مَن اليوم يتذكّر غوركي ولماذا

مَن اليوم يتذكّر غوركي ولماذا

13-04-2026 12:34 AM

ليس حدثاً عابراً، ولعله استطراد غير مألوف، أن تشهد مسارح بريطانيا ثلاثة اقتباسات لمسرحية من تأليف الروائي والقاصّ والمسرحي الروسي/ السوفييتي مكسيم غوركي (1868 ــ 1936). فرادة هذا الحدث تتعزز أكثر حين تكون المسرحية، «المصطافون»، ليست على رأس أشهر أعمال الكاتب في المسرح؛ على غرار «البرجوازيون الصغار»، «الحضيض»، «أعداء»، «ييغور بوليتشوف وآخرون»، و»فاسّا جيليزنوفا»، حسب العناوين التي استقرّ عليها المترجم سهيل أيوب، في طبعة «دار التقدم» سنة 1983.
فعلى مسرح ألدويش قدّمت «المصطافون» فرقةُ رويال شكسبير، سنة 1974؛ وعلى مسرح أوليفييه، ضمن عروض الملكي الوطني، قّدّمت في سنة 1999؛ وهي تُعرض، هذه الأيام أيضاً، على المسرح ذاته. وقياساً على ولع أوروبي شمل اقتباسات في ألمانيا والسويد وفرنسا وأماكن أخرى من القارّة العجوز، لعلّ جاذبية النصّ تكمن في ثلاثة جوانب؛ بصرف النظر عن اتفاق المرء أو اختلافه مع وجهات نظر المقتبسين هنا وهناك.
المسرحية، أوّلاً، وإنْ بدرجات متفاوتة، تعيد التذكير بألق أنطون تشيخوف عموماً، ومن حيث انتهت مسرحية «بستان الكرز» الشهيرة خصوصاً. وتبدو، ثانياً، أقرب إلى مرثية، حزينة وساخرة في آن، لشرائح تمثيلية من الإنتلجنسيا الروسية، لاهية ثرثارة متغافلة عن انفجارات شارع شعبي مضطرم، عشية ثورة 1905. كما أنها، ثالثاً، توفّر نموذجاً مختلفاً وثميناً، في المضمون واللغة والأسلوب، يتسق في كثير أو قليل مع تيارات الحداثة الأوروبية؛ وذلك من الأديب ذاته الذي اجترح تعريف «الواقعية الاشتراكية»، لتوصيف «أدب البروليتاريا».
وفي حدود ما تعلم هذه السطور، فإنّ مؤسسات حكومية كانت متخصصة في ترجمة الأدب الروسي/ السوفييتي إلى اللغة العربية، مثل «دار التقدم» و»دار رادوغا»، لم تتحمس لنقل «المصطافون» إلى لغة الضاد؛ مقابل حماس مفرط، مفهوم تماماً بالطبع، لترجمة أعمال غوركي الأخرى الروائية والقصصية، مثل «الأم»، «طفولتي»، «بين الناس»، «جامعياتي»، والمسرحيات المشار إليها في فقرة سابقة. الأرجح، ضمن تأويل سياسي قبل أن يكون أدبياً، أنّ تلك المسرحية تحديداً لم تكن واقعية اشتراكية بما يكفي، أو بما يتفق على نحو مُرْضٍ مع «جماليات» المدرسة؛ سواء ما بقي مترسباً في باطنها من ضوابط ستالينية، أو ما تسلل إليها من «تحديثات» خروتشوفية لم تفلح في تحريرها من قيود شتى.
ورغم علاقة الصداقة الخاصة التي جمعته مع زعيم البلاشفة الأكبر فلاديمير إليتش لينين، ولم تكن خالية من الندية وبعض اختلاف الآراء حول الفنون والآداب خصوصاً؛ فإنّ غوركي رحل من دون واقعة تصالحية إنسانية الطابع، تردّ إليه بعض حقوقه في التجريب والتحديث و»الانشقاق» قليلاً عن مذهب الواقعية الاشتراكية، ذاته الذي تصدّر التعريف به والترويج له. وقارئ مجلد الرسائل بين الرجلين، والذي لم تتأخر في تحريره وإصداره «دار التقدم» ذاتها، بلغات عديدة حيّة واسعة الانتشار، يلمس بعض «الغصّة» في تخاطب غوركي مع لينين؛ وإنْ لم ترقَ إلى سوية العتبى أو الشكوى.
لم تكن هذه، في مثال مقابل، حال الشاعر الروسي/ السوفييتي يفغيني إفتوشنكو مع نكيتا خروتشوف، حيث كان الشاعر في عداد منتقدي الأمين العام للحزب، قبل سنوات من شروع الأخير في تعرية عبادة الفرد، وحين كان الأوّل أحد أبرز فرسان الجيل الثاني من كتّاب الواقعية الاشتراكية. الحكاية تقول إنّ خروتشوف، وهو على فراش الاحتضار، استدعى إفتوشنكو واعتذر منه، فلم تكن المبادرة واحدة أخرى من مفاجآت الزعيم السياسي والحزبي المشاغب فقط، بل لعلها كانت ملمح احترام متأخراً: للشعر، وللمذهب الواقعي الاشتراكي كما جسده هذا الشاعر.
بذلك فإنّ الإجابة عن سؤال: مّن اليوم يتذكر غوركي، ولماذ؟ بالمقارنة مع عروض مسرحية «المصطافون» على خشبة لندنية؛ تحيل، من باب إنصاف الحدود الدنيا، إلى كتلة آداب رفيعة كان غوركي جزءاً لا يتجزأ من صناعتها، صحبة أمثال فلاديمير ماياكوفسكي، ميخائيل شولوخوف، جنكيز إيتماتوف، وآخرين في سياق روسي/ سوفييتي. ولم تلبث المدرسة أن أصبحت كونية، فاستقطبت لاحقاً أسماء رفيعة من عيار برتولت بريخت، لوي أراغون، بول إيلوار، بابلو نيرودا، رفائيل ألبرتي، يانيس ريتسوس، وناظم حكمت…
وليس إلا من باب التعامي المطلق، مسبق الانحياز والتأثيم والانتقاص، أن يتجاهل المرء كتلة هائلة من النتاجات الإبداعية في الشعر والرواية والمسرح والموسيقى والأوبرا والباليه، و»كيلومترات طويلة من الأفلام وقماش اللوحات» حسب تعبير أندريه سينيافسكي. ورؤية كلّ هذا لا يتوجب أن تنفصل عن حقيقة كبرى مركزية: أنّ غالبية هذه الأعمال جابهت الجمود والتصلب والدوغما وعبادة الفرد على أصعدة حزبية وحكومية، لكنها أعطت سينما أندريه تاركوفسكي، وموسيقى دمتري شوستاكوفيتش، وشعر أنّا أخماتوفا…
وإذا كان مفهوماً، ومشروعاً تماماً، أن يتواصل الاحتفاء بأدب غوركي، عبر مسرحية «المصطافون» تحديداً؛ فإنّ المستحق، الشرعي تماماً بدوره، هو عدم إغفال السياقات الروسية الاستثنائية التي كُتبت خلالها: الحرب الروسية ــ اليابانية، «الأحد الدامي» حين بلغت دموية النظام القيصري ذروة قصوى، عصيان البارجة بوتيمكن في البحر الأسود، إضراب تشرين الأول (أكتوبر) 1905، والثورة التي أعقبته…
كم من السياقات الأخرى الوجيهة، والأسباب والبواعث، كي يثمّن مشاهدُ السنة 2026 سنوات الجمر والحرائق والتحولات التي حرّضت غوركي وألهمت مسرحيته؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد: جناة يطعنون سائقاً ويضعونه في صندوق مركبته قبل أن يفروا

وزير الدفاع الباكستاني ينفجر غضباً .. وإسرائيليون يدعون إلى اغتياله

بدء مهاجمة محطات الكهرباء الإيرانية .. وطهران تهدد بإغراق المنطقة بالظلام .. فيديو

مقتل وزير الخارجية الايراني الأسبق كمال خرازي

تطورات بقضية استشهاد 3 من مرتبات إدارة مكافحة المخدرات

الصفدي: المفاوضات يجب أن تنتج تهدئة دائمة تعالج أسباب التوتر وتعزز الاستقرار

هذه المناطق على موعد مع أمطار غزيرة اليوم

بعد قانون إعدام الأسرى .. بن غفير يهدد زياش

واشنطن توافق على شرط إيراني مهم لأجل السلام

تنقلات وانتدابات واسعة في الجهاز القضائي .. أسماء

حرارة صيفية مبكرة تضرب عمان والأغوار والعقبة

الأمن: فيديو الاعتداء على شخص بصندوق مركبة مشهد تمثيلي

تحذير إيراني: المنطقة ستغرق في الظلام إذا استُهدفت البنية التحتية للطاقة

الهدنة على المحك .. إيران تتوعد بالانتقام وتلوّح بورقة النفط

المنطقة تقترب من الإنفجار الكبير مع انتهاء مهلة ترامب الليلة .. تطورات متسارعة