حين تتحول المساعدة إلى قنابل…!

حين تتحول المساعدة إلى قنابل…!
ترامب

16-03-2026 12:53 AM

يبدو أن مفهوم “المساعدة” لدى الإدارة الأميركية، كما يقدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يحمل تعريفاً مختلفاً تماماً عما يعرفه العالم. فحين يعلن الرجل أنه يريد “مساعدة الشعب الإيراني للتخلص من نظامه”، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن – في قاموس هذه المساعدة – هو قصف المدارس، واستهداف المنشآت المدنية، وتدمير البنية التحتية، وإسقاط مئات الضحايا من المدنيين، بينهم أكثر من مئتي طفل في الأيام الأولى للحرب.

نعم، هذه هي “المساعدة” التي وصلت إلى الإيرانيين. مساعدة من السماء… لكنها جاءت على شكل صواريخ وقنابل.

ففي الأيام الأولى من الحرب، سقطت مدرسة فوق رؤوس طلابها، وتحولت ساحاتها إلى مشهد دموي يختصر حجم المفارقة بين الخطاب الأميركي عن “إنقاذ الشعوب” والواقع الذي يتركه خلفه على الأرض. مئات الأطفال دفعوا حياتهم ثمناً لهذه النجدة الموعودة، فيما استمرت الضربات التي طالت منشآت مدنية وحيوية، وكأن الهدف لم يكن الضغط على النظام، بل إنهاك بلد كامل ومعاقبة شعبه.

الرئيس الأميركي لم يحاول حتى تجميل الصورة. بل صرّح أكثر من مرة بأنه “دمّر إيران”، وأنه يسعى مع الكيان الصهيوني إلى تدميرها “عن بكرة أبيها”، في تصريح يكشف، دون مواربة أو خجل، طبيعة التفكير الذي يقود هذه الحرب: منطق القوة المجردة، والحقد السياسي الأعمى، والاعتقاد بأن الخراب يمكن أن يكون طريقاً للإصلاح.

لكن المفارقة الكبرى أن هذه “المساعدة” لم تحقق حتى الهدف الدعائي الذي رُوّج لها من أجله. فبدلاً من أن تكسب قلوب المعارضين في الداخل الإيراني، بدأت تكشف لهم حقيقة مختلفة تماماً.

فقد أفادت صحيفة “الجارديان” بأن مزاج المعارضة داخل إيران انقلب ضد واشنطن وتل أبيب بعد أسبوعين فقط من القصف؛ إذ تحولت وعود “النجدة” التي أطلقها ترامب إلى خيبة أمل مريرة لدى المتظاهرين مع تصاعد حجم الدمار الذي طال البلاد.

وبحسب التقرير، شكّل استهداف مستودعات الوقود والبنية التحتية صدمة حقيقية للمناهضين للنظام، الذين تساءلوا بمرارة عن جدوى تدمير مقدرات الشعب الإيراني بدلاً من الاقتصار على المقرات الأمنية والعسكرية. كما عبّر كثيرون عن مخاوف جدية من أن تنزلق البلاد إلى “السيناريو العراقي”، حيث يبدأ التدخل الخارجي بشعارات التحرير وينتهي بسنوات طويلة من الفوضى والدمار.

وفي شهادة لافتة نقلتها الصحيفة عن طالب معارض فضل عدم الكشف عن هويته، قال إنه كان يعلّق آمالاً أكبر على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لاستهداف الحرس الثوري والباسيج حصراً، متسائلاً باستنكار: “لماذا يستهدفون بنيتنا التحتية؟”.

سؤال بسيط… لكنه ثقيل المعنى.

فحين تُقصف المدارس ومحطات الوقود والمرافق الحيوية، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن الهدف هو “تحريرهم”. وحين تُدمَّر المدن ويُقتل الأطفال، يصبح من الأصعب تفسير ذلك على أنه “دعم للمعارضة”.

وهكذا، بدلاً من أن تكشف هذه الحرب ضعف النظام الإيراني كما كان يُراد لها، بدأت تكشف شيئاً آخر: حجم الحقد الذي يحمله بعض صناع القرار في واشنطن وتل أبيب تجاه بلد كامل، وشعب كامل، وتاريخ كامل.

إنها مفارقة السياسة الدولية في أكثر صورها قسوة: قنابل تُسقط باسم الحرية، ومدن تُدمَّر باسم الديمقراطية، وشعوب يُقال إنها تُقصف… لمصلحتها.

أما الإيرانيون، مؤيدين كانوا أم معارضين، فقد بدأوا يكتشفون أن هذه “المساعدة الأميركية” ليست سوى درس قاسٍ في حقيقة الجغرافيا السياسية: حين تأتي النجدة من السماء على شكل صواريخ، فإن أول ما تدمره ليس فقط المباني… بل أيضاً الأوهام.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد