هنغاريا: قديم ينطوي ومنظومة ثابتة تتجدد

هنغاريا: قديم ينطوي ومنظومة ثابتة تتجدد

17-04-2026 12:03 AM

مشروع للمرء، كما هي حال هذه السطور، أن يبتهج لانطواء 16 سنة من حكم رئيس الوزراء الهنغاري اليميني المتطرف فكتور أوربان؛ وللبعض أن يقرن الابتهاج بمسحة شماتة في عدد من كبار أصدقائه، الفاشيين في كثير أو قليل وعلى شاكلته، أمثال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبقية أفراد الجوقة الأدنى شأناً: مارين لوبين في فرنسا، ماتيو سالفيني في إيطاليا، خيرت فيلدرز في هولندا، وسانتياغو أباسكال في إسبانيا.
ليس أقلّ مشروعية أن يجمع المرء بين إزاحة أوربان عن المشهد السياسي في هنغاريا، إلى واحدة من سلال مهملات التاريخ أغلب الظنّ، من جهة؛ وبين التشكيك، متعدد الأوجه والأسئلة والاستحقاقات، في أنّ حزب “تيسا” وزعيمه بيتر ماجيار الفائز في الانتخابات سوف يشكل بديلاً جوهرياً وجذرياً وديمقراطياً عن الخاسر الأكبر، حزب “فيديس”. صحيح، من حيث القاعدة العامة، أنّ الجديد خطوة ملموسة على طريق استبدال القديم؛ ولكن الصحيح الموازي لا يشذّ كثيراً عن القواعد إياها من حيث جذور ما يتجدد في تربة قديم ينطوي… ببطء شديد.
وقد تبدأ دورة مساءلة الصاعدين إلى السلطة في هنغاريا من حقيقة سِيَرية، مفادها أنّ ماجيار كان ربيب أوربان طوال سنوات، في كنف الحزب الذي يتزعمه الأخير؛ وأنّ انشقاقه، وتشكيل حزب مناهض، كان تحصيل حاصل للدرك الذي تسارع هبوط “فيديس” إليه، على أصعدة شتى لا تبدأ من الفساد والإفساد والبرامج التنموية المعطلة، ولا تنتهي عند الفضائح الجنسية وملفات الابتزاز والتستر عليها حتى حين تتصل بالأطفال والقصّر، وتمرّ خارجياً بسياسات أقرب إلى ألعاب الحواة في المؤاخاة بين البيت الأبيض والكرملين، وبين والاستهانة بالقانون الدولي واستقبال نتنياهو بالأحضان.
وأياً كانت حسابات الناخبين الهنغاريين في تصعيد ماجيار، ربما على سبيل المتنفس شبه الوحيد الذي يُبعدهم عن 16 سنة من كوابيس أوربان وحزبه ورجاله، ومع احترام كلّ تيار صادق أو نزيه أو مضطر يقف خلف فوز ساحق بلغ ثلثَيْ مقاعد البرلمان؛ فإنّ وعي الشارع الشعبي انحصر غالباً في خيارَين: إمّا سنوات جديدة في قبضة أوربان، أو قبول ما هو أقلّ مرارة في شخص هذا الـ”بلاي بوي” مخلوق الميديا الشعبوية وصناعة العلاقات العامة الليبرالية، بينما السقف في كلّ حال ظلّ ثابتاً ومخيّماً على الرؤوس لجهة استمرار النظام ومنظوماته، بأنساق مختلفة.
وماجيار، للتذكير المفيد ذي الصلة، سليل أسرة هنغارية ثرية متنعمة، ضاربة في العراقة الأرستقراطية (والبعض يستذكر دائماً أنّ كنيته في اللغة الهنغارية تعني، ببساطة: المجري!)؛ وأهواؤه ليست البتة على نقيض ذلك الطراز التسلطي والوحشي من الـ”نيو ليبرالية”، الذي زادته تشوهاً وانحداراً تجاربُ دول ما بعد المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية. ولم يكن بغير مغزى خاص أنّ واحدة من الفضائح الجنسية في عهد أوربان وضعت الفتى الصاعد أمام زوجته/ طليقته اللاحقة، التي كانت… وزيرة العدل، ليس أقلّ!

المغزى صارخ أيضاً في البيان الذي صدر عن مكتب نتنياهو، وتضمن عبارات ترحيب وتهليل بفوز ماجيار، وكأنّ لا فارق حقاً بين الفائز هذا والخاسر ذاك، وجاء فيه التالي: أعرب رئيس الوزراء الهنغاري المنتخب عن عزمه الحفاظ على علاقة وثيقة مع دولة الاحتلال، ودعا نتنياهو إلى المشاركة في احتفال إحياء الذكرة الـ70 للانتفاضة الهنغارية؛ فقبل الأخير الدعوة، وبدوره دعا ماجيار إلى اجتماع حكومي في القدس، وأعرب عن ثقته بأنّ العلاقات الحارّة مع رئيس الوزراء السابق سوف تتواصل مع رئيس الوزراء المنتخب. في عبارة أخرى، السجادة الحمراء التي كانت تُبسط في بودابست لمجرم الحرب المدان نتنياهو، ليس لها أن تُطوى مع انطواء صفحة أوربان؛ فلا جديد، استطراداً، تحت شمس العلاقات الهنغارية مع دولة الاحتلال.
والحال أنّ تطورات المشهد السياسي (وليس الاجتماعي ــ الاقتصادي أو الإيديولوجي) تعيد استيلاد الإشكاليات الكبرى، مثل الصغرى في الوقع، للغالبية الساحقة من تجارب التحولات التي سُميت “ديمقراطية ليبرالية” في أوروبا الشرقية؛ حيث جرى، ويجري، الانقلاب إلى النقائض القديمة بعد إضفاء أكثر من مسحة تبديل، زائفة أو سطحية عموماً. ومن نافل القول إنّ تبسيط المعادلات إلى فشل هنا أو نجاح عابر هناك، أو صعود لتيارات يمينية متطرفة أو يمينية في خطّ الوسط أو ليبرالية تائهة أو حتى يسارية غائمة البرامج… هو آخر المعايير الرصينة في أيّ تحليل لمتغيرات بلدان مثل هنغاريا وبولونيا ورومانيا وبلغاريا وتشيكيا وألبانيا.
والأمر هنا يشمل التبسيط الأول القائل إن مجمل مظاهر “الليبرالية الوحشية”، التي تهيمن بهذا القدر أو ذاك في تلك البلدان، ليست سوى عودة من النافذة لأخلاقيات وسلوكيات كانت الإيديولوجيا الرسمية للمجموعات الحاكمة قد أعلنت طردها مع سقوط جدار برلين؛ وكأنّ المشكلة كانت كامنة في الاقتصاد الاشتراكي وحده، وحصرياً. أو تبسيط ثانٍ يزعم أنها ظواهر كانت قائمة على الدوام، خافية أو مبطّنة أو نائمة، ولا تقوم اليوم بما هو أكثر من إماطة اللثام عن نفسها. وبهذا المعنى فإنّ النطاق الاقتصادي يأتي بعد (وليس قبل) المعضلات الإجتماعية، وبينهما تكون السياسة هي القشة التي ترجح كفّة الميزان.
إلى ذلك، ثمة ثمة في تطورات هنغاريا الأخيرة ما يعيد الأمريكي فرنسيس فوكوياما إلى الأذهان، لجهة إعلان نهاية التاريخ، وانتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية، في معركة ختامية لن تقوم بعدها قائمة لأية إيديولوجية منافسة. العالم استغرق خمس سنوات فقط قبل أن يصدر فوكوياما كتابه الثاني الذي يبشّر بنهاية الاقتصاد الوطني، وولادة اقتصاد كوني واحد، تدور حوله أفلاك اقتصادية أصغر، أو هي ليست بالاقتصاد إلا لعدم توفّر مصطلح بديل يصف طبيعتها.
القاسم المشترك، وخسران الرجل الفادح والمذلّ والفاضح، كان أنه في الحالتين أساء قراءة ملامح “الرجل الأخير”، أي ذاك الرأسمالي الذي سيرث الأرض بعد طيّ صفحة الحرب الباردة؛ ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق حقيقة عودة الأشباح العتيقة، فلم تعد تجوس أقدار حفنة الدول التي صنعت محور “المعسكر الشرقي” ذات يوم، بل باتت تجوس في أروقة الكرملين، وتسرح في جورجيا، وتمرح في أوكرانيا، وأحدث مظاهرها تبدت مؤخراً في هنغاريا.
فإذا لم يكن ماجيار “أوربانيّ” التربية والتنشئة والحاضنة العقائدية والسلوكية، فإنه بلا كبير شكّ محافظ على أصعدة سياسية واجتماعية ـ اقتصادية داخلية وخارجية، ولن يخالف الكثير من التوجهات الأوربانية حيثما، وكيفما، ساقته التيارات الكبرى في النظام ومنظوماته. ولا يصحّ أن تُنسى، هنا، حقيقة كبرى باتت تطبع صفة “المحافظة” في أوروبا المعاصرة، كأن تتخذ وجهة النكوص إلى ماضٍ قوموي داكن (في بولندا مثلاً)، أو عنصري وديني إلى جانب عصبويته القوموية (إسبانيا، حيث تدعو حركة “فوكس” إلى إحياء محاكم التفتيش القروسطية!)، أو تدفع حزباً يمينياً اعتاد أن يكون جمهورياً ديغولياً (في فرنسا) إلى المناداة بـ”جذور يهودية ــ مسيحية” صرفة!
ولم يكن تفصيلاً عابراً أنّ ج. د. فانس، نائب الرئيس الأمريكي، لم يهرع إلى بودابست لنصرة أوربان قبيل اختتام الحملة الانتخابية، فحسب؛ بل تجشم العناء كي يدبج هجاء مشحوناً ضدّ تلك الليبرالية الأخرى، غير الترامبية وغير الشعبوية وغير المؤمنة بالتفوّق العرقي الأبيض، الحاكمة هنا وهناك في أوروبا الغربية. متجاهلاً، إذ كيف يجهل، أنّ ماجيار ليس ابناً عاقاً عاصياً منشقاً، بل هو سليل النظام أمينٌ وفيّ.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد