متى نتحرر من عقدة الأكثرية والأقليات في سوريا
25-10-2025 11:21 PM
من أخطر المصطلحات التي لوّثت الخطاب السياسي والإعلامي السوري خلال العقود الماضية مصطلح الأقليات والأكثريات الذي سمّم عقول السوريين وخرّب وعيهم الوطني. هذا التصنيف لم يكن بريئاً يوماً، بل كان سلاحاً سياسياً في يد الأنظمة المتعاقبة، يستخدم لتقسيم السوريين وإضعاف روح المواطنة الجامعة بينهم، وتحويلهم إلى جماعات متناحرة بدل أن يكونوا شعباً واحداً متساوي الحقوق والواجبات.
المشكلة لم تكن يوماً في وجود تنوّع ديني أو مذهبي أو قومي داخل المجتمع السوري – فهذا التنوع في الأصل ثروة حضارية وإنسانية. المشكلة الحقيقية هي في الوعي المشوَّه الذي حوّل التنوع إلى تهديد، والمواطنة إلى معركة هوية.
هذه اللغة الطائفية المقيتة التي استُخدمت لعقود لتقسيم الناس وتثبيت حكم الطغاة يجب أن تختفي إلى الأبد. من الذي اخترع هذه المصطلحات أصلاً؟ من الذي أراد أن يرى السوريين جماعات مذهبية وقومية بدل أن يراهم مواطنين في وطن واحد؟
النظام الذي حكم سوريا نصف قرن بنظام الخوف هو من غذّى هذه الفكرة حتى النخاع. جعل الأقليات تخشى الأكثرية، وجعل الأكثرية تحذر من الأقليات، فنجح في تحويل الشعب إلى قبائل متوجسة، كل منها تحتمي بطائفتها لا بوطنها. وهكذا حكمهم جميعاً مستمتعاً بفرقتهم.
في الحقيقة، لا توجد في سوريا «أقليات» ولا «أكثريات». توجد عقول مريضة تفرّق بين الناس، وتُصنّف المواطنين حسب طائفتهم، وكأنّ الانتماء الديني صار بطاقة هوية سياسية. أي انحطاط هذا؟
سوريا لم تعرف عبر تاريخها الطويل مذابح دينية أو صراعات مذهبية. لقد عاش المسلم والمسيحي والدرزي والإسماعيلي والعلوي والكردي والآشوري والتركماني في نسيج واحد، وكانت العلاقات الطبيعية هي القاعدة، والصراع هو الاستثناء. ولم يتغير الوضع إلا في العقود الأخيرة، يوم دخلت السلطة نفسها على خطّ الطوائف، وحين جاء النظام البعثي الأسدي الطائفي الذي استغل الأقليات سياسياً، فصار الجميع سجناء لعبة السلطة، وأقام حكمه على معادلة الخوف والتقسيم: إخافة الأقليات من الأكثرية، وتخويف الأكثرية من الأقليات، مما أدى إلى نتائج وخيمة بالآونة الأخيرة في الساحل والسويداء، حيث وقعت مجازر رهيبة بدوافع طائفية، فاهتزت وحدة البلاد الاجتماعية والسياسية. لقد زرع نظام البعث بين السوريين الفتن ليحكم باسم «التوازن». كأنّ الوطن صار «غنيمة» تُوزع بين الطوائف، لا وطناً يضمّهم جميعاً.
إن تجاوز مصطلحي «الأقليات» و«الأكثريات» لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء دولة المواطنة
في المجتمعات الحديثة، لا وجود لهذه المفاهيم البالية. المواطن هناك يُعرَّف أولاً بصفته القانونية، لا بانتمائه الديني أو العرقي. في فرنسا أو بريطانيا أو كندا، يعيش الناس على اختلاف أصولهم وثقافاتهم تحت سقف واحد اسمه «الدولة والقانون»، ويُعامل الجميع على قدم المساواة. لا أحد يسأل جاره عن دينه أو طائفته أو عشيرته. الدولة هناك لا تحكم باسم طائفة، ولا تعيّن موظفيها بناء على الانتماء، ولا تمنح الولاءات على أساس المذهب. أما نحن، فقد حوّلنا الطائفة إلى بطاقة اعتماد، والهوية إلى سلاح.
الديمقراطية — لمن لا يفهمها — لا تقوم على «مراعاة الأقليات» كما يتوهم البعض، بل على حكم الأغلبية السياسية وفق القانون. في أي دولة طبيعية، من يحكم هو من يفوز في الانتخابات، حتى لو بنسبة واحد بالمئة، وعلى الخاسر أن يحترم النتيجة. أما عندنا، فبعض «الأقليات» السياسية أو الطائفية تتحدث وكأنها فوق الصندوق وفوق الشعب، وكأن الأغلبية يجب أن تسير حسب مزاجها!
بالمقابل فإن النظام الديمقراطي الحقيقي لا يحتاج إلى وصاية على الأقليات، لأنه بطبيعته يحمي حقوقهم عبر الدستور والمؤسسات والقانون. لكنه أيضاً يقوم على مبدأ بديهي هو أن حكم الأكثرية هو جوهر الديمقراطية.
تخيّلوا لو أن الأقليات العربية أو الإسلامية في بريطانيا قررت أن تستفز الأكثرية الأنغليكانية أو تهاجم ثقافتها ومعتقداتها، أو العكس. هل سيقبل النظام البريطاني ذلك؟ قطعاً لا، ولكان الردّ حازماً وقاسياً جداً في الاتجاهين. الديمقراطية لا تعني الفوضى، ولا تعني أن تتطاول الأقليات على الأغلبية باسم الحرية، وعليها أن تعرف أن التعايش يقوم على احترام القوانين، لا على تحدي الأغلبية أو استفزازها في معتقداتها وثقافتها وتوجهاتها. والعكس صحيح.
المشكلة أن بعض القوى الطائفية في سوريا — سواء من الأقليات أو حتى من المتطرفين في الأكثرية — لا تريد دولة مواطنة. تريد دولة محاصصة، دولة حصص ومقاعد، دولة امتيازات طائفية باسم «الحقوق التاريخية» أو «المظلومية القديمة». لكن المظلومية لا تعطي أحداً حقاً في إذلال الآخرين، تماماً كما أن الأكثرية لا تملك حق الاستعلاء أو الإقصاء أو تهميش الآخرين.
القاعدة الطبيعية في الحياة السياسية واضحة منذ قرون: من يحكم هو من يملك الأغلبية السياسية، ومن يشارك هو من يحترم القوانين، ومن يعيش بكرامة هو من يقبل التعايش دون استقواء.
إن تجاوز مصطلحي «الأقليات» و«الأكثريات» لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء دولة المواطنة، حيث لا يُسأل المواطن: من أي طائفة أنت؟ بل يُسأل: ماذا قدّمت لوطنك؟ وما واجباتك تجاهه؟ لكن في المقابل، على كل مكوّن أن يعرف حدوده ضمن الإطار الوطني العام. فالمواطنة لا تعني محو الهوية الخاصة، لكنها أيضاً لا تبرر التعدي أو الاستفزاز أو التمرد على إرادة الأغلبية الوطنية. كما أن على الأغلبية نفسها أن تحافظ على حقوق الجميع وأن تحمي تنوعهم، لا أن تتعامل معه بتعال أو استئثار.
آن الأوان لدفن هذه الثقافة النتنة. كفانا حديثاً عن «أقليات» و«أكثريات». هذه لغة القرون الوسطى، لا لغة القرن الحادي والعشرين. نريد أن نسمع عن مواطنين، لا عن طوائف. عن دولة قانون، لا عن «توازن طائفي». عن شعب واحد، لا عن «مكونات».
في النهاية، رحم الله امرأً عرف حده فوقف عنده. من هنا يبدأ التوازن الوطني الحقيقي: عندما يدرك الجميع أن الوطن لا يُدار بالمزايدات الطائفية ولا بالاستفزازات الهويّاتية، بل بالاحترام المتبادل، وبإيمان صادق أن لا أحد يمكن أن يعيش حراً على حساب إذلال أو تهميش الآخر. عندما تصبح أي دولة في العالم لكل مواطنيها تختفي كل الأمراض الطائفية والدينية والعرقية أوتوماتيكياً.
كاتب واعلامي سوري
معركة الفساد .. بين الحقيقة والإستهداف
واشنطن تحقق في احتمال مساعدة موسكو لطهران في شن هجمات على مواقع بالخليج
العراق يخسر مليارات الدولارات مع تراجع صادرات النفط
وزير الشباب يتابع تحضيرات جائزة الحسين للعمل التطوعي
عراقجي: أي عدوان على إيران سيُقابل برد قوي وحاسم
اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر
الزيدي إلى طهران الخميس والغاز والتصعيد الإقليمي على الطاولة
اليونسكو تُبقي البلدة القديمة في القدس وأسوارها على قائمة التراث المهدد بالخطر
الأردن يسمح بدخول عائلات المستثمرين السوريين دون موافقة مسبقة
افتتاح مهرجان جرش في دورته الـ40 برعاية ملكية
محكمة أميركية تحدد الأول من حزيران موعدا لبدء محاكمة مادورو
المفوضية: عودة 32 ألف لاجئ سوري من الأردن منذ بداية 2026
ولي العهد يؤكد أهمية تمكين الشباب وتطوير التعليم الأكاديمي والمهني
«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟
الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة
لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين
جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية
الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري
بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة
هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك
