دراسة حول توجيه الرأي وإيقاظ الوعي

mainThumb
خالد الطوالبة

21-03-2024 05:10 PM

خالد الطوالبة
"دراسة في إنجاز الدعاية الحقيقية ودراسة أصولها ودور الشائعات في تغيير الرأي العام قديما وحديثا"

أهداف الدراسة
نسعى من خلال إنجاز هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:

. التعرف على ماهية الدعاية وأنواعها وأصنافها؛ ووظائفها وأهدافها؛ والأساليب الدعائية المعتمدة في صناعة الرأي العام.

التعرف على العلاقة بين الإعلام والدعاية.

منهج البحث
المنهج الاستقرائي الوصفي
سوف نعتمد خلال إنجاز هذا البحث على المنهج الاستقرائي - الوصفي، لما يتيحه من إمكانية لتحليل الظاهرة وتحديد شكلها العام تشخيصاً وتفسيراً واستخلاصاً للنتائج. حيث سنقوم بالوقوف عند مفهوم الدعاية وكل ما يتعلق بها من أنواع ومظاهر ووظائف وأساليب.

المفاهيم الإجرائية للدراسة

. الدعاية هي تلك المحاولة المقصودة التي يقوم بها فرد أو جماعة من أجل
تشكيل اتجاهات جماعات أخرى أو التحكم فيها أو تغييرها، وجعلها تتبنى
أفكارا تتوافق مع أفكار المصدر.
. الرأي العام هو تلك الفكرة السائدة بين جمهور من الناس تربطهم مصلحة
مشتركة إزاء موقف من المواقف أو تصرف من التصرفات، أو مسألة من
المسائل العامة التي تثير اهتمامهم أو تتعلق بمصالحهم المشتركة، فالرأي العام
يمثل محصلة الآراء والأحكام السائدة في المجتمع.


المبحث الأول:ما هي الدعاية؟

إن جوهر الدعاية، قديم قدم التاريخ. إلا أن أساليبها تطورت بتطور الوسائل التكنولوجية التي سهلت من مأمورية الأنظمة في تمرير ما تريد تمريره، ومهدت لها الطريق لصناعة رأي عام يتوافق وأهدافها.

المطلب الأول: نشأة الدعاية وتطورها

لو أردنا البحث في تاريخ الدعاية لوجدنا أنفسنا نبحث في تاريخ البشرية نفسه، فمنذ أن أخذ الإنسان يعبر عن نفسه من خلال الكلمات الكتابة الرموز، فإنه لم ينفك يبحث بشتى الوسائل، من خلال الإيهام المبالغة، تحريف الحقائق إعادة صياغة الأخبار من أجل الوصول إلى هدف .

إن أوجه النشاط الدعائي قائمة منذ الأزل. والدعاية بوصفها سلاحا من أسلحة الحرب النفسية موجودة في أقدم دليل عمل للاستراتيجيات العسكرية، إذ يؤكد المفكر الصيني صن تزو في القرن الخامس قبل الميلاد في كتابه الحرب أهمية تدمير إرادة العدة و تجنب الصراع حتى النهاية المريرة، والعمل على تحقيق النصر بأقل تكلفة و لذلك أوصى في حالة القتال ليلا باستعمال الأبواق و الطبول، أما في حالة القتال نهارا فيجب رفع عدد كبير من اللافتات والأعلام كي تبهر عيون العدو ومسمعه، وأشار إلى استعمال ما بات يسمى اليوم استراتيجية الرعب، بنشر قصص الخداع والتحدث عن القوى الطاغية لتحقيق نفس الهدف. وعلى الرغم من أن الوسائل الدعائية في الماضي كانت بسيطة وبدائية، إلا أنها مع ذلك كانت تؤدي فعلها بنجاح .

وكانت تنحصر الدعاية عند الاغريق في السياسة الداخلية بإقناع الخصوم السياسيين والمفكرين، بينما كانت في السياسة الخارجية تعني خلق (صورة للعدو من اجل توحيد الصف الشعبي من خلالها والاستفادة في تأجيل الكثير من المطالب الملحة للشعب، ومن أجل منح الشرعية للحروب ولتحقيق الاطماع التوسعية واقامة الامبراطوريات، فالهيمنة والاحتلال والانقلابات السياسية جميعها تبحث عن الشرعية وعن التمويل ولا يمكن ذلك بدون الدعاية، كما يؤكد برهان شاوي.

لقد أدت التغييرات التي عرفتها أوروبا على كافة المستويات، وكذا اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى التغيير في الأساليب الدعائية التي كانت سائدة قديما، وقد شمل هذا التحول الأدوات والمناهج والأساليب المعتمدة في فعل الدعاية.

يؤرخ العالم الأمريكي ناعوم تشومسكي" لأول عملية دعاية حكومية حديثة إذ يقول " كان ذلك في عهد إدارة الرئيس الأمريكي وودور ويلسون، الذي انتخب رئيسا سنة 1917 تحت شعار (سلام بدون انتصار) ، إذ كان الشعب الأمريكي نزاعا جدا إلى الهدوء، و كان لا يرى سببا في التورط في حرب أوروبية. في حين أن إدارة ويلسون كانت قد التزمت فعلا بالحرب، وكان لابد لها أن تفعل شيئا تجاهها، فأسست لجنة دعاية حكومية أطلق عليها اسم لجنة (كريل) التي نجحت في غضون ستة أشهر أن تقلب الشعب ذا النزعة إلى الهدوء واللاعنف إلى شعب هستيري يتاجر بالحرب ويروج لها ويريد تدمير كل شيء ألماني و تمزيق ألمانيا إربا إربا، ويطالبون بدخول الحرب لإنقاذ العالم. كان ذلك إنجازا عظيما، وقاد إلى إنجاز اخر، ففي ذلك الوقت تماما، وبعد الحرب، استخدمت التقنيات ذاتها لإثارة ( الرعب الأحمر الهيستيري كما كان يسمى، والذي نجح إلى حد كبير في تدمير الاتحادات والنقابات، ووضع حدا الإشكالات خطيرة كحرية الصحافة، وحرية التفكير السياسي خلاصة القول أن دعاية الدولة عندما تدعمها الطبقات المثقفة، وعندما لا يسمح بالانحراف عنها، تستطيع تحقيق نتائج كبيرة. تعلم هتلر، وسواه ذلك الدرس، ومازال يتبع حتى يومنا هذا .

ومن أجل فهم أحسن لتطور التضليل الإعلامي الحالي المتحكم فيه من طرف الساسة يجب التعرف على الأب الروحي للبروباغاندا، "إدوارد برنيز" الذي أثر على القرن العشرين بشكل يضاهي تأثير عمه سيجموند فرويد برنيز" أطلق فكرة سيكولوجية الحشود متبنيا فكر عمه "التحليل النفسي"، في إطار ما سيصبح النموذج السياسي المثالي حول الطريقة المثلى للتحكم في الجماهير.

وقد كان برنيز هو من قاد عمالقة الصناعة إلى مناهج سيكولوجية الحشود كوسيلة للإقناع، بحيث دنس التقنيات للسيطرة عل المجتمع وأقنع السكان بتقنية توليد الاندفاع لديهم لشراء منتجات ليسوا في حاجة إليها عن طريق ربطها برغبتهم اللاواعية. إذ ألزمته صناعة التبغ بإقناع النساء بالتدخين ومن ثم تولدت ثقافة الاستهلاك، فتنبهت الحكومة الفدرالية التي ستستقطبه فيما بعد، لكي تتبنى تقنياته في إنتاج الأخطار وادعائها بهدف الحفاظ على حالة الخوف وبعدها يكون لأصحاب السلطة سيطرة أكبر ".

ونظرا لأهمية مفهوم الدعاية، وبعدما حاولنا أن نقدم لمحة عن نشأته وتطوره، وجب علينا الآن وضع تعريف له. فماذا نقصد بالدعاية؟

المطلب الثاني: تعريف الدعاية Propaganda‏

اشتقت كلمة "دعاية" من فعل دعا، يدعو، دعاية. وهي الدعوة إلى مذهب أو رأي بالكتابة أو الإعلان أو الخطابة. وعند المحدثين يقصد بها نشر الدعوة لشخص ما، ضرب ما، أو مبدأ ما ويقابلها في اللغة الفرنسية مصطلح propagande، وفي الإنجليزية propaganda، وهو المصطلح الذي يكاد يكون في جميع اللغات، وهي كلمة مشتقة من فعل propager بالفرنسية القريب من نفس الفعل اللاتيني، والذي يعني عملية نشر الشئ، وتعميمه وإشاعته.

وقد تضمن كتاب الحرب النفسية مجموعة من التعاريف التي حاولت الإحاطة بمفهوم الدعاية، حيث تم تعريفها بأنها " ذلك النشاط والفن الذي يحمل الآخرين على سلوك مسلك معين ما كانوا يتخذونه لولا ذلك النشاط أو نشر معلومات بين الناس الهدف منها التأثير في الرأي العام وفق اتجاه معين وهي بصيغة أخرى محاولة التأثير في شخصيات الأفراد والسيطرة على سلوكهم وعقولهم لأغراض مشكوك فيها بإثارة غرائزهم وتحريك شهواتهم ونشر الأكاذيب والفضائح والتهويل في الأخبار. وهي أيضا الاستعمال المخطط لأي نوع من وسائل الإعلام يقصد التأثير في عقول وعواطف جماعة معينة، أو جماعة صديقة لغرض استراتيجي تكتيكي. كما يمكن تعريفها بأنها وظيفة اتصالية تهدف من خلال استعمال الرمز إلى إحداث نمط أو أنماط سلوكية لدى الآخرين. وفي تعريف اخر، فتعتبر محاولة للتأثير على رأي المجتمع وسلوكه بشكل يجعل الناس يتقبلون بعض الآراء والتصرفات ".

ويستهل إدوارد برنيز (1928) في كتابه The Propaganda" في الفصل الأول منه "تنظيم الفوضى" لتوضح أن التحكم الواعي والذكي في العادات والآراء المنظمة للحشود يكون خافتاً. ويشكل ظل الحكومات الأمر والناهي لها. وهو أحد العناصر الهامة داخل المجتمعات الديمقراطية. وأولئك المتحكمون في هذه الآلية يشكلون حكومة ظل والتي تعتبر القوة الحقيقية المسيرة لبلدنا".

وفي تحديد اخر، يعرف " فيليب تايلور" في كتابه " قصف العقول" الدعاية على أنها "المحاولة العامدة لإقناع الناس بكل الوسائل المتاحة، بأن يفكروا أو يسلكوا بأسلوب يرغبه المصدر.

ويعرف "Calter" ، الدعاية بأنها "المحاولة المقصودة التي يقوم بها فرد أو جماعة من أجل تشكيل اتجاهات جماعات أخرى أو التحكم فيها أو تغييرها، وذلك عن طريق وسائل الاتصال الهدف من ذلك أن يكون رد فعل الناس المتعرضين لتأثير الدعاية في أي موقف من المواقف، هو نفسه رد الفعل الذي يرغبه الداعية".

وتستخدم الدعاية كل الادوات المتاحة، وتتوغل في جميع مظاهر الحياة وتغزو كل مظاهر الفكر، وتنسج حول الافراد والشعوب شباكاً من الضغط النفسي والاجتماعي بأشكالها المختلفة، فأذن هم ضحايا أو فرانس دون وعي أو إدراك لكيفية الوقوع في الفخ. فقد تظهر الدعاية على غلاف صندوق سكائر او علبة كبريت او كلام يكتب على الجدران، وقد تكمن في رحلة طيران او سباق لغزو الفضاء، أو في محاكمة علنية، أو في حلقة تتويج او في خطبة زعيم سياسي تخرج اخراجاً فنياً بالموسيقى والاضواء وصياح الجماهير، أو في اعمدة الصحف ومنها عمود (حضك هذا اليوم ) اذ يدس الداعية توجيهاته من خلال هذه الاسطر البريئة المظهر التي يقرأها جمهور غفير من البسطاء.

وعلى الرغم من أنه ليس هناك تعريف واحد للدعاية، إلا أنها جميعا تتفق إجمالا حول الهدف النهائي الذي تسعى إلى تحقيقه، وهو التأثير في الرأي العام وترويض السلوك الاجتماعي للجماهير وتطويعه، وأن تتبع هذه الجماهير السلوك الذي رسمه وحدده الداعية، باستعمال مختلف الأشكال والرموز التي تمر غالبا من خلال وسائل الاتصال الجماهيرية.

المبحث الثاني: الدعاية عناصرها، أنواعها وتقسيماتها

بعد أن تطرقنا في المبحث الأول لنشأة وتطور مفهوم الدعاية، وقمنا بتحديد تعريف لها، ولبعض الاصطلاحات التي تتقاطع مع مضمونها وأهدافها. سنحاول من خلال هذا المبحث أن نحدد عناصر العملية الدعائية، ومختلف أنواعها وتقسيماتها.

المطلب الأول: عناصر الدعاية
وتتضمن الدعاية العناصر التالية:

مصدر الدعاية


ان تحديد مكونات الدعاية أو عناصرها مرتبط أساسا برجل الدعاية نفسه، فإن أمكن تحديد رجل الدعاية. أمكن تحديد الدعاية.

ومما لاشك فيه أن المرسل أو المصدر المباشر للدعاية، يؤثر تأثرا كبيرا في مدى تقبل الناس للرسالة الدعائية، ومدى تصديقهم لها، فعندما تنسب المعلومات إلى مصدر ثقة أو شخصية تؤمن بها الجماهير، يصبح جو التقبل مهياً، وتكون فرصة الإقناع سانحة. لكن الادعاء بأن الدعاية أو مصدر الدعاية هو قيمة مطلقة في حد ذاته يدفعنا إلى القول بأنه حيث يوجد الداعية توجد الدعاية وهو قول يؤدي إلى الإخفاق في التحليل السياسي، وإلى الوقوع ضحية للدعاية.

وقد يكون مصدر الدعاية دولة أو منظمة دولية رسيمة أو غير رسمية أو جزب سياسي، أو حتى شخص معين يطمح لتولي منصب معين أيا كان ذلك المنصب.

الجهود المنظمة

وهذا يعني حضور التخطيط في العمل الدعائي ليرسم له الطريق المؤدي إلى الهدف ويلزم التخطيط جميع المعلومات والبيانات المضمون النشاط الدعائي، وإمكانية رسم استراتيجية دعائية سليمة، ولأن الدعاية تلجأ إلى الكذب أحيانا كثيرة. فإنها يجب أن تخضع لعملية إعداد دقيقة ومسبقة. وهي بهذا المعنى ليست إلا صورا من صورالتخطيط السياسي، ونجاحها يتوقف على احترام ومسايرة القواعد التي تقترحها عملية التخطيط السياسي.

القصد والتعمد

وهو يعني وجود اهداف معينة ومحددة مسبقا في ذهن الخبير الدعائي، يعمل على تحقيقها من خلال التأثير على الجمهور المستهدف، وفضلا عن التخطيط، فإن الدعاية يجب أن يكون لها هدف معلوم، فكثيرا ما تعمل الدعاية على تعبئة الكراهية ضد العدو، والسعي إلى تحطيم روحه المعنوية والحصول على تعاون المحايدين، والحفاظ على صداقة الصديق، وهذا في حد ذاته يتوقف على أبعاد التخطيط الدعائي وارتباطه بالتخطيط السياسي والوسائل والأساليب الفنية والمتبعة في العمل الدعائي.

وجود جماعة مستهدفة (الجمهور)

من عناصر الدعاية وجود عناصر يراد التأثير في اتجاهها ومعتقداتها شعوريا، بحيث أن الفرد المستقبل ليس المتأثر بوسائل الإعلام، وما تبثه من مواد إعلامية مختلفة بوصفه شخصية مستقلة، أو فرد له كيانه الذاتي فحسب، بل إن ذلك التأثير يكون على أساس عضوية الفرد المستقل في الجماعات التي ينتمي إليها ويتصل بها. بمعنى أن المستقبل يتعرض للعملية الدعائية من خلال المواد المختلفة التي يتلقاها في إطار اجتماعي، ومن ثم يتأثر في اختياره ومدى اقتناعه بمادة دعائية بعينها سلبا أو إيجابا وبالجماعات المرجعية التي ينتمي إليها، لذا يجب الأخذ بعين الاعتبار القيم الحضارية والحياة الثقافية والاجتماعية والبيئية التي تتواجد فيها الجماعة المستهدفة، فضلا عن المعرفة التامة بميولها وحاجاتها وآمالها، ثم دفعها بالاتجاه الذي يخدم الأهداف التي
ترمي إليها الدعاية.

وسيلة الدعاية

ينبغي أن تكون الوسيلة المستخدمة في الدعاية أكثر تأثيرا من بين وسائل الاتصال بالجماهير. وتأتي في مقدمتها الإذاعة والتلفاز ثم الوسائل الأخرى المعروفة. غير أن وسائل أخرى في الاتصال بالجماهير كاستخدام الاجتماعات على صعيد وطني كما في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، والتي مازالت ملامحها مطبقة في بعض الأقطار، أوعلى صعيد دولي كما هو الحال في المهرجانات الدولية.

اعتماد أساليب علمية وفنية يجب أن تتميز هذه الأساليب بقدرتها الإقناعية وبمنطقها، أو بقدرتها على الاحتيال باستعمال الإيحاء أو بقدرتها القهرية بالتحكم بالدوافع السلوكية، أو اللجوء إلى استعمال الوسائل المادية والداعية الحقيقي هو الشخص الذي يريد أن يقنع الغير ويستعمل كل ما يراه من وصفات تبعا لطبيعة الفكر وطبيعة الجمهور. والدعاية ليس لها طريقة بل لها هدف واحد يتمثل في غزو الجماهير والسيطرة عليها. وكل وسيلة تقدم هذا الهدف تعد مقبولة.

رموز دعائية مشحونة عاطفيا:

تنتقل هذه الرموز إلى الجمهور المستهدف باستعمال وسائل الاتصال الجماهيري (مسموعة، مرئية، اتصال فردي أو جماعي)، وينبغي الإشارة هنا إلى أن الدعاية لا تحدث فقط على الصعيد اللفظي، بل إن الدعاية كما تؤدي إلى أفعال، فإنها تتضمن نفسها فعلا، وهذا ما اصطلح عليه تسميته بدعاية الفعل" كتقديم بعض الدول معونات اقتصادية إلى دولة أخرى. والدافع وراء ذلك ليس الرغبة الإنسانية الصادقة، بقدر ما هو تأثير في اراء الناس في الدولة التي تتلقى المعونة.

اتباع الفرد المستهدف أو الجماعة ويقصد بها اتباع الفرد للسلوك الذي ترغبه الدعاية، أو الامتناع عن اتباع سلوك يعاديها ويضر بها، وذلك بخلق حالة من التشتت الذهني والغموض الفكري، تسمح بتسهيل عملية الاقتناع بالفكرة المطروحة.

المادة الدعائية:

تختلف المادة الدعائية باختلاف الهدف من الدعاية أولا، وباختلاف طبيعة الجمهور الذي تتوجه إليه في جميع الأحوال. إن المادة الدعائية تنطوي على رمز ذات شحنات انفعالية لغرض التأثير أو الإيحاء، أو إحداث الاضطراب والتشويش في تفكير من توجه إليهم، أو بعث وتحريك الاتجاهات الراهنة وصيها في قوالب واضحة تخدم هدف الداعية، مع أن الأداة الرئيسية للدعاية هي الكلمات المنطوقة أو المكتوبة، إلا أنها تقع دائما بالإشارات والصور والعناصر الرمزية الأخرى.
المطلب الثاني: أنواع وتقسيمات الدعاية

قسم العلماء والباحثون في مجال البروباغاندا الدعاية وفق مجموعة من المعايير والمحددات، واختلفت باختلاف كل معيار على حدة.

الفرع الأول: الدعاية وفق الموضوع

ويشمل هذا التقسيم ثلاثة أنواع من الدعاية :

الدعاية السياسية

وتعنى الدعاية السياسية بالقضايا الخاصة بالسياسة الداخلية والخارجية لدولة ما، وترتبط موضوعات الدعاية السياسية بالحياة الشخصية لرؤساء الدول أو قادة الأحزاب. كما تتعلق بالموضوعات والقضايا السياسية كالتفاوض أو الدخول في معاهدات و اتفاقيات.

وتنقسم الدعاية السياسية بدورها إلى نوعين، دعاية خارجية، وتعتبر هذه الدعاية إحدى أهم وسائل السياسية الخارجية، نظرا للتطور الهائل في وسائل الإعلام، وتعدد تقنياتها المستخدمة في سبيل اختراق حاجز الإيديولوجية المحيط بالدولة الموجهة إليها الدعاية. أما الدعاية الداخلية، فهو الشكل الذي نشاهده داخل أي بلد من البلدان في صراع المعارضة والموالاة، ولعبة الحكم وتنافس الأحزاب والجمعيات والتنظيمات، لكسب تأييد الرأي العام والوصول إلى مقاعد السلطة، إنها بشكل عام الطابع السياسي لعلاقة المجموعات البشرية داخل الوطن الواحد.

. الدعاية الاجتماعية
يتناول هذا النوع كل القضايا والموضوعات الخاصة بأوضاع المجتمع والعلاقات بين طبقاته وفئاته المختلفة، إضافة إلى الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تشكل اهتمام أفراد الجمهور.

الدعاية الاقتصادية
وتتمثل في الموضوعات والقضايا الاقتصادية التي تؤثر في الإنتاج والاستهلاك وأسعار السلع والخدمات، علاوة على كل أنشطة الشركات والهيئات الحكومية والخاصة، وكل ما يؤثر في أوضاعها الاقتصادية وحركة الاستثمار الأجنبي
والبورصة.

الفرع الثاني: الدعاية وفق وظيفتها وأهدافها

ويتضمن هذا التقسيم ثلاثة أنواع من الدعاية :

. دعاية الاستقطاب

وتهدف إلى التعريف بآراء الأحزاب السياسية والمرشحين، وذلك بهدف التأثير على المتلقي ودفع الأشخاص غير المهتمين والمتمردين إلى تبني قضية هذا الحزب السياسي، أو برنامج هذا المرشح بهدف إيصالهم إلى السلطة أو البرلمان، وتقوم هذه الدعاية على أسس عملية دقيقة ومضبوطة، حيث يتطلب الأمر التعرف على اللغة المستعملة من السكان واهتماماتهم ومعتقداتهم واهتماماتهم ومعتقداتهم وتخوفاتهم وتطلعاتهم ومطالبهم، كما يتطلب تحديد الصورة التي كونها الناس عن مختلف الزعماء والمترشحين.

. الدعاية الاحتجاجية

وتستخدم هذه الدعاية الاحتجاجية، بالخصوص من طرف المجموعات المهمشة والأقليات السياسية والإثنية، وترتكز بالأساس على الإحباطات الجماعية، وعلى
استغلال الأحداث الطارئة.

. الدعاية الاندماجية وتهدف هذه الدعاية إلى استلاب المتلقي، وضبط آراء وتوجهات وسلوكات وتطلعات بعض الفئات المشكلة للرأي العام، بهدف خلق نوع من الإجماع حول آراء مترشح أو حزب، وبرنامجه.

الفرع الثالث: الدعاية وفق المضمون

ويتفرع هذا التقسيم إلى ثلاث أنواع من الدعاية:

الدعاية البيضاء

و تسمى أيضا الدعاية المكشوفة، وهي الدعاية معروفة المصدر، تطلقها دولة أو جهة معروفة ومعلنة، للتأثير على شعب أو جيش دولة خصم أو عدو. وتستند في نشر أخبارها إلى مصدر صحيح ومعروف وواضح. إذ تعتمد على الحجة والبرهان والمنطق في تسويق أخبارها بحيث تظهر بشكل مقنه أكثر من أية جهة. ومثال هذا النوع من الدعاية الإذاعات الموجهة التي تصدر عن دولة ما، تعلن عن نفسها بوضوح، لكنها تستخدم لغة الدولة الخصم، وتستخدم الأساليب التي تجذب شعبا كالأغاني والمواضيع المفضلة لهم بحيث تدس بين هذا أو ذاك بعض الأخبار التي قد تكون صحيحة أو لا لترم تأثير خاص في الشعوب أو الجيوش، ولكي تنجح الدعاية البيضاء لابد أن تستند إلى شيء من الحقائق التي يدركها الشعب أو جيش الخصم حتى لا يفقد الثقة بها خاصة وأنها تصدر من مصدر معروف بعدائه وخصومته ".

. الدعاية السوداء

وهي "الدعاية التي تقترب من الإذاعات المجهولة المصدر، والتي لا تكشف عن مصادرها الحقيقية، وتسعى دائما إلى التنكر والتخفي، وإلى الحيل والكذب والخداع وتنمو بطرق سرية سوداء داخل أرض العدو أو على مقربة منه، وتستهدف إشاعة البلبلة، وتشمل حرب الأعصاب والتشكيك والتحريض على العصيان، وتلحق أبلغ الضرر بالرأي العام الذي تمده بأخبار زائفة.

. الدعاية الرمادية

وهو "اصطلاح يطلق على عملية نشر حقائق ممزوجة ببعض الأكاذيب، ووسيلتها نشر معلومات وحقائق أو أنصاف حقائق أو حتى أكاذيب في محاولة منظمة للتأثيرعلى الرأي العام، من خلال التدليس باستخدام بعض المعطيات ولي عنق الحقيقة، ثم القفز إلى استنتاجات خاطئة لتشويه الحقيقة، وتفسيرها بشكل يشوهها، بغرض التأثير في اتجاهات الناس وآرائهم وسلوكهم، أو التلاعب بالعواطف والمشاعر، بقصد الوصول لتشكيل حالة من حالات التوتر الفكري والشحن العاطفي، وفق مهارة ودقة عاليتين.

فالدعاية الرمادية لا يهمها أن يعرف الناس مصادرها الحقيقية، ولكنها تختفي وراء هدف من الأهداف، ويمكن أن تسعى بالدعاية غير المباشرة لأنها ظاهريا تخاطب العواطف، ولكنها سريا لها هدف معين تسعى لتحقيقه ".

والدعاية الرمادية هي خليط بين الدعاية البيضاء والدعاية السوداء، فهي بين الصدق والوضوح في كفة، والكذب والتشويه في كفة ثانية.

الفرع الرابع الدعاية وفق المصدر

ويتضمن هذا التقسيم نوعين من الدعاية :

. الدعاية العمودية

وهي تلك الدعاية التي تصدر من اعلي الهرم السياسي الاجتماعي - الديني أي من اعلي هرم السلطة ويسعي للتأثير على الجماهير التي تشكل القاعدة ، فتكون الدعاية من اعلي الهرم إلى قاعدته ولذلك سميت دعاية عمودية.


الدعاية الأفقية

وهي تلك الدعاية التي تنطلق من عضو في جماعة معينة ، ولا تنطلق من ذي سلطة أو رئيس لجماعة إنما عضو فيها وتنتشر هذه الدعاية بين الجماعة أفقيا وربما تكون إحدى نتائجها أو أهدافها تولى زعامة الجماعة وغالبا ما تطبق في انتخابات الأحزاب.

المبحث الثالث: أساليب الدعاية المعتمدة في صناعة الرأي العام

إن الهدف من الدعاية هو التأثير على الرأي العام وترويض السلوك الاجتماعي للجماهير وتطويعه لصناعة رأي عام جديد تتبع خلاله هذه الجماهير السلوك الذي رسمه وحدده الداعية، مستعملا في هدف تحقيق ذلك مختلف الأساليب التي تم ابتداعها وابتكارها لهذا الغرض.

المطلب الأول: أساليب الدعاية

. الفوز بثقة السامعين

يجب على الدعائيين قبل كل شيء أن يظهروا كأنهم صادقون، وأن يعتبرهم جمهورهم مصدرا وثيقا، ويمكن أن تبنى ثقة السامعين عن طريق تقديم أخبار غير سارة، ولكن من المؤكد أن السامعين يعرفونها، أو يمكن أن يسمعوها من مصادر أخرى، وخلال الحرب العالمية الثانية، كانت هيئة الإذاعة البريطانية راديو لندن تبث دعاية سياسية إلى أوروبا، وكان راديو لندن يبدأ اخباره بهزائم بريطانيا وخسائرها وعن طريق بث هذه الأخبار حققت إذاعة لندن سمعة عالمية كبيرة في صدق انبائها. أما الطريقة الأخرى لكسب ثقة السامعين، فهي عن طريق التوافق مع ما يحملونه من اراء. فأبحاث العلماء أثبتت أن الناس تثق فيمن يتحدث إليهم أو يكتب اراء تتفق مع اراء المتلقين، ولهذا فإن الدعاية تنجح إذا ما توافقت مع ما يؤمن به السامعون وإن زادت عليه قليلا ".

. البساطة والتكرار

ويقصد بهذا أن تتصف الدعاية بأقدر قدر من البساطة في صياغة الرسالة الدعائية وفي الهدف المطلوب، لأن التعقيد في صياغة المادة الدعائية من بين عوامل الملل والعزوف، بل وقد تؤدي بذلك إلى آثار سلبية. وقد تتخذ الدعاية في سبيل البساطة صيغة البيان أو الميثاق أو العهد. كما قد تقدم على شكل شعارات مختصرة يسهل حفظها وترديدها، وقد تغني هذه الشعارات أو العبارات المختصرة عن الدخول في مجالات سياسية واقتصادية أو فلسفية للدفاع عن نظام معين ضد نظام اخر .

وبصيغة أخرى يجب أن تكون الدعاية بسيطة في الفهم وسهلة التذكر، وبقدر الإمكان فإن صانعي الدعاية يركزون على أن تكون دعايتهم بسيطة وذات شعارات يسهل حفظها، ويقومون بتكرارها مرات عديدة، ويقول أدولف هتلر في هذا الصدد: "ذكاء الجماهير ضئيل، ولكن نسيانهم كبير، ولذلك لابد لنا من تكرار نفس الشيء لهم ألف مرة.

" إن مجرد تكرار فقرات أو جمل معنية يؤدي إلى تصديقها، حتى الأكاذيب يمكن بتكرارها أن يصدقها الناس. ولعل أكثر الأمثلة المألوفة التي تستخدم أسلوب التكرار هي الدعاية التجارية، حيث يحرص الداعية على شراء أكبر وقت من الزمن الإذاعي أو التلفزيوني، كما يهدف الداعية التجاري، فضلا عن إقناع المستهلكين بالشراء إلى التأكيد على اسم بضاعته في أذهان الناس، على أنه لا يتطلب التكرار الممل للإعلانات والدعايات التجارية، لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

يعتمد هذا التكتيك إذن على تكرار عرض الفكرة أو المبدأ في سياقات مختلفة. فالموضوع واحد دائما، لكن يتم تكراره وترسيخه وعرضه من خلال أشكال مختلفة ومتنوعة عبر وسائل الإعلام.

. استخدام الشعارات

ويتم ذلك عن طريق استخدام الشعارات والرسوم التي تؤثر بشكل واضح على مشاعر الناس. فالأفراد لا يتجاوبون فقط مع معاني الكلمات ومحتوى الصور فحسب، لكنهم أيضا يتأثرون بالأحاسيس التي تثيرها الشعارات. فعلى سبيل المثال، تتجاوب جميع الثقافات مع صورة الأم والطفل، وكذلك مع كلمات عاطفية مثل الوطن والعدل ويحاول صانعو الدعاية الربط في أذهان المتلقين بين هذه الشعارات وبين الرسالة التي يوجهونها. وهناك من يستخدم صورا سيئة قوية لزيادة العنصرية والكره والبغضاء لدى المستهدفين من تلك الدعاية.

. الإخفاء وقلب الحقائق

يعمد صانعو الدعاية إلى تعظيم بعض الحقائق وقلب معاني بعض الحقائق الأخرى. ويحاولون إخفاء بعض الحقائق التي تؤثر في بعض الأحيان، على استجابة متلقيهم كما يحاولون أن يقفزوا فوق بعض الحقائق المخجلة التي لا يمكن إخفاؤها.

و يقل استخدام الكذب المتعمد من قبل صانعي الدعاية، ويعود هذا الأمر إلى خشية أن يكتشف ذلك ويقود إلى فقدان المصداقية من قبل متلقيهم. وغالبا ما تحوي الدعاية بعض المعلومات الدقيقة، ولكن الدعائيين سرعان ما يكذبون إذا شعروا بأن في مقدورهم إخفاء الحقيقة عن المتلقين. ويمكن للدعائيين الإيمان بأهدافهم، ولكن هدفهم الأساسي يبقى التأثير والسيطرة على مفاهيم الناس وأصنافهم".

و لابد من تزوير كامل للتاريخ، فتلك وسيلة أخرى للتغلب على المشاعر المرضية لتجعلنا نبدو كأننا نهاجم وندمر شخصا نحمي أنفسنا منه وتدافع عنها ضد معتدين ووحوش كبار ومازالت تبذل جهود ضخمة منذ الحرب الفيتنامية لإعادة بناء تاريخ ذلك الحدث. إذ بدأ الكثير يفهم ما كان يجري فعلا، وذلك أمر سيء كان لابد من إعادة تنظيم تلك الأفكار، واستعادة شكل من أشكال الصحة العقلية، أي الاعتراف بأن كل ما نفعله نبيل وحق، فإن كنا نقصف فتنام الجنوبية، فذلك لأننا ندافع عن فيتنام الجنوبية ضد جهة ما، أي ضد الفيتناميين الجنوبيين أنفسهم، لأنه لا يوجد هناك أحد سواهم. وهذا أطلق عليه المفكرون في عهد كيندي مصطلح الدفاع ضد عدوان داخلي، في جنوب الفيتنام.

تكثر أنواع الرقابة الحكومية في بعض الدول على الصحافة والتلفاز ووسائل الإعلام الأخرى. ويزيد ذلك من فاعلية الدعاية، حيث تسكت تلك الحكومات والأنظمة الناس الذين يتفوهون بالرأي الآخر.

الإثارة العاطفية

ويعتمد هذا الأسلوب على إثارة واستمالة عواطف الجماهير، لا على مخاطبة عقولهم وهو من الأساليب الدعائية التي تكثر خلال الازمات السياسية أو الاجتماعية، والتي تؤثر بشكل أو بآخر على القدرة العقلية للفرد، وتجعله أكثر عاطفية. وتضم أربعة

متغيرات:

جرد الرغبات والمخاوف

لنأخذ على سبيل المثال حملة انتخابية ولنتساءل كيف سيتصرف الداعية لدفع المنتخبين إلى التصويت لمرشح معين سيلجأ الداعية إلى نهج اسلوب بسيط للغاية يقوم على جرد قبلي لرغبات الجماعة ومخاوفها. ثم يؤكد الداعية للجماعة أن عليها أن تثق بالمرشح الذي يؤيده وأن تخاف من المرشح الذي يحاربه.

أسطورة الصديق

ولتوضيح ذلك سنورد نفس المثال السابق الخاص بالحملة انتخابية ، حيث سيقوم الداعية بخلق نوع من الأسطورة حول المرشح ، إذ يقوم اسلوب الأسطورة على إدخال حاجات أقل تحديداً ، وأقل وعياً ايضاً كما لا يشدد الداعية على حاجاته المباشرة بل على طبيعة المرشح الاستثنائية، فيصوره كبطل.

وهنا، وجب التأكيد على أهمية التصرفات الرمزية في مجال الدعاية مثل تدشين
مشروع أو طائرة أو تناول الطعام مع الجنود واللاجئين اذ توحي هذه التصرفات للجماعة بأنه يشاركها في همومها الاساسية.

أسطورة العدو

إن بناء اسطورة العدو يتضمن مرحلتين : تقوم المرحلة الأولى على إقناع مختلف فئات المجموعة السكانية أن لها عدداً مشتركاً في نفس مصالحها، لدفعها إلى تقبل برنامج مشترك، وتقوم المرحلة الأخرى على تقوية الكره ضد هذا العدو ، وذلك باللجوء الى الية الإسقاط ، مما يجعلهم يعتقدون أن هذا العدو ليس عدوهم فقط، بل إنه الشر المتجسد في حد ذاته.

الحاجة إلى التفرد الحاجة إلى الانتماء إلى جماعة الحاجة إلى الذوبان في
الجموع
يشعر كثير من الافراد بحاجة الى الانفصال عن الجمهور لتشكيل كائن أصيل ومتميز ، لذلك يحاول الداعية ان يجعل كل فرد من الأفراد المؤلفين للجمهور يعتقد أنه يتم التوجه إليه شخصياً هذا الثوب قد صمم خصيصاً لك سيدتي).

بالإضافة الى الحاجة إلى التفرد، يشعر كل واحد منا، وبدرجات متفاوتة، بحاجة الى الانتماء لجماعة. ويمكن للداعية أن يستعمل حاجة الانتماء هذه عبر طريقتين

قد يخاطبا الداعية الفرد كعضو في هذه الجماعة أو تلك، ويسعى إلى إقناعه بأن

جماعته قد اتخذت موقفا من قبل.

عن طريق الاتصال الشخصي داخل الجماعات التي يعتز الفرد بالانتماء إليها. ذلك أن الفرد لا يحب تغيير رأيه إذا أحس أن الجماعة لا تسانده. كما يتولد لديه شعور بأنه يخون الجماعة وبأنه ينفصل عنها.

وأخيرا، إلى جانب الحاجة إلى التفرد وإلى الانتماء لجماعات محددة، قد تبرز لدينا رغبة أقل ثباتا، ألا وهي رغبة الاتحاد بالجموع والذوبان فيها. مثلما كان يشعر المشاركون في التجمعات والمهرجانات التي ينظمها هتلر، حيث كانوا يخضعون تقريباً الى النوم المغناطيسي بفعل عددهم الكبير والمؤثرات الفنية وكلام الزعيم.

. استخدام الصور الذهنية أو النمطية

هناك اتجاه عام لتصنيف بعض الناس وإعطاء مسميات معينة لهم نلتصق بهم، بما قد تصبح معه هذه الصور تعبيرات ثابتة لا تتأثر بالممارسات أو الخبرة الفعلية. ومن هذه

التعبيرات الثابتة التي أطلقت ولازالت تطلق على بعض الناس، وتردد على الالسن النازية، الرأسمالية الاشتراكية، والغريب أن النظر إلى كل شخص له معية (عضو في جمعية اشتراكية مثلا لا تستند إلى حقيقة هذا الشخص، وإنما تستند إلى الصور الذهنية التي تكونت في أذهان الناس عن كنه وطبيعة المجموعة التي تنتمي اليها.

والصور الذهنية السائدة عن جماعة معينة تنطبق عن كل عضو فيها .

وغالبا ما تدخل تلك الصور الذهنية في خانة أحكام القيمة التي لا تعكس الزجه الحقيقي للفرد، وإنما تعكس الوجه المراد أن يلتصق به وفق ما يخدم مصلحة وتوجه الداعية. ومثال ذلك الصورة التي ألصقت بالعرب والمسلمين بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر والتي تربط مباشرة بين الإرهاب والعروبة والإسلام.

. افتعال الأزمات

ويقصد بهذا الأسلوب استغلال بعض الاحداث أو الظروف من أجل خلق أزمة تؤثر في الرأي العام، وتستفيد منها الدولة القائمة بالدعاية. فقد عرفت الإنسانية في تاريخها الطويل افتعالا شبه دائم لأزمات على مختلف الأصعدة، وتركت آثارها الخطيرة على الإنسان ومستقبله ولازال هذا الأسلوب يعتمد ضمن الأساليب الحديثة في الدعاية وعمليات تغيير الرأي العام. وهذا يتمحور حول تصدير الأزمات، وافتعال صراعات ومشاكل الهدف منها التغطية على مشاكل الداخل، وشغل الرأي العام بقضية جديدة تنسيهم المشكلة الأصلية.

. التحويل:

ويرتكز هذا الأسلوب على أحداث سابقة يتم توظيفها لخدمة غرضها الدعائي قصد إقناع الجماهير. وتكون هذه الأحداث راسخة في أذهان الجماهير، كما يمكن أن تكون مجرد أفكار مسبقة. والتركيز عليها في العملية الدعائية يهدف أساس إلى إقناع الرأي العام، وذلك بتشبيه الأحداث السابقة. فقد حاول أدول هتلر خلال الحرب العالمية الثانية إيقاظ مشاعر الفرنسيين العدائية لبريطانيا منذ زمن جان دارك ونابليون بونابارت".

المطلب الثاني: الدعاية والإعلام

تعرف الدعاية بأنها تلك المحاولة المقصودة التي يقوم بها فرد أو جماعة من أجل صناعة وتشكيل اتجاهات جماعات أخرى أو التحكم فيها أو تغييرها، مستعينة بالقوة التي تتمتع بها وسائل الاتصال الجماهيري على اختلافها.

ويتأثر الرأي العام في تكوينه تأثيرا كبيرا بكل وسائل الإعلام. فالإذاعة والتلفزيون من وسائل الإعلام الهامة والسريعة التأثير في الأفراد، وخاصة في أيام الحروب والأزمات والمشاكل التي تعترض المجتمع. والسبب في ذلك أن الكلمة الإذاعية تنتشر في كل مكان، وتصل إلى الفرد وهو في بيته أو على سريره، أو في المستشفى أو في المصنع، أو في البحر، أو في الجو، بالإضافة إلى أن البرامج الإذاعية تلاحق الفرد منذ استيقاظه حتى ما بعد منتصف الليل بالإخبار والتعليقات والأحاديث التي يلقيها المفكرون والسياسيون والأدباء في مختلف الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. ولقد فطن المسؤولون في الحكومات إلى أهمية أجهزة الإذاعة والتلفزيون في التأثير على الرأي العام فسيطرت عليها، وأخضعتها لرقابتها. هذه البرامج الإذاعية هي في الواقع أداة للدعاية السياسية، بل ق تكون أداة للدعاية لعبادة الفرد الديكتاتور. إن الكلمة المذاعة لها تأثيرها الفعال على تكوين الرأي العام بين أفراد المجتمع، خاصة وأن هذا السلاح يوجه بأسلوب علمي لتشكي الرأي العام وتوجيهه في البلاد المناوئة للأساليب الاستعمارية، لكي يضعف من قوة مقاومتها ويميع مثلها وقيمها حتى يمكن عزو فكر الأفراد، بالمبادئ والقيم الاستعمارية، وهذه الحرب الإذاعية، تعتبر من أشد وأخطر الحروب لأنها تؤثر في نفوس الأفراد، وقد استغل غوبلز هذا السلاح استغلال رهيبا في الحرب العالمية الثانية، وقتلت معنويات الشعوب، وتمكن عن طريق هذه الحرب الإذاعية من احتلال بلدان بأسرها دون إطلاق أي رصاصة.

و"لا ريب في أن إمكانية التلفزيون في مزج الواقع بالخيال، قد أتاحت في أيدي المسيطرين عليه، استخدامه لأغراض دعائية من خلال تشويه الحقائق أو التلاعب بالمنطق وتقديم صورة زائفة عن الواقع الحقيقي. ويمكن أن نطلق على هذه العملية بخلق الواقع التلفزي المصنوع بدلا من الواقع الحقيقي. وإن هذه القدرة الهائلة على التمويه والإبراز تحول دون الموضوعية)، فالحيز الذي تعكسه الشاشة الصغير (الكاميرا) بتجزئته وبتشويهه أو إبرازه بطريقة متحيزة، ونجد العيب نفسه فيما يتعلق بزمن الحدث الذي يستغرق فترة طويلة، فالتلفزيون لا يحتفظ إلا بلحظات ينتقيها، يقوم بربطها بعد ذلك حسب ما يريد، فالتقرير التلفزيوني ليس إلا منتخبا من واقع الحدث لا الحدث كله، ويرى بعض علماء الاجتماع عن حق ان تقطيع الفيلم التلفزيوني وتركيبه عملية المونتاج التي تجعل الواقع أكثر جاذبية تؤدي بلا شك إلى تشويهه.

و تعمد وسائل الإعلام في طبيعتها إلى التغيير الاجتماعي، وهي العملية التي يحدث التحول بواسطتها في بناء النسق ووظيفته، وتتحدد عملية التغيير في ثلاث خطوات وهي الاختراع والانتشار والنتيجة، فالاختراع هو عملية خلق أفكار جديدة أو تطويرها، بينما الانتشار هو العملية التي تنتقل بواسطتها هذه الأفكار الجديدة خلال نسق اجتماعي معين، ويقصد بالنتيجة ذلك التغيير الذي يحدث داخل النسق بعد تبني بعض التجديدات أو رفضها.

خاتمة

تهدف الدعاية في مجملها إلى التأثير في الرأي العام وترويض السلوك الاجتماعي للجماهير وتطويعه، وصناعة رأي عام جديد، تتبع هذه الجماهير خلاله السلوك الذي رسمه وحدده الداعية، باستعمال مختلف الأشكال والرموز.

وقد تطورت الدعاية (البروباغاندا) بشكل كبير، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت علما قائما بذاته، وقسما مستقلا من أقسام الإعلام، يقوم على الاستخدام الممنهج والمدروس للأساليب الإقناعية، وذلك بالاعتماد على أساليب وتقنيات حديثة ودقيقة، مبنية على نظريات علمية، من شأنها أن تمهد لها الطريق في أفق تحقيق ما تصبو إليه.

أصبح للدعاية، بوسائلها وطرقها المختلفة، الدور الأبرز على المستوى الداخلي للدول في إحداث تغيير فكري وإيديولوجي للجماهير أو تأثير في الرأي العام العالمي على المستوى الخارجي. كما وأصبحت تلعب دوراً أساسياً وواسعاً في المجتمع الدولي والعلاقات الدولية التي تعد إحدى الوسائل الهامة التي تلجأ إليها الدول لتنفيذ سياستها ومخططاتها الداخلية والخارجية.

وبعد أن كانت تقتصر على كونها أداة ووسيلة سياسية أو عسكرية تستخدم زمن الحرب، أضحت الآن تستخدم في أوقات السلم أيضا، واتخذت أبعادا أخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها.

وتلعب وسائل الإعلام دورا مهما في عملية الدعاية الفكرية والفلسفية والسياسية لنظام سياسي أو هيئة معينة، بهدف التأثير على المتلقين المراد إيصال المعلومات والبيانات إليهم، وفق سياسية إعلامية مبرمجة.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد