فرجيل ولورنس العرب: التاريخ والصهينة
فريق استكشافٍ آثاري، تابع لجامعة بن غوريون في النقب، جنوب فلسطين المحتلة، أعلن العثور على كنيسة مسيحية بيزنطية تعود إلى 1424 سنة ميلادية خلت؛ في منطقة نيسانا (أو نيتزانا، طبقاً لتسمية المستوطنة الإسرائيلية هناك)، التي كانت نقطة تقاطع واستراحة لقوافل الحجّ القادمة من أرجاء فلسطين والعالم المسيحي، نحو دير القديسة كاترين الاسكندرانية، عند سفوح جبل سيناء، في مصر.
والكنيسة هذه جزء من سلسلة كنائس سبق أن اكتُشفت في عوجة الحفير وبقاع أخرى في المنطقة، خلال تنقيبات بعثات سابقة في ثلاثينيات القرن المنصرم، ومعها عُثر على أطلال حصن روماني، وأرشيف فريد من برديات باليونانية والعربية، توثّق الحياة العامة الاجتماعية والاقتصادية في تلك المنطقة؛ خاصة مجتمعات ما بعد الفترة النبطية بين 505 و689 للميلاد. خصوصية الكنيسة الجديدة ليس الجمال اللافت في أرضياتها الفسيفسائية فقط، بل ما تحتويه لفائفها من معلومات بالغة الأهمية، حول موجات حجّ إلى دير القديسة كاترين آتية من جورجيا أو أرمينيا، ثمّ الرسومات الدينية والأيقونية، فضلاً عن نصوص أدبية من الشاعر الروماني فرجيل (70 ـ 19 ق. م.)، وملحمته الكبرى «الإنيادة» التي تروي سيرة البطل إنياس الطروادي، وفقرات من إنجيل يوحنا، وسواها من وثائق تؤشر على المكانة التاريخية والدينية والثقافية للموقع وكنائسه.
غير أنّ بعثة جامعة بن غوريون تتقصد إغفال هذه التفاصيل التي لا فضل لها في اكتشافها أصلاً، وتشدد أكثر على انتماء الكنيسة إلى «إرث» تاريخي وآثاري يجب أن يُسجّل باسم مستوطنة نيتزانا؛ كما هو العرف السائد عموماً في علم الآثار الإسرائيلي، لجهة إسباغ الشرعية الأركيولوجية على الاستيطان، والتغني بخصال المستوطنة من حيث الماضي والحاضر والمستقبل. لم يكن في وسع البعثة، مع ذلك، أن تتجاهل ما يفيد به معطى صلب واحد على الأقلّ، يربط النقب الفلسطينية بعمق حضاري عريق، سوري وكنعاني وفلسطيني في آن: نقش على الجدران، يهدي الكنيسة إلى المحسن سرجيوس الذي تبرّع بالمال لبنائها، ويحدث أنه سوري الأصل من أميسا السورية، أي حمص المعاصرة!
وللراغبين في الاستزادة حول هذا الملفّ، الحاسم بوصفه أحد أبرز أبعاد فلسطين التاريخية وعمقها الحضاري والمكاني/ الزماني، والضروري إنسانياً ومعرفياً وسياسياً؛ يُنصح، في يقين هذه السطور الرجوع إلى أعمال المؤرّخ والآثاري الفلسطيني ـ الأمريكي عرفان عارف شهيد (1926ـ2016) ابن الناصرة والأستاذ المرموق في جامعة برنستون، خاصة كتابه «بيزنطة والعرب خلال القرن السادس» الذي يقع في مجلدين، وكتابه الثاني «بيزنطة والعرب في القرن الخامس» الذي يدرس الحوليات والآثار الإغريقية ـ الرومانية في فلسطين ويتوقف عند لفائف النقب. والفصل 12 من الكتاب الثاني يخصصه شهيد لمصادر التاريخ العربية، فيعرّف بالمؤرّخ وعالم الأنساب هشام بن محمد الكلبي (توفي 204 للهجرة)، صاحب «افتراق العرب» و»جمهرة النسب» وأعمال كبرى تظلّ مصنفات ومراجع لا غنى عنها في هذه الميادين.
بيد أنّ منهجيات صهينة فلسطين، وتهويدها قلبئذ وبعدئذ، لن تتوقف عند حشر الكنيسة المكتشفة في سياقات استيطانية، بل تذهب أبعد لكي ترفد وجود نصوص فرجيل في النقب، بماضي الصلات بين الانتداب البريطاني والصهيونية المبكرة عبر شخص ت. إ. لورانس (العرب، بالطبع) في المنطقة ذاتها. «على خطى» هذا الضابط البريطاني الكولونيالي، يجب أن يشير اكتشاف الكنيسة في نيسانا، ولا حاجة لأيّ برهان تاريخي أو معطى أركيولوجي، من أيّ نوع ونمط ونسق في الواقع؛ إذْ تكتفي الفرضية الصهيونية بذاتها، ولذاتها، حتى عند علماء في الآثار يزعمون الالتزام بدقة ورصانة المستحاثة والأحفورة والحجر والرقيم.
بذلك، فإنّ مهمة لورنس في فلسطين وشبه جزيرة سيناء، صحبة زميله الآثاري سير ليونارد وولي، لم تكن مَسْحية عسكرية وتجسسية صرفة، هدفها استكشاف صحراء النقب وتقديم المعلومات إلى وزارة الدفاع البريطانية، على سبيل مواجهة إمكانية توغل العثمانيين عبر هذه المناطق لاجتياح مصر. بل باتت، في التأويل الصهيوني، بعثة توراتية تفتش عن تخوم «برّية صين»، الواردة في مستهل سفر يشوع ـ 15، الأمر الذي سيسبغ شرعية تلقائية معاصرة على… «حصة يهوذا» في تلك الأصقاع: «وَكَانت الْقُرعَة لسبط بني يهوذا حسب عشائرهم: إلى تُخم أدوم برّية صين نحو الجنوب، أقصى التَيْمن…». أيضاً، يتساءل فيليب بوستروم في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: ألم تكن دعوة لورنس إلى «زراعة» فلسطين بأقصى سرعة، بمثابة ترخيص للاستيطان الصهيوني؟
وهذا نهج لا جديد فيه ولا طارئ، لأنه إنما يعيد التشديد على تقاليد عتيقة وثيقة الصلات بين صهيونية الاستيطان وصهيونية الآثار، ليس لأنّ كليهما يجهد لتثبيت أسبقية يهودية في تاريخ فلسطين، وبالتالي إنكار وجود الفلسطيني ذاته حضارة وتاريخاً، فحسب؛ بل كذلك لأنه صراع دائم مع تاريخ لا يتوقف عن دحض مزاعم الإيديولوجيا الصهيونية ويعرّي شتى طرائقها في التزييف والتضليل والتحريف. وليس من دون برهان ساطع، عالي الدلالة، أنّ التنقيب عن الآثار هو الهواية التي اشـترك فيها معـظم جنرالات دولة الاحتلال، على شاكلة إيغال يادين وموشيه دايان؛ وأنّ عالِم الآثار يؤدّي، في باطن الأرض الفلسطينية، المهمة المكمّلة التي يؤدّيها على سطحها جندي إسرائيلي يحمي مستوطناً غاصباً.
لطفيّة الدليمي: دليل غابة السرد
فرجيل ولورنس العرب: التاريخ والصهينة
نتنياهو بين المسيح وجنكيز خان: حين تبرّر القوة نفسها
11 مليون طالب سوداني خارج مدارسهم
خطورة الحرب على إيران وأمريكا ودولنا الخليجية!
النفط يرتفع بعد تهديدات من واشنطن وطهران باستهداف منشآت الطاقة
فينيسيوس يقود الريال لحسم الديربي والاستمرار في مطاردة برشلونة
الأرصاد تحذر من تدني مدى الرؤية الأفقية صباح الاثنين في المرتفعات الجبلية
إيران تطلق الموجة الصاروخية الـ75 نحو إسرائيل
رئيس الوزراء اللبناني: الحرس الثوري يدير عمليات حزب الله في لبنان
تصعيد إسرائيلي في غزة والضفة مستغلًا انشغال العالم بحرب إيران
الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 8 مسيرات في المنطقة الشرقية
إسرائيل تستخدم ذخيرة قديمة غير دقيقة لضرب إيران
زيلينسكي يأمل بإبقاء أوكرانيا أولوية لدى واشنطن رغم حرب إيران
إمام مسجد يطرد المصلين ويمتنع عن إلقاء الخطبة .. فيديو
سلاف فواخرجي لتيم حسن: بأي صفة تسخر من بشار الأسد
الصداع أثناء الصيام .. الأسباب وطرق الوقاية
الخدمة والإدارة العامة تنشر نتائج وظيفة مدير عام دائرة الأراضي والمساحة
تمريض عمان الأهلية تُنظّم ندوتين توعويتين بالمركز الصحي بعين الباشا
اليرموك تُطلق لجنة استشارية لدعم السياسات التنموية المبنية على العلم
وظائف شاغرة في وزارة الطاقة .. الشروط والتفاصيل
فضيحة الأوسكار 2026 تثير الجدل
هذه الدول أعلنت الجمعة أول أيام عيد الفطر .. تفاصيل
مديرية الأمن تنعى المواجدة والرقب ودويكات
الملك يصل إلى المنامة ويلتقي ملك البحرين
