نتنياهو في إهاب الملكة إستير
في التلخيص الأشدّ إيجازاً، ولكن الأوضح إفادة في الآن ذاته، فإنّ قسم الكتابات من التوراة العبرية، أو الـ»كيتوفيم»، يتضمن السفر الذي يحمل اسم إستير؛ ويروي حكاية امرأة يهودية راقت في ناظر الملك الفارسي الأخميني أحشويروش الأول (486- 465 ق.م.) بعد غضب من زوجته فاشتي، فأصبحت ملكة على بلاد فارس وأنقذت اليهود من مذبحة خطط لها الوزير الكبير هامان الأجاجي، ولتمجيدها يقيم اليهود عيداً سنوياً يُسمى المساخر، أو الـ»بوريم».
إلى هنا والحكاية مألوفة، إذا لم تكن عادية، رغم الملابسات التاريخية والنصية والدينية التي اكتنفت إدخال السفر إلى الكتاب المقدس في صيغته المعممة على الكون المسيحي؛ إذْ لم يُدرج خلال قرون المسيحية الأولى في نُسَخ أثناسيوس وسيريل وميليتو وغريغوريوس، ولم يُعثر على أيّ من نصوصه ضمن محتويات قمران ـ مخطوطات البحر الميت، ولم يُعتمد رسمياً في الكنائس الغربية إلا ابتداء من القرن الرابع الميلادي. لكنه بات بعدئذ حاضراً ومنضوياً في نسق الأسفار ذات الطابع التاريخي، على شاكلة دانيال وعزرا ونحميا والأخبار؛ ولم يغب عن ذاكرة السرد وأعمال الفنون، كما في اللوحة الشهيرة للرسام الإنكليزي جون إفرت ميليه، 1865.
أمّا أن تُحال حرب دولة الاحتلال الإسرائيلي الراهنة ضدّ إيران إلى مرجعية سفر إستير، بحيث تنقلب إلى ملحمة لإنقاذ يهود العالم بأسره، وليس ما تبقى منهم في إيران فقط، عن طريق القاذفات ذاتها التي يقودها طيارون مارسوا ويواصلون ممارسة حرب إبادة جماعية في قطاع غزّة، وقصفوا ويواصلون قصف الإنسان والعمران في لبنان واليمن وسوريا… فهذه ليست مسخرة مساخر دامية سوداء وهمجية وحشية فحسب؛ بل هي على وجه الدقة في الواقع، واحدة من القيعان الدنيا التي يواصل معظم التفكير الصهيوني الانحدار إليها: حثيثاً، باضطراد، ومن دون رفّة جفن خجلى.
هذا، حتى إشعار آخر قد يعدنا بمزيد من أعاجيب مماثلة، موضوع مقال بعنوان «بلاد فارس، عيد المساخر، وشجاعة اعتراض التاريخ»، نشرته مؤخراً الفرنسية اليهودية كاترين بيريز ـ شاكدام، التي تعمل مديرة تنفيذية لـ»منتدى العلاقات الخارجية « FFR؛ ولها، كما تشدّد سيرتها الشخصية، باع طويل في «مسائل تسمّم حياتنا للأسف، مثل الإسلام الراديكالي، الإرهاب، والعداء للسامية». ومن دون افتئات على «فتوحات» المقال، لجهة المقارنة الضمنية بين شخصية إستير ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ثمّ قائده في الحرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استطراداً؛ فإنّ فحوى المقال تكاد تختصرها هذه العبارة: حكاية عيد المساخر هي حكاية إيران المعاصرة، ولا عزاء لمَن يبحث عن رصانة العقل أو مهابة التاريخ.
ولأنّ هذه السطور تُعنى بالمغزى خلف مساخر صهيونية من هذا الطراز، وليس بالشكل أو المضمون في عيّناتها، أو مقدار الرثاثة في الأجهزة الذهنية لصانعيها؛ فإنها لن تدخل في تفاصيل إضافية حول محاور مقال بيريز ـ شاكدام، بقدر ما تضربها مثالاً حديث العهد، وراهناً تماماً في الواقع، على بعض مستويات وسويّات الابتذال في تلك القيعان. وللقارئ الراغب في توسّع أعمق حول ظواهر إقامة الصلات بين الكتاب المقدس عموماً والتوراة العبرية خصوصاً من جهة أولى، والتيارات الصهيونية المختلفة من جهة ثانية؛ الرجوع إلى عشرات المؤلفات والأبحاث القيّمة، بينها على سبيل المثال كتاب «الصهيونية والتوراة العبرية: من القداسة الدينية إلى الطهارة الوطنية» للأكاديمي الإسرائيلي في جامعة بار ـ إيلان إسحق كونفورتي.
لكنّ العمل الأهمّ، في يقين هذه السطور، يظلّ كتاب الأكاديمي الفلسطيني نور مصالحة، بعنوان «التوراة الصهيونية: السابقة التوراتية، الاستعمار، ومحو الذاكرة»، الذي صدر بالإنكليزية سنة 2013، ضمن منشورات راوتلدج؛ واقترحت فصولُه الخمسة، فضلاً عن مقدمة مسهبة (وقعت في 49 صفحة!) وخلاصة محكمة، المحاورَ الأبرز لهذا التقليد الصهيوني العريق، التكتيكي والستراتيجي على قدم المساواة: تأطير النزاع: توظيف التوراة العبرية والاستعمار الاستيطاني في فلسطين، الأرض الموعودة وسرديات الغزو، علم الآثار بوصفه ديانة مدنية، المخيّلة الاستعمارية كموقع للمحاكاة والمحو، والربّ راسماً للخرائط…
وابتداء من السطور الأولى في كتابه الرائد، يستعيد مصالحة فقرة من شهادة دافيد بن غوريون، وكان حينئذ رئيساً للوكالة اليهودية، أمام لجنة بيل البريطانية، سنة 1936؛ تقول: «التوراة هي انتدابنا». والصهاينة المؤسسون، العلمانيون منهم على وجه الخصوص، جهدوا للبحث في نصوص التوراة عن مشروعية أنشطتهم الأوروبية، وتعمدوا التركيز على الشطر العبري المعروف بمسمى الـ»تناخا»، وحوّلوه لاحقاً إلى نصّ رئيس لا يُستلهم كمعطى تاريخي مسلّم به فحسب، بل كذلك كدليل للكيان الصهيوني في معاملة اصحاب الأرض الأصلاء، الفلسطينيين.
فإذا لم يكن طارئاً، ولا مستغرَباً، أن يلجأ نتنياهو إلى الـ»تناخا» ذاتها مراراً، خلال حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، على غرار مخاطبة المقاومة الفلسطينية هكذا: «يجب أن تتذكروا ما فعله العماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس»؛ أو لم يكن جديداً تجنيد شخوص التوراة، بما يجعلها تسير على رأسها لخدمة الرواية الصهيونية… فلِمَ لا تبادر بيريز ـ شاكدام فتخلع على نتنياهو أردية الملكة إستير دون سواها، بما يقلب سحنته من مجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية، إلى بطل(ة) قومي(ة)؛ فتنقلب الفظائع الدموية ضدّ الشعوب، إلى أفراح وأعراس و… مساخر!
فن الشارع من التخريب الى الاعتراف العالمي
علامات نقص الفيتامينات في الجسم
«كبرج مراقبة نشط» .. سيرة الغائب الأشدّ حضورا
إحياء النشاط السياسي داخل السودان
خطورة تحالف التطرف الإسرائيلي والهندي
موجة أمطار مرتقبة بالأسبوع الأول من آذار
ترامب: الحرب ضد إيران ربما تستمر لمدة 4 أسابيع مقبلة
الحرس الثوري الإيراني يضرب حاملة أمريكية وناقلات نفط
تصعيد خطير في الشرق الأوسط بعد الهجوم الأمريكي
جامعة الدول العربية تدين استهداف إيران دولا عربية
إصابات بحادث سير على شارع الأردن .. وشهود: شظية صاروخ .. فيديو
ترامب: الولايات المتحدة ستثأر لقتلاها وعلى الحرس الثوري إلقاء السلاح
زيت تونسي بأسعار تفضيلية .. مهم للمتقاعدين العسكريين
ليلى عبد اللطيف: منتصف 2026 بلا دراسة ولا امتحانات يثير جدلاً واسعاً
فتح القبول المباشر في جامعات وكليات رسمية .. أسماء
الثلاجة ليست دائمًا الحل .. أطعمة تفقد جودتها عند التبريد
نقيب الصحفيين يؤكد أهمية الدور الأردني بالملفات الإقليمية
وزير الخارجية يبحث مع لامولا التطورات الإقليمية
وزير الأوقاف: فتح عيادات في باحات المسجد الأقصى لخدمة المصلين
بحث تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين اليرموك والجامعات الروسية
بعد سرقة جواهر التاج الفرنسي .. استقالة مديرة اللوفر
الصفدي يبحث مع رئيس الوزراء العراقي تعزيز التعاون
نظارات الواقع الافتراضي ومستقبلها
