«مولانا» في أمريكا: تصوّف ورومانس

«مولانا» في أمريكا: تصوّف ورومانس

06-04-2026 12:43 AM

رحل مؤخراً الشاعر والأكاديمي الأمريكي كولمان باركس (1937 ـ 2026)، الذي يصحّ أن تبدأ المعلومة الأولى في تعريفه من كونه المترجم الأبرز، بمعنى الكمّ وليس الكيف دائماً، للعشرات من قصائد الشاعر والمتصوف الفارسي الإسلامي جلال الدين الرومي (1207 ـ 1273) إلى اللغة الإنكليزية، على نطاق الولايات المتحدة. وما يضع باركس في واحدة من أعجب ظواهر الترجمة بين اللغات الأدبية عموماً والشعر خصوصاً، هي حقيقة أنه أصدر نحو دزينة من الأعمال المكرسة للرومي، بين ترجمات شعرية أو كتابة وتعريف بالشاعر والشعر، من دون أن يتقن كلمة واحدة باللغة الفارسية!
والحكاية المأثورة تروي أنّ روبرت بلاي، أحد كبار روّاد قصيدة النثر الأمريكية الحديثة والمعاصرة، بادر ذات يوم فأهدى صديقه باركس نسخة من الترجمات الإنكليزية الأبكر لأشعار الرومي؛ يرجَّح أنها «مثنوي جلال الدين الرومي»، بترجمة رينولد ألين نيكولسن، التي كانت قد صدرت في لندن سنة 1924. ليس لقراءة شعر شرقي مختلف تماماً، حيث خصائص الشكل الإيقاعية المتحررة تتضافر مع أغراض مضمون تصوّفي وغزلي وفلسفي لا تقلّ حرّية، فحسب؛ بل كذلك «لإطلاق سراح القصائد من أقفاصها»، حسب تعبير بلاي.
وهذا ما عكف باركس على تحقيقه، في مقام أوّل مُنحت خلاله الأولوية لـ»تكييف» أشعار الرومي بما يتلاءم مع ذائقة الشرائح الشابة من القرّاء أوّلاً؛ خلال حقبة «العصر الجديد» الروحانية التي سادت أوروبا والولايات المتحدة مطالع سبعينيات القرن المنصرم، ثانياً؛ وبما يجعل قصيدة المتصوّف الفارسي المسلم أيقونة رومانسية للعشاق في عيد الحبّ، وعلى بطاقات المعايدة، أو حتى الوسائد، ثالثاً. الأمر الذي لم يردع باركس عن تجريد الرومي من البُعد الديني الروحاني/ الإسلامي تارة، أو الإفراط في تحويله إلى رمز شبه أبيقوري من الإسلام تارة أخرى؛ خاصة بعد عمليات 11/9 الإرهابية في الولايات المتحدة وشيوع نسخة متشددة من الأصولية الإسلاموية.
وفي هذه الأيام تحديداً، حيث تتواصل الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضدّ إيران، الشعب والبلد والتاريخ والحضارة والبنى التحتية قبل آيات الله وعسكر «الحرس الثوري» وعسس «الباسيج»؛ يُسجّل لجامعة طهران أنها في سنة 2006 تجاوزت عثرات باركس في ترجمة «مولانا» بنزاهة كافية، فمنحته الدكتوراه الفخرية. ولم تغفل عن توجيه الدعوة إلى صديقه بلاي لحضور مراسم التكريم، ضمن ملمح وفاء خاصّ يقرّ بدور الأخير في تعريف المترجم على الشاعر. ليس أقلّ إثارة للانتباه أنّ غلاة القوميين الفرس ممّن تعدّهم التصنيفات الغربية في خانة «العلمانيين» أو «المتنورين»، كانوا أشدّ من المتدينيين استشراساً على باركس، لأنه تجاسر على التخفيف من شخصية رمز وطني إيراني وقومي فارسي!
وفي مناسبة جريمة الحرب التي ارتكبها الجيش الأمريكي مؤخراً، بتدمير جسر كرج الأكبر في إيران، تصحّ استعادة كتاب باركس «رومي جسر إلى الروح: رحلات في موسيقى القلب وصمته»، الذي يتضمن مختارات من قصائد الرومي؛ وفي تقديمه جاءت هذه الفقرة: «على الدوام شاع النظر إلى رومي كجسر، مقام للثقافات والأديان تتلاقى وتبتهج ببعضها. وخلال ترحاله مع أسرته على امتداد طريق الحرير السابق لجيوش المغول، من بلخ في آسيا الوسطى إلى قونيا في تركيا، استجمع متاعاً ثرياً من الصور الطاوية والبوذية والزرادشتية، صحبة أقاصيص من الهند، تُضاف إلى تلك المختزنة عنده من النصوص الإسلامية. ويُقال إنّ الحاجة اقتضت 90 جملاً لتحمل كتب بهاء الدين (والد الرومي). ذاك جسر قافلةٍ جدير بالتأمل».
وفي مقدمته لمختارات أخرى من أشعار الرومي، «كتاب الحبّ: قصائد النشوة والحنين»، يستعرض باركس موقع الشاعر الفارسي بين كبار أقرانه من متصوّفي الإسلام، أمثال عبد القادر الجيلاني ومحي الدين ابن عربي؛ خاصة خلال الفترة بين القرن الحادي عشر وحتى الرابع عشر، حيث اعتُبر الرومي بمثابة «قطب» الحبّ والمعرفة والوجود، ونُظر إلى أشعاره كسجلّ يدوّن تجربة العيش في صميمها. ولأنّ المترجم شاء أن يهب جيل الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين تجربة استنارة فريدة من تقاطع القلب مع المقدّس، حسب تعبير باركس، فإنّ التوازن بين شوق التصوّف وتوق الرومانس كان أشبه باقتراح مزاج وسيكولوجية وهوية… جَمْعية، في كلّ حال ومجال.
ومن نافل القول إنّ الرومي مترجم إلى اللغة العربية على نطاق واسع، في مراحل مختلفة وبأساليب تتراوح بين الجزالة والبلاغة العالية أو التبسيط وتلمّس لغة العصر؛ وقد تستحقّ إشارة خاصة ترجمة كتاب «مثنوي»، التي أنجزها وشرحها وقدّم لها إيراهيم دسوقي شتا، وصدرت عن المشروع القومي للترجمة في القاهرة، سنة 1996. هي أيضاً تعتمد على نسخة رائدة حققها محمد استعلامي عن طبعة نُشرت في طهران سنة 1941، وروجعت على الطبعة المصوّرة من مخطوط قونية، 1982.
والأرجح أنّ غياب كولمان باركس اليوم لن يحول دون المزيد من تجارب ترجمة أشعار جلال الدين الرومي وكتاباته المختلفة، إنْ لم يكن بدافع إشباع فضول شائع للتعرّف على «إسلام آخر»، فعلى الأقلّ لأنّ مزاوجة التصوّف والرومانس لا تبدو تقليعة مؤقتة أو عابرة، سواء احتفت المواعيد بالقديس فالنتاين أو مجّدت حرباً وحشية همجية ضدّ مهد «مولانا».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد