ترامب وحال الاتحاد

ترامب وحال الاتحاد

27-02-2026 12:56 AM

في مقالة أقرب إلى مضبطة اتهام وتفنيد مزاعم وتفضيح أكاذيب، حملت عنوان “خطاب ترامب عن حال الاتحاد 2026: تضليل اقتصادي ومسرح سياسي”، يناقش جاك رامزوس مسائل أمريكية داخلية تخص الاقتصاد والتضخم وسوق العمل والضرائب والرسوم الجمركية؛ التي شكلت الكتلة الأكبر في خطاب ضرب الرقم القياسي بوصفه الأطول خطاب من هذا النوع على امتداد التاريخ الأمريكي: 108 دقائق، حطمت الرقم السابق 80 دقيقة المسجل باسم سلفه بيل كلنتون سنة 2000. ورامزوس، للإشارة المفيدة، أحد أبرز الثقاة في السجالات المناهضة للفرضيات الشائعة التي تقول إن الاقتصاد الأمريكي هو الأرفع والأكثر عافية ونمواَ، وسبق له أن وقّع كتاباً كلاسيكياً في هذا المضمار، صدر سنة 2020 بعنوان “بليّة النيو ـ ليبرالية: سياسة الولابات المتحدة الاقتصادية منذ ريغان إلى ترامب”.
المقالة تتناول، ولكن في صيغة تبيان الحقائق بعد تصويب الأكاذيب، مزاعم ترامب حول ملفات العمل والبطالة، النموّ الاقتصادي، التضخم، البورصات وأسواق المال، السياسات الضريبية، والرسوم الجمركية؛ وتنتهي إلى خلاصات مثل هذه: الاقتصاد الأمريكي لا ينمو باضطراد بل يتباطأ تباعاً، والوظائف لا تُخلق إلا في الحدود الدنيا، والتضخم بلغ ضعف ما كان عليه في ضوء أسعار الاستهلاك والناتج القومي الإجمالي، وخفض قيمة الدولار الأمريكي يتسارع على نحو هو الأسوأ منذ سبعينيات القرن المنصرم، والعجز في الميزانية يواصل الارتفاع، وكبار أصحاب المليارات هم الأعلى مغنماً، وترامب ينوي اليوم منح البنتاغون 400 مليار إضافي، والإعفاءات الضريبية لا تكاد تماثل تلك المقرّرة في سنة 2018 وما يخص الطبقة العاملة منها ليست سوى أضحوكة…
ومع ذلك، أهل الولايات المتحدة أدرى بشعاب بلد/ ثقافة/ منظومة رأسمالية منحت ترامب رئاسة ثانية، وتشهد على صعيد يومي إمعانه في التجاوزات على القانون والدستور، والاستهانة حتى بالمحكمة العليا التي تمكن من تعيين أنصاره في معمار قراراتها؛ الأمر الذي لا يعني، البتة في الواقع، أنّ العالم خارج الولايات المتحدة غير خاضع لعواقب سياسات هذا الرئيس الأمريكي، أو أيّ سلف له أو خلف. الأعلى دلالة، والأشدّ أهمية في المقابل، هي الدقائق القليلة والمتباخلة الوجيزة التي تضمنها خطاب حالة الاتحاد الأمريكي حول الكون ما وراء المحيط، اليانكي كما قد يصحّ القول، وفي ملفات حارقة ومشتعلة مثل حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزّة والفظائع التي تُرتكب في الضفة الغربية والقدس المحتلة، والحرب الروسية في أوكرانيا، ونشر حاملات الطائرات واستنفار القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط على خلفية التلويح بعدوان جديد ضد إيران؛ فضلاً عن السكوت التامّ عن مشكلات البيئة، بمعنى غياب مفردة “مناخ” عن الخطاب نهائياً…
لكنّ ترامب هو ذاته رئيس القوة الكونية الأعظم، الذي أشرف على إخراج، وترأس في واشنطن، مسرح “مجلس السلام” الخاصّ بقطاع غزّة، بمشاركة عشرات الدول والمنظمات والهيئات؛ بإدارة “مجلس تنفيذي” يترأسه ترامب أيضاً، ويضم شخصيات مثل توني بلير وماركو روبيو وستيف وتكوف وجاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف. فهل العالم حينذاك قبيل زمن قصير للغاية، كان أجدر بدقائق أطول، وابتسامات أعرض، وآمال زائفة/ مزيفة أكبر؛ من خطبة حال الاتحاد الأمريكي، حين كان التفاخر بأكاذيب اقتصاد مزوّر المعطيات هو ديدن الرئيس ذاته؟ أم في الوسع، وربما من الخير، العودة إلى بلاغة ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقصد الوقوف على مفاصل أوضح تكشف “رؤية” الإدارة للمناطق والأقاليم والجغرافيات خارج النطاق اليانكي، في أربع رياح الأرض عملياً؛ بما في ذلك القارّة العجوز أوروبا، التي يتوجب أن تشترك مع الولايات المتحدة في مدوّنة “القِيَم السامية”؟
أكثر من هذا، وبمنأى عن مقدار من الشماتة قد يكون مشروعاً هنا، باتت نظرة ترامب إلى الحلف الأطلسي مزيجاً من الاستخفاف الجيو ـ سياسي والعسكري، والاستنزاف المالي على مستوى ميزانيات الدفاع والتسلح، والالتفاف على مواثيق الحلف لجهة التعاطي الجانبي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ملفّ غزو أوكرانيا وعلى حساب الأطلسي والاتحاد الأوروبي في آن معاً. هي، في كلّ حال، مقاربة أثيرة لدى الرئيس الأمريكي لأنها ببساطة تخدم مبدأ “البزنس أوّلاً”، أو بالأحرى ثانياً وثالثاً؛ مقابل مقاربة يواصل الأطلسي اعتمادها، وتترنح تحت وطأة رطانة إيديولوجية ركيكة أصلاً، سادت خلال عقود الحرب الباردة، وكانت في الأصل بمثابة منطلق استنساخ “نمر من ورق” وفقاً للتعبير الصيني الشهير.
والأرجح أنّ أحداً من رجال ترامب، أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين وقفوا للتصفيق له مراراً وتكراراً، لا يستطيع تسمية الحروب الثماني التي يزعم ترامب أنه أوقفها؛ أو، بالأحرى، مَنْ يكترث أصلاً بتحديد أمكنتها وأزمنتها، الآن إذ يلوّح “رجل السلام” إياه بحرب وشيكة لا تُبقي ولا تذر ضدّ إيران، بمعزل عن أيّ تفويض من الكونغرس يقتضيه الدستور. مرجح أيضاً أنهم يستطيبون، بعد وضع بصمة المصادقة المطلقة على، خلطة ترامب “العقائدية”، لائحة تفاخر دائمة تبدأ من الـMAGA الشهيرة، التي تجترّ شعار إعادة أمجاد أمريكا؛ وتمرّ بإعادة تدوير أفكار المحافظين، القدماء منهم والجدد؛ وتستقي من ريغان حكاية “الأسنان القوية”، ومن جورج بوش الابن طرائق تعيين “محاور الشرّ”؛ ولا تعفّ عن إعادة إنتاج أفكار ستيف بانون حول مخلفات “القومية الأمريكية” و”السيادة الوطنية”؛ والتمترس خلف شعار “أمريكا أولاً”، مع تأطيره هكذا: “لا نسعى إلى فرض أسلوب حياتنا على أحد، بل نرغب في جعله يشعّ كقدوة ماثلة على مرأى من الجميع”، كما عبّر ترامب في خطاب أمام الأمم المتحدة.
ولا عجب أنّ أحد أشدّ فاضحي خطبة ترامب الأخيرة، حول حال الاتحاد، رجل من طراز ألفرد و. ماكوي، مؤلف كتاب “في ظلال القرن الأمريكي: صعود ومحاق القوّة الكونية للولايات المتحدة”، 2017؛ الذي يساجل بأنّ خطوات ترامب، التي تبدو حاسمة وحازمة، لتفادي الانحدار الأمريكي؛ ليست، في الواقع، سوى اعتناق لسياسات سيئة التخطيط سوف لن تخدم في نهاية المطاف سوى تسريع ذلك الانحدار تحديداً. مؤشر أوّل هو مباهاة ترامب بقراراته حول رفع معدلات التعرفة الجمركية، فهذه كانت ستنفع في أربعينيات القرن المنصرم، حين كانت الولايات المتحدة تحتكر 50% من اقتصاد العالم، بينما هي اليوم لا تكاد تبلغ 15%. هي، إلى هذا، سياسات أرسلت رئيس وزراء كندا إلى الصين، بحثاً عن شريك تجاري يُنجي بلاده من وطأة الرسوم الترامبية؛ كما دفعت البرازيل إلى قيادة كتلة ميركوسور، التي تمثل أمم جنوب أمريكا اللاتينية، لتوقيع صفقة تجارة تاريخية مع الاتحاد الأوروبي. وهذه، في الإجمال، لا تجرّد بالولايات المتحدة من موقع الهيمنة الكونية وتهبط بها إلى مقام إقليمي فقط، بل تُلقي بالبلد إلى ظلال دامسة رطبة، هي كلّ ما تبقى من “القرن الأمريكي” الأشهر.
وذاك، للعلم، مفهوم اقترحه في سنة 1941 الناشر الأمريكي هنري لوس، معتبراً أنّ دور الولايات المتحدة الجديد هو إعادة تعريف نظام العالم، وهذه مهمة لا تقع على عاتق القوة العسكرية وحدها، بل كذلك على السمعة والثقافة. وفي سنة 1997 قاد وليام كريستول وروبرت كيغان “مشروع القرن الأمريكي الجديد”، PNAC، الذي لن يطول الوقت حتى تقزّمه سطوة التاريخ، عبر وقائع فاصلة تبدأ من 11/9، إلى اجتياح أفغانستان والعراق، مروراً بالانسحاب المذلّ من أفغانستان وتسليم العراق لقمة سائغة لإيران، وصولاً إلى… الـMAGA الترامبية اليوم!

كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬سوري‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬باريس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد