشمال، ونحن بحاجة إلى ما يقارب ( ٣٠٠ مليون من المياه بالسنة الواحدة) لسد العجز المتنامي وخاصة لغايات الشرب، وأن كلفة الناقل الوطني المتوقعة تقدر بحوالي ٢ مليار دينار ، والانبوب يتسع إلى ٤٠٠ مليون متر مكعب ، كما وأن محطة التحلية المراد إقامتها في العقبة بالتأكيد ذات كلفة ليست بالقليلة، وتحتاج إلى طاقة للتحلية وهناك عدة خيارات اما الاعتماد على الطاقة التقليدية النفط وهو بتصاعد دائم من حيث السعر، أو بالطاقة النووية عبر إنشاء سلسلة من المفاعلات النووية الصغيرة شرق العقبة، فتولد طاقة كهربائية ليتم تزويد محطة التحلية بها لتحلية مياه البحر وضخها بالناقل الوطني لكافة المحافظات لسد العجز المائي، مما يعني تكلفة إجمالية للمشروع شاملا محطة التحلية والناقل المائي الوطني ومحطات الطاقة النووية بما لا يقل عن عشرة مليارات دينار.
وبيّن البروفيسور الفرجات لــ السوسنة "أن التحديات امام المشروع الكلف المالية وأننا هنا في سباق مع الزمن، فمتى سيتم إنجازه؟"، متسائلا :"كم كلفة سلسلة المفاعلات النووية ومحطة التحلية و الناقل الوطني؟ وهل تملك الدولة حوالي ١٠ مليار دينار كلفة المشروع ؟" ، لافتا الى ان "كل هذه التساؤلات يجب إيجاد إجابات لها ، وقبل إستفحال خطر وتبعات الشح المائي والعطش، ففي ظل هذا الجفاف والتغير المناحي وانقطاع المياه عن الأحياء وجفاف السدود التي تروي المزروعات، ومستقبل الامن الغذائي الوطني يجب إيجاد حلول حكيمة وواقعية وقابلة للتطبيق.
واقترح الفرجات حلولا أخرى لهذه الأزمة وأهمها: على المدى المتوسط (خلال ٣ أعوام) تطوير أنماط إستهلاك مائية ذكية، بإنشاء سلسلة مدن زراعية سكنية تنموية استثمارية جاذبة شرق مدينة العقبة وفي وادي عربة، وتزويدها بمساكن ومدارس ومستشفيات وبنية تحتية وفوقية وبكل متطلبات الحياة اليومية، وتزويد هذه المدن بمياه البحر من العقبة لغايات الزراعة المناخية الذكية وعبر التحلية، بحيث يتم توليد الكهرباء لحاجة التحلية من خلال الطاقة الشمسية، وباستعمال طرق الزراعة العصرية الحديثة الذكية وبأقل كميات من المياه والمساحات الزراعية والسماد الكيميائي وبأقل الكلف والجهد تنتج الأراضي عشرات أضعاف الزراعة التقليدية في المملكة، وهذا من شأنه تقليل استهلاك المياه لغايات الزراعة إلى النصف لتعوض النقص بمياه الشرب، وسيصبح لدينا وفر مائي يصل إلى ٢٠٠ مليون متر مكعب سنويا.
واستطرد بقوله : "وسيصبح لدينا منتج زراعي منافس وبكميات عالية تكفي المملكة والفائض يُصدر، وهذه المدن سيتم بنائها من خلال "صندوق استثماري" ، ومدة تنفيذها خلال سنتين كحد اقصى ، مشيرا الى ان " المدن لا تكلف الحكومة شي لأن الكلفة ستكون على صندوق الاستثمار الوطني الذي سيساهم به : المواطنين، البنوك، المتقاعدون، المغتربون، النقابات، والدول الشقيقة والصديقة، والقطاع الخاص ، وتملك أراضي المدن الزراعية للصندوق ليدفع المواطنين للصندوق وستفتح فرص عمل وتحل المشاكل الاجتماعية من بطالة، ومخدرات، وعنف.
وأضاف الفرجات :"من الحلول أيضا أن يتقدم الأردن إلى المجتمع الدولي بطرح عاجل ومُلح ومدروس جيدا ومقنع عبر مناورة سياسية ودبلوماسية قوية ، أن ازمتنا المائية التي نتجت عن أعداد اللاجئين مؤخرا تتطلب من المجتمع الدولي والدول المانحة تقديم تعويضات مالية سريعة للمملكة مثل: شطب جزء من الديون الخارجية أو استبدالها بمشاريع مائية، وذلك أن الأردن تحمل عبء اللاجئين عن الإقليم وأوروبا وكان أكثر دولة استقبلت لاجئين على حساب التنمية وذلك بعد الربيع العربي، مضيفاً أننا كدولة نامية ندفع فاتورة انبعاث غازات ثاني أكسيد الكربون التي تصدر عن الدولة الغنية والمنتجة والمصنعة والتي كانت سببا في تفاقم الإحتباس الحراري وما نتج عنه من مظاهر التغير المناخي وتسارعه.
وتساءل عن مخرجات المجلس الوطني الذي اجتمع به جلالة الملك والذي عقد قبل أيام و طلب جلالته من المجلس وضع سياسة مائية ذات استراتيجية مائية طويلة الأمد، مقترحاً حلولا على المسار السريع لسد العجز إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، وذلك بالتوجه إلى المياه الجوفية العميقة في الصحراء الشرقية، وعلى المدى المتوسط بالتوجه لحلول المدن الزراعية الذكية المذكور سابقا، وعلى المدى الطويل فلا بد من تبني مشروع التحلية في العقبة وبالطاقة النووية، وهنا يتوجب علينا تطبيق المناورة السياسية الدبلوماسية سابقة الذكر لتوفير كلف المشروع.
واختتم الفرجات حديثه ، أن "مشكلة المياه" أصبحت قضية دولة بكل مكوناتها وليست قضية وزارة المياه فقط ؛ فوزارة المياه تقوم بتشغيل الآبار واستدامتها وإدارة قطاع المياه والشبكات والسدود والإشراف على شركات المياه، واليوم أصبح الأمر له علاقة بوزارة التخطيط، والمالية، والزراعة، والاقتصاد، الداخلية، الخارجية ... إلخ، معتقداً بأنه إذا لم يتم العمل بالحلول السابقة "فنحن أمام كارثة حقيقة ذات أبعاد إجتماعية وإقتصادية تنموية وسياسية تهدد الأمن الوطني والغذائي والقومي" ، ولكن رحمة الله عز وجل فوق كل شيء، كما ونأمل فيما تبقى من هذا الموسم المطري أن تأتي عدة فعاليات مطرية نوعية تنعش الخزانات الجوفية المتجددة والينابيع والابار وأيضا ترفد السدود بطاقتها الاسيتعابية بإذن الله تعالى.