عندما تحظر بلجيكا فرح المشجّعين المغاربة

mainThumb

30-11-2022 09:54 PM

السوسنةـ يصعب تفسير سحر كأس العالم لكرة القدم، ربما لاختلاط اللعب بالجدّ في مباراته. في المونديال، يسود الشعور بالانتماء إلى الوطن على وقع النشيد والأعلام الوطنية. في المونديال، يلتقي الشمال والجنوب، ويجتمع الشرق بالغرب، وتحتكّ أجساد ممثلي دول العالم الأول والثاني والثالث، وتتنافس الدول التي تنفق ملايين الدولارات على فرقها، وأخرى تصارع من أجل البقاء. وحين تفوز فرق منتخبات دول القاعدة أو الفرق الصاعدة على كبريات منتخبات أوروبا وأميركا اللاتينية التي تتربّع على قمة هرم اللعبة، يسمّى هذا الفوز في القاموس الرياضي الغربي "Upset"، أي "غضبا"، لكسره توقعات المحلّلين وخروجه عن منطق القوة الذي يحكم الرياضة أيضا، رغم أن الحب واللعب والحرب لا تخضع دائما لقواعد المنطق.

في أقل من عشرة أيام، سجّل مونديال قطر ثلاث غضبات تاريخية، بفوز منتخب السعودية على الأرجنتين، وتغلّب اليابان على ألمانيا، وانتصار المغرب على بلجيكا؛ غضبات تضاف إلى الغضبة الكبرى التي شكّلها فوز قطر بشرف تنظيم مونديال 2022، متغلبا على منافسة كل من أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وأميركا العظمى التي كانت تعد الأوفر حظا لاستضافته. ورغم الغضب الغربي ومحاولاته اليائسة نزع حقّ دولة عربية احتضان هذا الحدث العالمي لأول مرة، نجحت قطر في تنظيمٍ مبهر ومبتكر لمونديال العرب الذي جعل المنطقة محط أنظار العالم في عرس رياضي بهيج، بعيدا عن كآبة أخبار الحروب والأزمات التي لازمت المنطقة منذ زرع الغرب إسرائيله بين العرب، وزعزع استقرار المنطقة بغزوه العراق، خارج الشرعية الدولية.

بعد انتشاء الجماهير العربية بفوز صقور السعودية على فريق ليونيل ميسّي، زلزل أسود الأطلس ملعب الثّمامة تحت أقدام فريق "الشياطين الحمر" البلجيكي، وفاز المنتخب المصنّف 22 عالميا على المنتخب البلجيكي الثاني عالميا، صاحب رصيد مبهر من الإنجازات والانتصارات جعلته مرشّحا للفوز، إذ لم يسبق له أن خسر أي مباراة في كأس العالم ضد دولة عربية وأفريقية من قبل. كل هذه الاعتبارات جعلت انتصار المغرب على المنتخب البلجيكي بكل نجومه ووزنه وتاريخ انتصاراته حدثا خرافيا.

استمات الجمهور المغربي والعربي في تشجيع المنتخب المغربي، حتى أشعره أنه يلعب في بلده، بين أهله. وكان لطعم الفوز نكهة عربية، إذ استقبلت عائلات قطرية آلاف الجماهير بالتمر والحلويات والماء والقهوة وكل ما جاد به عطاؤهم، فزادوا كرم استضافة بلدهم مونديال العرب كرماً. احتفى المغاربة وباقي الجماهير العربية وعبّروا عن فرحة عارمة، كبتتها سنوات المعاناة من جائحة كورونا والحروب وغلاء المعيشة جرّاء تداعيات حرب أوكرانيا.

كان انفجار الاحتفالات في المغرب بحجم هذا الفوز التاريخي. خرج الشعب عن بكرة أبيه وتوافد بأعداد غفيرة على الشوارع والساحات ليظهر للعالم أنه، كباقي شعوب العالم، لا ينقصه إلا الحق في الفرح. وفي بلاد المهجر أيضا، احتشدت الجماهير المغربية، وأطلقت العنان لفرحتها في شوارع المدن الأوروبية وساحاتها. ولو كانت بلجيكا حقا بلدا يؤمن بالتساوي في الحقوق والحريات، لقبلت خسارة فريقها الوطني بروحٍ رياضية، ولسمحت لمشجّعي الجمهور المغربي بالاحتفاء بفوز مُستحق. وفي العاصمة، بروكسل، لم تسر الأمور على طبيعتها، وقرّرت الدولة المنهزمة في مباراة كرة القدم أن تحرم آلاف الشباب المغاربة والبلجيكيين المتحدّرين من أصول مغربية من حقهم في الاحتفاء بنصرٍ ما زالت تجترّ مرارته، وفجرّت بذلك على نفسها أحداث عنفٍ سارعت وسائل الإعلام الغربية إلى نسبها للمغاربة، مُبرّئة كعادتها السلطات الغربية من مسؤوليتها في أحداث العنف التي تتسبّب فيها.

الحقيقة كما عاينها الصحافي المصري، مجدي يوسف، مراسل قناة "صدى البلد" المصرية في بروكسل، تروي قصة مغايرة، أن السلطات البلجيكية أقدمت، مباشرة بعد المباراة، على غلق محطات مترو الأنفاق والشوارع المؤدّية إلى غراند بلاس، ساحة الاحتفالات التي منعت مشجّعي المنتخب المغربي من الوصول إليها. وبعد أن حوّلت فرح آلاف الشباب إلى شعور بالإحباط والظلم، تطوّر بسرعة إلى احتجاج، سلّطت عليهم قوة مكافحة الشغب التي اشتبكت معهم بالعصي وخراطيم المياه. غضّت الصحافة المحلية والعالمية الطّرف عن القرار غير المبرّر الذي اتخذته السلطات البلجيكية بحظرها الاحتفالات، وحرمانها آلاف الشباب الحقّ في التعبير عن فرحتهم بحدثٍ سار يبعث على الاعتزاز بانتمائهم لأحد بلدان الجنوب.

ولأن الصورة النمطية لعنف العرب وسلمية الغرب راسخة في الأجندة الإعلامية الغربية، اكتفت الصحافة العالمية من صحيفة النيويورك تايمز الأميركية وذا غارديان البريطانية إلى لوموند الفرنسية ولوسوار البلجيكية، بعناوين غير منطقية، تردّد مزاعم السلطات البلجيكية، مفادها بأن "مخرّبين" مغاربة قاموا بأعمال الشغب احتجاجا على فوز المنتخب المغربي على نظيره البلجيكي. ولأننا نعيش في عالم العبث وما بعد الحقيقة واستعلاء الغرب على غيره، لم تلتزم كبريات الصحف بأبسط قواعد المهنة، ولم تحاول نقل رأي الطرف الآخر، لاستقصاء دواعي غضب شبابٍ يُفترض أن يحتفوا بفوز فريقهم ولا يعقل أن يحتجّوا عليه.

لو تجرّد الإعلام الغربي من الصور النمطية عن العرب التي تحرّك تغطيته، لنقل الخبر كاملا ومتوازنا، ولتحدّث عن مصادرة السلطات البلجيكية حقّ مشجّعي الفريق المغربي في إظهار مشاعر الاغتباط والبهجة في الفضاء العمومي، مثلما يحتفل باقي أبناء الشعب تلقائيا في مثل هذه المناسبات، ولسلّط الضوء على سرعة تدخّل قوات الشغب وعنفها وما كان يحقّ لها التدخل إلا في حال حادَت الاحتفالات عن سلميّتها. ولأن الآلة البوليسية تصدّت لتعبير الشباب عن شعورهم الطبيعي بالفرح بالقمع والقوة، فإن السلطات البلجيكية تتحمّل المسؤولية الأولى عمّا آل إليه الوضع من عنف وعنف مضادّ، سارع بعض السياسيين إلى ربطه بـ "فشل سياسات الهجرة".

لا تتوقف القصة هنا، إذ يجب وضع منع المغاربة من الاحتفاء بفوز فريقهم في بروكسل في سياقه الأكبر: مونديال قطر الذي تُقاطع بثّه في الفضاء العمومي عدة بلديات بلجيكية ضمن سياسة "الشاشات السوداء." والحملة في بروكسل ولندن وباريس وبرلين وعواصم أوروبية عديدة ضد قطر مستمرة منذ 12 سنة، ولم تدّخر جبهة الإسلاموفوبيا جهدا من أجل انتزاع حق قطر في احتضان مونديال 2022، ولم تترك تهمة إلا وألصقتها بهذا البلد لإفساد أول عرس عربي عالمي يعكس صورة إيجابية عن منطقة تحبسها الأجندة الإعلامية والسياسية في خانة العنف والفساد والتخلّف والاستبداد.

في بلجيكا، وفي بروكسل تحديدا، تستمر محاولة السياسيين الأوروبيين التنكيد على نجاح مونديال قطر، ففي 22 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تبنّى البرلمان الأوروبي قرارا في قمّة الانحطاط والاستعلاء معاً، وندّد بوفاة آلاف العمال الأجانب في أوراش كأس العالم، مردّدا أرقاما مضلّلة ومفبركة روّجتها صحيفة ذا غارديان البريطانية على نطاق واسع، ونَفَتْها منظمة العمل الدولية وجهات مستقلة. ويطالب قرار الاتحاد الأوروبي دولة قطر بالخضوع الفوري لإملاءات حقوقية، بما فيها "تشريع العلاقات الجنسية المثلية"، في محاولة يائسة لفرض قيم غربية على أنها حقوق إنسانية عالمية وصراط مستقيم ينبغي على باقي الدول الالتزام به من دون نقاش.

من مزايا مونديال قطر أنه أسقط آخر ورقة توت عن عورة أوروبا واتحادها وجزء من مجتمعاتها التي ربما لم تُدرك بعد أن أوروبا قد فقدت مركزيتها منذ تفكّك امبراطورياتها الكولونيالية عقب الحرب العالمية الثانية، وأن تقارير منظماتها الحقوقية توثّق انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان، على نحوٍ يجعلها مثالا لا يُحتذى به، وآخر من يحقّ له الدفاع عن حقوق العمّال المهاجرين في قطر. لقد أسقطت "أزمة اللاجئين" قبل سبع سنوات القناع عن مزاعم الحقوق والحريات في أوروبا، وشاهد العالم اعتداء سلطاتها ومواطنيها على طالبي اللجوء، الفارّين من حروب ومآس تتاجر فيها حكومات أوروبا الديمقراطية، ورأينا كيف جرى استقبال آلاف العرب والأفارقة والمسلمين بالقنابل المسيّلة للدموع، وسياجات الأسلاك الشائكة، والاعتداءات، والاعتقالات، بينما فتحت أوروبا ذراعيها للّلاجئين الأوكرانيين، لأنهم بيضٌ، وشقرٌ، والمسيحيين.

وفي لحظة لاإنسانية نادرة، سخرت صحيفة شارلي إبدو الفرنسية من غرق اللاجئين السوريين الذين لفظتهم أمواج البحر إلى شواطئ أوروبا، وعلّقت على صورة جثة الطفل الرضيع إيلان طريحا على أحد الشواطئ التركية بلوحة ساخرة رسمت عليها شخصية ماكدونالدز الشهير وكتبت عليها: "تخفيض: قائمة الطعام اليوم، طفلان بسعر طفل"، وكأن في مأساة غرق الرضيع ما يبعث على الضحك والسخرية.

بشاعة استقبال أوروبا آلافا من طالبي اللجوء غير البيض وغير المسيحيين، وما صاحبها من سياسات مناهضة للهجرة واللجوء تشكّل قمّة الانحطاط الأخلاقي في القارّة العجوز؛ انحطاط يتجلى اليوم في تواصل الهجمة الشّرسة على قطر، وحظر السلطات البلجيكية أبسط الحقوق الإنسانية على أراضيها: الحق في الفرح.


عائشة البصري
كاتبة وإعلامية مغربية، ناطقة سابقة باسم بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور وحائزة على جائزة رايدنهاور الأمريكية لكاشفي الحقيقة لسنة 2015.